الليلة التي فقد فيها الألتراس حب الجميع
ياسر ايوب
12
125
الليلة التي فقد فيها الألتراس حب الجميع
أحب وأحترم حمدين صباحي المرشح الرئاسي في الانتخابات المقبلة وأرفض اتهامات كثيرة تطارده هنا وهناك.. لكنني لا أقبل أو لا أقتنع بكل ما قاله عن ضرورة الإفراج الفوري عن كل أعضاء ألتراس الأهلي الذين تم إلقاء القبض عليهم بعد الشغب الذي قاموا بها وكل تجاوزاتهم التي شهدها استاد القاهرة أثناء وبعد مباراة السوبر الأفريقي يوم الخميس الماضي.. فمن الواضح أن حمدين صباحي قرر الدفاع عن الألتراس ظالمًا أو مظلومًا.. جانيًا أو مجنيًا عليه.. ولست أريد الدخول في نوايا وضمير أي أحد فأتهم حمدين صباحي بأنه يسعي لتأييد الألتراس وهتافاتهم الصاخبة وطبولهم في الانتخابات المقبلة.. ولست أريد اتهام صباحي أيضًا بأنه يحاول اللعب علي أوتار مشاعر الألتراس الذين هم أصلاً ضد الجيش يتصورون أن المجلس العسكر كان هو الذي دبر مأساة استاد بورسعيد قبل ثلاث سنوات.. فقد يكون حمدين صباحي بالفعل مقتنعًا ببراءة الألتراس أو متعاطفًا معهم دون أن يتاجر أو يحاول استغلال مشاعرهم.. ولكنني في كل الأحوال أبقي مختلفًا معه.. ومع أي أحد يدافع عن خروج الألتراس علي كل الحدود والنظم بالتحديد في مباراة السوبر الأخيرة..

ففي تلك المباراة.. بدا كثيرون من أعضاء ألتراس الأهلي وكأنه يزعجهم جدًا أن ينتهي اللقاء بفوز ناديهم ببطولة أفريقية يحتاج إليها ويثبت من جديد أنه الأجمل والأفضل أفريقيًا.. بدوا وكأنه لا يرضيهم مطلقًا أن تنتهي المباراة بسلام وفي جو احتفالي يليق بالحدث وبالبطل الأفريقي أيضًا دون أن تكون هناك أي مشاكل وأزمات وجروح.. وكأنه يحزنهم جدًا ويغضبهم للغاية أن تمتلئ المدرجات والميادين والمقاهي والبيوت بعشاق حقيقيين للأهلي استعادوا الكبرياء القديم والجميل وانتشت قلوبهم بانتصار جاء في أوانه، وكان يحتاج إليه ويفتش عنه الجميع في هذا الزمن الصعب بكل تفاصيله ومعانيه.. خافوا أن تنتهي ليلة الفرحة دون أذي وجروح ودماء تسيل قدر المستطاع.. فكان أن قرر هؤلاء فجأة الاشتباك مع غلابة الأمن المركزي وضباط الداخلية.. كان دافعهم الوحيد وقتها هو إفساد الفرحة وسرقتها.. صحيح أنهم بعد ذلك قالوا إنهم كانوا ضحية لاستفزازات الداخلية ورجالها ضدهم إلا أنه كان ولا يزال يصعب الاقتناع بأن الداخلية وسط كل همومها وأزماتها الحالية تخطط للاستمتاع باستفزاز شباب الألتراس.. وعادوا وقالوا إنهم يثأرون ممن أساء إليهم في الماضي.

ومرة أخري لم يقتنع أحد بأن العساكر الغلابة الذين تم قذفهم بالحجارة وسحل أحدهم بمنتهي القسوة والإهانة وإيذاء كثيرين منهم هم الذين سبق لهم الإساءة لعظماء الألتراس. وفي حقيقة الأمر لم يعد مفهومًا عداء الألتراس للداخلية وضباطها وجنودها.. فأنا أفهم أن الحب والكراهية والعداء والحساسية كلها مشاعر ليست دائمة.. وإنما قابلة طوال الوقت للتغير بتوالي الأيام والوقائع والحكايات وتعديل الأفكار والحسابات.. فعلي سبيل المثال.. لم أعرف لماذا ذهب ألتراس الأهلي لمباراة السوبر وهم يرفعون أكثر من لافتة مسيئة للداخلية تتهمها بأنها تنام في سرير أي نظام.

دعكم من أن تلك اللافتات تعني أن من رفعها رافض لكل ما جري في مصر منذ الثلاثين من يونيو.. وأنها تتحول تلقائيًا لدليل يقدمه الألتراس بأنفسهم علي هواهم وانتمائهم السياسي ويؤكدون صحة الاتهامات التي بدأت تطاردهم وتلاحقهم طوال الوقت بأنهم تحولوا من عشاق للكرة وللأهلي إلي مجرد أداة في يد جماعة أو تيارات سياسية تستغلهم وتستخدمهم في مصالحها وحروبها السياسية.. لكن السؤال الحقيقي يبقي هو ما علاقة الداخلية في تلك المباراة بالتحديد.. ولماذا كان الإصرار علي شتم حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق.

فحبيب العادلي اعتزل الخدمة منذ ثلاث سنوات وهو الآن في السجن لا حول له أو قوة.. فهل بقي حبيب العادلي حتي الآن هو العدو الأول للألتراس حتي وناديهم يلعب السوبر الأفريقي وينتصر ويفوز به.. فضلاً عن أن حبيب العادلي كان مسجونًا وقت مذبحة استاد بورسعيد ولا علاقة له بها.. أي كان الأولي أن يهتف الألتراس ضد من يتهمونهم بقتل شهدائهم.. وليس الرجل الذي غاب واختفي منذ وقت طويل.. ولست أدافع عن العادلي أو غيره إنما فقط أؤكد أن كثيرًا من سلوك الألتراس لم يعد مفهومًا.. ولم يعد مقبولاً أيضًا.. فاللواء أشرف عبدالله.. مساعد وزير الداخلية للأمن المركزي.. أكد أن الداخلية لم تتردد في الموافقة علي دخول ثلاثين ألف متفرج للمباراة وليس فقط عشرة آلاف.. فكان الجزاء هو الاعتداء علي العساكر والضباط.. بالتحديد ثمانية ضباط وثلاثة عشر مجندًا تم الاعتداء عليهم وإصابتهم.. ولا أحد يملك تفسيرًا لذلك.. بل ولا أحد يملك أيضًا تفسيرًا أو تبريرًا لتخريب مدرجات استاد القاهرة ونزع مقاعدها وتكسيرها وتحطيم كل ما طالته أيديهم.. فمن المؤكد أن استاد القاهرة لم يستفزهم أثناء المباراة.. ومن المؤكد أيضًا أنهم لا يطالبون بأي ثأر من مقاعد الاستاد.. وأن هؤلاء بالفعل لا يريدون أن يفرح أحد ولا يحبون أي هدوء وصفاء وأمان وسلام.. وقد بات أمثال هؤلاء كثيرين جدًا في مصر اليوم.. يعرفون أن أدوارهم ستنتهي وبريقهم سينطفئ لو هدأت الأمور وعاد الأمان والاستقرار وعلا صوت الحق ولم يعد هناك من هو فوق القانون والمساءلة والحساب.

ولست في حاجة إلي أن ينبهني أحد بأنه لم يكن كل أعضاء ألتراس الأهلي يريدون سرقة الفرحة وكان منهم من استسلم بالفعل لفرحته التلقائية الجميلة واقتسمها مع كل جماهير الأهلي.. أو أن الشرطة المصرية لم تكن لها خطايا وجرائم وقعت في أماكن أخري بعيدًا عن استاد القاهرة ومدرجاته.. ومثلما أرفض تعميم الاتهامات فإنني أيضًا أرفض خلط الأوراق والأدوار.. وإذا كان بعض قادة الألتراس نتيجة الغباء أو الفساد أضاعوا حق شهداء الأهلي بعدما اتهموا الجميع بلا استثناء بالتخطيط وارتكاب مذبحة بورسعيد.

فأنا هنا في المقابل أرفض نفس الغباء واتهام الألتراس بأنهم أداة في يد الإخوان أو رجال أعمال أو سياسة حتي لا يكون هناك حساب ومحاسبة حقيقية.. فما جري في استاد القاهرة جريمة وخروج عن القانون والنظام ينبغي التحقيق فيه دون أي مجاملة أو تسامح مع من يسرق الفرحة وسيبقي يسرقها إن لم يحاسبه أحد. أتمني أن يخرج علينا أي من قادة ألتراس الأهلي ويشرح دوافعهم الحقيقية التي قادتهم لكل ذلك في مباراة السوبر.. فلم يعد الكلام القديم للألتراس بهذا الشأن صالحًا للاستخدام الإعلامي أو السياسي.. وحكاية الانتقام من قيادات وزارة الداخلية وقت وقوع مذبحة استاد بورسعيد.. فقدت الكثير من منطقها وصدقها بعد تحقيقات النيابة بشأن المذبحة ووصول القضية إلي محكمة الجنايات التي تستعد لإصدار أحكامها بعد غد السبت.. فهل نحن حقًا في انتظار أحكام القضاء أم أننا نفضل أخذ حقوقنا بأيدينا.. فلا يمكن واقعيًا الجمع بين الاثنين.. إما أنك تعترف بالقضاء وتلجأ إليه أو أنت في الأصل لست معترفًا بهذا القضاء ولا تحتاج إلي أحكامه.. وألتراس الأهلي طيلة الفترة الماضية يؤكدون أن الجناة الحقيقيين في المذبحة لم تطلهم حتي الآن يد حساب أو قضاء.. وهو كلام حماسي صاخب يصلح لهتافات تقوم بها مظاهرات ووقفات الاحتجاج والغضب.. أما في الحقيقة فلا أحد من ألتراس الأهلي قدم حتي الآن أي مستندات أو أدلة عن جناة آخرين خارج القفص.. وهذا الكلام يعني أنه ليس من حق ألتراس الأهلي الاعتراض علي أحكام النقض حتي إذا كانت أحكام بالبراءة.. فالجناة الكبار والحقيقيون حسب كلام ألتراس الأهلي أنفسهم خارج قفص المحاكمة.. والقصاص الحقيقي ينبغي أن يكون من الجاني الحقيقي والكبير.. وإذا أعطينا اليوم الحق والعذر لألتراس الأهلي في أي سلوك عنف وإرهاب يقومون به بدعوي الدفاع عن الحق والثأر والانتقام من الجناة الحقيقيين.. فلابد أن نُصغي في نفس الوقت لألتراس المصري الذين يؤكدون بدورهم أن الذين في أقفاصهم الحالية ينتظرون الأحكام هم أبرياء قبضت عليهم الشرطة بدلاً من الجناة الحقيقيين المعروفين بالاسم.. وكالعادة يصرخ ألتراس المصري بذلك دون أن يقدموا اسمًا واحدًا لهؤلاء الجناة الحقيقيين أو أي دليل.. أصبح الجميع إذن يدوسون بأقدامهم القانون المكتوب ونصوصه ويفضلون قانون الشارع الذي لا مواد له أو منطق وإنما يستند إلي الشكوك والظنون والصراخ بعيدًا عن تقصي أي حقائق ومحاكمة عادلة لأي متهم.. وأنا أحترم أحزان ومواجع ألتراس الأهلي الذين دفعوا الدم والألم ثمنًا للغدر والخيانة.. أحترم فيهم أيضًا إصرارهم علي الثأر والقصاص دون رهبة وضعف أمام أي سلاح أو سلطة.

وسأبقي أرفض أي اتهامات أخلاقية حاول البعض ملاحقتهم بها أو اتهامات كاذبة بالتمويل وأنهم مجرد لعبة في يد آخرين سواء من جماعة الإخوان أو من أي قوي سياسية أخري.. ولكنني أظن أن ألتراس الأهلي تمادوا في احتجاجهم والتعبير عن غضبهم وخرجوا عن دوائر أي حق أو منطق مثل استعراضهم بقطع أكثر من طريق قبل أيام قليلة.. فما ذنب هؤلاء الذين تقطعت أرزاقهم وارتبكت مشاويرهم وحساباتهم سواء في شوارع القاهرة أو الطرقات بينها وبين مدن أخري.. بل وما ذنب وزير الداخلية الحالي.. اللواء محمد إبراهيم أيضًا.. الذي تمت في نفس الوقت محاولة اقتحام منزله والاعتداء عليه طالما أن القصد المعلن هو محاسبة من كانوا مسئولين عن الأمن وقت المذبحة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق