أول صفحة في كتاب الحضارة!
عزت السعدنى
12
125
<< نعود إلي رحلة الحضارة التي ركبنا قطارها إلي طيبة عاصمتها ومقر حكم الفراعين العظام والتي نعرفها اليوم باسم الأقصر. كم هو جميل ورائع أن تذهب إلي مدينة داخل حدود وطنك.. عمرها الحضاري.. يعود إلي الوراء أربعة آلاف عام ويزيد.

بالطبل والزغاريد ورقصات بنات الصعيد ورجالها يلعبون أمامنا لعبة التحطيب وهي لعبة الضرب بالعصا الطويلة.. ومن يلقي من اللاعبين عصا الآخر.. يتوج بطلاً للعبة.. وسط تهليل الأهل والصحاب والزوار الذين جاءوا من أقاصي الدنيا.. ومن بلاد تكسوها الثلوج.. ولا تطلع شمسها إلا بضع ساعات من النهار.. في فصل الشتاء.. أو يطول نهارها حتي تغرب شمسها في الحادية عشرة مساء بتوقيت بلادنا.. كما شاهدت وعشت بعد أن أصبحت صحفيًا مرموقًا في بلاد السويد والنرويج فيما يطلق عليه الجغرافيون في كتبهم الدراسية.. شبه الجزيرة الإسكندنافية.. التي تضم فيما تضم بلاد السويد والنرويج وإيسلندا ومن بعدها ألاسكا.. في قلب القطب الشمالي المتجمد أغلب أشهر السنة!

<< أقول بالطبل والمزمار الصعيدي ولعبة التحطيب استقبلتنا الأقصر فاتحة ذراعيها لأحفاد الفراعين العظام ـ الذي هم نحن ـ الذين جاءوا بالحب كله وبالشوق كله وبحب الاستطلاع وبالنهم إلي المعرفة وقراءة تاريخ مصر العظيم.. حيث ولد في أماكن صناعته وصياغته قبل أربعين قرنًا ويزيد.. نزلنا من محطة الأقصر.. لنجد خارج المحطة عربتي أتوبيس من أيام سيدنا نوح.. أقصد من أيام تونوكروفت مخترع عربات الأتوبيس في أواخر القرن التاسع عشر. ركبنا كلنا هيلا بيلا وسارت السيارات بنا ونحن نغني ونهلل حتي وصلنا إلي معبد الأقصر.. نزلنا كلنا لنجد مرافقنا في الجولة الحضارية.. وهو الأستاذ مصطفي الصغير مدرس التاريخ المصري القديم في مدارس الأقصر.. وقد تدهشون كيف مازلت أحفظ اسم الرجل رغم مضي نحو نصف قرن ويزيد عليها؟

وأقول لكم لأن هذا الرجل هو من أدخل حب تاريخ مصر في صدري.. حتي يومنا هذا.

<< يا لهذه الروعة والعظمة والجمال.. ياه.. ومن ذا الذي وضع هذين التمثالين العظيمين علي باب معبد الأقصر؟

يجيبني علي الفور أستاذ التاريخ عم مصطفي الصغير بقوله: يا ابني إنه ملك الملوك رمسيس الثاني.. أعظم ملوك مصر كلها.. إنه عاش إلي ما بعد التسعين من عمره.. وحكم مصر علي مدي 67 عامًا.. وأنجب من الملوك والملكات والأمراء والأميرات أكثر من رقم المائة! صرت رفيق درب ومشوار أستاذ التاريخ أفسر معه وأتعلم وأفهم.. أو أحاول أن أفهم وأدرس عظمة تاريخ مصر قبل الزمان بزمان. ورحنا نتجول داخل المعابد المتراصة داخل المعبد الكبير.. الذي يضم تماثيل ومسلات وقاعات التعبد والصلاة حتي وصلنا إلي قدس الأقداس.. وهو المحراب الذي لا يدخله إلا الكاهن الأعظم للمعبد ومعه الملك الجالس علي العرش في زمانه.

ولكن الآن قدس الأقداس مفتوح أمام الجميع.. بعد أن كان لا يدخله أبدًا إلا الملوك العظام وفي مقدمتهم ملك الملوك رمسيس الثاني! بل إن بعثة تلاميذ القناطر الخيرية.. لم تكتف باقتحام قدس الأقداس ـ كعبة الملايين القدماء ـ بل راحوا يتسلقون جدران المعابد ويصعدون إلي السقف.. ليلتقطوا صورًا تذكارية لهم داخل هذا المكان المقدس.. بل إنهم تسلقوا التماثيل العظيمة.. لملك الملوك رمسيس الثاني.. وتوت عنخ آمون.. وراحوا يصورون بعضهم بعضًا.. بكاميرات ذلك الزمان العتيقة.. والتي كانت أيامها آخر ما وصل إليه العلم في آلات التصوير من ماركات الرولر فليكس والكوداك.

<< قد تسألونني عن زميلنا إبراهيم الذي انسكب فوق ذراعيه السبرتو الحارق وهو يصنع لنا أكواب الشاي داخل قطار الدرجة الثالثة الذي حملنا إلي الأقصر.. أين ذهب؟.

ولماذا لا نسمع عنه خبرًا واحدًا؟ وجوابي: إن عمنا إبراهيم بسلامته قد شفي من الحروق.. أو قارب علي الشفاء.. وتسلم منا مهمة خط سير الرحلة داخل مدينة الأقصر الجميلة. قالوا لنا: هيا لنذهب إلي معبد الكرنك العظيم علي بعد نحو أربعة كيلو مترات ونصف الكيلو من معبد الأقصر. قلنا لعمنا إبراهيم المحروقي ـ هكذا أطلقنا عليه هذا اللقب ـ بعد ما أصابه داخل القطار الذي جاء بنا من القاهرة: نريد أن نركب الحنطور؟

قال لنا أستاذ التاريخ مصطفي الصغير: ليس في البرنامج حناطير.. ولكن الأولاد الأشقياء سبقونا وصعدوا إلي طابور الحناطير الواقفة علي باب معبد الأقصر.. وقالوا لأصحابها: ياللابينا علي معبد الكرنك!

<< وسار بنا موكب الحناطير.. وبكل أسف وأسي.. لم تكن أغنية محمد العزبي الشهيرة: "الأقصر بلدنا.. بلد سواح فيها الأجانب تتفسح.. ولما يجي ميعاد المرواح.. تبقي موش عاوزة تروح". وتسألون: إزاي؟

والجواب: لأن الفيلم كله الذي أخرجه علي رضا ومثل فيه محمود رضا وفريدة فهمي.. أجمل الأفلام الاستعراضات الغنائية الراقصة.. لم يكن قد ظهر بعد!

<< وصل موكب الحناطير التي حملتنا كلنا.. نحو عشرة حناطير.. كل حنطور يركبه خمسة من التلاميذ.. لا مكان بيننا للبنات.. فلم يكن الاختلاط في المدارس قد انتشر بعد.. للحق لقد أصابنا معبد الكرنك.. كلنا.. بالدهشة والعجب.. صحنا كلنا بمجرد دخولنا بهو الأعمدة العظيمة.. وكل عمود يخترق كبد السماء.. كأنه يقول للملائكة الأبرار.. نحن المصريين عرفنا الله الواحد الأحد قبل الزمان.. بزمان!

ولكن ذلك حكاية أخري.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق