الألتراس والداخلية.. حكاية دم وقصة شغب
عبدلمنعم فهمى
12
125
الألتراس والداخلية.. حكاية دم وقصة شغب
لم تكن المقدمات تؤدي إلي هذه النتائج السيئة والصدام الدامي بين الألتراس والشرطة، بعد مباراة السوبر الأفريقي التي فاز بها الأهلي، وحقق اللقب السادس والبطولة 19 في تاريخه. كل الأجواء قبل المباراة مثالية ورائعة، فالجماهير توافدت بكثافة في حدود المسموح به، وهو 30 ألف متفرج، بل إن التعاون بين الألتراس والشرطة كان رائعًا أيضا من خلال السماح للكثير ممكن لا يحملون تذاكر بالدخول.

وما حدث قبل المباراة من دخلات رائعة يشير إلي أن اليوم سيكون مثاليا، خاصة أن كل من كان باستاد القاهرة بات مقتنعا بأن هناك تحسنًا نسبيًا أو حتي مستترًا في العلاقة بين الألتراس والداخلية، بعد أحداث بورسعيد الدامية قبل عامين والتي راح ضحيتها 72 من زملائهم هناك في استاد الموت. وكان الـ3d الرائع والمصمم بعالمية لهدف محمد أبوتريكة في مرمي الصفاقسي بملعب رادس بتونس، وهو الهدف الذي حصل به الأهلي علي اللقب عام 2006 خير مثال علي أن المباراة لن تكون عادية، بل كرنفال كروي، سيتوج من خلاله الأهلي باللقب ويصالح جماهيره بعد سلسلة من الإخفاقات في الدوري، التي أوصلته للمركز الثالث في مجوعته الأولي خلف سموحة والمقاولون العرب.

جاءت الدقيقة 70 من المباراة لتشهد هتافات مختلفة، بعد فاصل من التشجيع للاعبين والتفاعل مع المباراة. الهتافات كانت ضد الشرطة وتحديدا حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق والمحبوس علي خلفية عدة قضايا. ولم يعر كل من في الاستاد أهمية للأمر بعد أن تعودنا جميعا هذه الهتافات في كل مباراة تعود فيها جماهير الأهلي بأوامر من الكاف، وتحديدا التي يكون طرفها الأهلي في البطولات الأفريقية، وفي غمرة الاحتفال باللقب، وبعد أن رقص الكل احتفالا بالانتصار الكبير علي الصفاقسي والعودة من بعيد ومن رحم الإخفاقات المحلية، فوجئ كل من في الملعب بسيناريو مختلف تماما لا يعبر عن كل هذه المقدمات المزينة بالورد.

"الأهرام الرياضي" كانت هناك وشاهدت الكثير من التفاصيل التي لم يرها أحد بعد أن ساقتها الأقدار للبقاء بعد أن تم إغلاق الأبواب خوفا من استمرار الاشتباكات، وكانت سيارة الأهرام قد راحت ضحية هذا الغلق، ولم نستطع العودة إلا بعد ساعتين علي انتهاء المباراة والمؤتمر الصحفي أيضا الذي طال وقته بعد أن شهد واقعة إعلان وائل جمعة نجم الأهلي الاعتزال. في غمرة الاحتفال والكل يرقص فرحًا، وبعد أن انصرف الكثير من المسئولين الكبار.

رجال الاتحاد الأفريقي والمصري ووزير الرياضة وأعضاء مجلس الأهلي، ودخول الإعلاميين مقر المؤتمر الصحفي، انتشر الذعر علي خلفية أصوات عالية وقنابل مسيلة للدموع، وكراسي تتطاير من هنا وهناك وأصوات اشتباكات خارج القاعة. ولا ندري هل نقول إنه لسوء أم لحسن الحظ أن نكون شهودا علي الواقعة من بدايتها، حيث فوجئنا بعد رحيل كل لاعبي الأهلي إلي غرفة خلع الملابس، بأن عددًا من أفراد الشرطة، يتبادلون إلقاء الكراسي المكسورة من المدرجات مع أفراد الألتراس، علي خلفية عدة سيناريوهات رواها كل منهما حسب مصلحته، لكن كلتا الروايتين حدثت والخلاف هو من سبق الآخر في الاعتداء. المهم أن الكر والفر استمر نحو الساعة، عقب انتهاء مراسم الاحتفال وتسليم الجوائز، وسكتت الشرطة كثيرا علي الاعتداءات التي استمرت نحو 5 دقائق دون رد، وكانت المقذوفات من مدرجات الأهلي تتراوح بين كراسي وزجاجات مياه، وشماريخ.

بعد مرور الدقائق الخمس تلقي أفراد الشرطة أوامر بالرد بالزجاجات والكراسي الطائرة علي المدرجات الحمراء، لكن ذلك لم يكن كافيًا لانتهاء الصدام، وفوجئنا بأن رجال الشرطة يحاولون الصعود للمدرجات لإرهاب أفراد الألتراس، وبالفعل هرب الكثيرون منهم، ووقع بعضهم في أيدي الشرطة، لكن كانت المفاجأة بعد دقائق، هي عودة الألتراس وأمامهم رجال الشرطة يهربون منهم، حتي إنهم تعرضوا للسحل والضرب بأيدي هؤلاء الشباب. هنا فقط تلقي أفراد الشرطة أوامر صارمة بتعقبهم مرة أخري مع إلقاء قنابل مسيلة للدموع لتفريقهم، وانتشرت الغازات بالاستاد وفر الألتراس، وانتشر رجال الشرطة في كل المدرجات وطاردوا الجمهور في كل الطرق المؤدية إلي الاستاد، حتي أصبحت كأنها حرب شوارع بينهما مما جعل عددًا من الجانبين يسقط ما بين جريح وفي قبضة الأمن. وبعد هدنة قصيرة فوجئنا بتجدد الاشتباكات، بعد ساعة من انصراف أوتوبيس اللاعبين مع بعض أعضاء الألتراس الذين قرروا البقاء للانتقام لكن انتهت هذه المناوشات بسلام بعد أن أغلق رجال الاستاد بتعليمات من الشرطة كل المنافذ المؤدية إليه وتحصنوا داخل البوابات. وبعد انتهاء الصراع التقط أفراد الشرطة أنفاسهم، وداووا جرحاهم، وبقوا أمام البوابات المؤدية إلي خلف المرمي يفترشون الأرض نحو ساعة كاملة رافضين العودة، حتي يطمئنوا إلي مغادرة كل أفراد الألتراس.

حيث تجمع كل الضباط والجنود أمام عدد كبير من البوابات ورحلوا في الساعات الأولي من الصباح، وعقب انتهاء النيابة من معاينة موقع الأحداث. أصدرت وزارة الداخلية بيانها عقب انتهاء المباراة والأحداث. البيان روي ما حدث بالضبط، لكنه اتهم الألتراس بالبدء في الأحداث والتسبب فيها.. قال البيان إنه عقب انتهاء مراسم احتفال فوز الأهلي ببطولة كأس السوبر الأفريقي باستاد القاهرة الدولي قامت مجموعة من الجماهير بترديد هتافات معادية للشرطة وإلقاء زجاجات المياه ومقاعد الاستاد وإطلاق الألعاب النارية والشماريخ تجاه القوات المكلفة بتأمين المباراة، مما أسفر عن إصابة 10 ضباط و15 مجندًا.

وقد تمكنت القوات من إخلاء المدرجات، وأثناء انصرافهم قاموا بإضرام النيران بإحدي سيارات الشرطة وسيارتي ملاكي، وعدد من الأشجار المحيطة بالاستاد، وتمكنت القوات من إخماد الحرائق والسيطرة علي الموقف وضبط عدد من مثيري الشغب.. وجار اتخاذ الإجراءات القانونية قبلهم. وختم بيان الداخلية بأن الوزارة تدرس إعادة النظر في قرار حضور الجماهير مباريات كرة القدم. بيان الداخلية ألقي باللائمة علي الجماهير وبأنها التي سبقت في الاعتداء، وبأن كل ما فعله رجال الشرطة، يندرج في سياق رد الفعل. وجاء رد الألتراس علي الأحداث في اليوم التالي، فقد أوضحت الرابطة، علي صفحتها الرسمية علي موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، أسباب الاشتباكات، مؤكدة أن وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي هو السبب في إشعال نار الخلاف بينهم وبين الداخلية. وقالت الرابطة إن الأمور سارت طبيعية دون أي مشكلات، وقمنا بتنظيم الدخول إلي المدرجات بأنفسنا كما وعد به الجروب قبل المباراة، وأن نركز في التشجيع لأن الفوز سيأتي بتشجيع الجمهور. وقالت الرابطة: "إذا كنا نريد افتعال مشكلة كنا فعلنا عند دخولنا للمدرج. وأشارت إلي أن المشكلة بدأت عندما قمنا بسبّ حبيب العادلي، وهو ما أثار غضب أفراد الداخلية.. لماذا يغضبهم سب وزير سابق محبوس، أم أنهم مازالوا يرونه وزيرهم ويسيرون علي نهجه؟".

وأضافت الرابطة: "بعد ذلك جاءوا ليحاولوا أخذ بانر الجروب الرئيسي لتبدأ حينها الاشتباكات، ولكنهم لم يستطيعوا أخذ أي بانر من الجروب. ويتحدثون عن إصابات في صفوفهم ولم ير أحد أو يتحدث عن كسر باب المدرج من الداخلية واقتحامهم للمدرج في وجود 20 ألف متفرج وضرب غاز وخرطوش ورصاص حي، ولم يتحدثوا عن الإصابات بين الجمهور الموجود الآن في المستشفيات. وقالت الرابطة، إن "جمهور كرة القدم بالنسبة له حضور المباريات أهم من أي شيء، وهو ما طالبنا به، ولكن هذا ليس معناه أننا سنسكت أو نرضي برجوعهم للقمع والتعنت والغباء الأمني.. سنبقي كما كنا ونكون".

ولأن "الأهرام الرياضي" كانت شاهدة عيان، فإن الروايتين اللتين سمعتهما من أحد أفراد الألتراس وأحد الضباط متطابقتان تماما، وتعبر عن رأي كل فريق، لكن كليهما يحاول الإيحاء بأنه الطرف المعتدي عليه، والحقيقة التي لا تقبل الشك هي أن انطلاق الشرارة سببها الهتافات المعادية التي خرجت من المدرجات، وتتوعد رجال الشرطة وبأنهم سيعودون إلي التحرير للانتقام، وأنه ما كان يجب علي الألتراس أن يفسد فرحة الفوز باللقب، وحتي لو بصورة مؤقتة.

الغريب أنه قبل المباراة كانت هناك دراسات ومطالبات بأن تعود الجماهير إلي المدرجات، لكن اتحاد الكرة قرر ـ ولو مؤقتا ـ التراجع عن الفكرة وتجميد المفاوضات مع طاهر أبوزيد وزير الرياضة من أجل التوسط لدي وزارة الداخلية للسماح بحضور الجماهير للدوري بداية من الدور الثاني الذي ينطلق في 9 مارس.

وزير الرياضة أكد عقب اللقاء في حديث مع أعضاء الجبلاية أن عودة الجماهير أصبحت شبه مستحيلة بعد أحداث الشغب.

الشغب تسبب في تحطيم 5 آلاف كرسي من المدرجات، دون اعتبار لأموال الدولة، ولأهمية الاستاد الذي عاد أخيرا لاستقبال المباريات والجماهير بعد عامين من التجميد، وكأنهم يعاقبون القائمين عليه الذين سمحوا لأفراد الألتراس بإجراء بروفاتهم صباح المباراة، وتحملوا المسئولية في شجاعة عقب تدخل مسئولي الأهلي لإقناعهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق