عروس القطار.. والفرسان الثلاثة!
عزت السعدنى
12
125
<< ودخلنا الكابينة الخشبية الجميلة في قطار النوم الإنجليزي المولد المسافر إلي أسوان.. بعد أن أمضينا ليلة جميلة في عربة الطعام المفتخرة والفخيمة.. ولا أجدع مطعم أوروباوي شاهدنا فيها واستمتعنا بصحبة عروسين يادوب يخلعان الليلة.. ثياب العزوبية.. ويدخلان دنيا الزواج مر بساعات فرحه وساعات نكده.. ولكن المهم أننا قدمنا لهما التحية الواجبة تورته صغيرة علي قد الحال احتفالاً بالعروسين الجميلين.. وإن كانت العروس قد سعدت بالتحية وأومأت لنا برأسها علامة الشكر والامتنان.. بينما امتعض وجه العريس تأففًا وغضبًا للشبان الثلاثة الذين جاءوا خلفهما في ليلة عرسهما.. لكي يقدموا لهما تحية الزفاف..

جلسنا دقائق نلتقط أنفاسنا داخل الكابينة.. بينما تولي المؤدب جدًا الذي اسمه عبدالوهاب مطاوع مهمه تقريظي وتأنيبي علي مبادرة التورته في عربة الطعام.. بينما قال المخطط محمد زايد: لا.. والله كانت لفتة كويسة بس المهم يدفع ثمنها عمنا عزت ـ إللي هو أنا بالطبع! << قفز عمنا المؤدب الذي اسمه عبدالوهاب مطاوع إلي السرير العلوي في الكابينة.. بعد أن جذبه إلي تحت وقال لنا وهو يصعد إلي فوق: أنا حنام هنا يا جماعة.. وأنتم بقي اتصرفوا مع بعض في السرير إللي تحت.. واحد ينام عليه ساعة.. وبعدين الثاني ينام بعديه ساعة.. يعني شوفوا حالكم! كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بنحو الساعة.. وأنا وعمنا محمد زايد محشوران في سرير نصف متر عرض في مترين طول.. وأخونا المؤدب جدًا عبدالوهاب مطاوع يطل علينا من فوق برأسه بين وقت وآخر قائلاً: إن شاء الله تكونوا كده مرتاحين! قال المخطط محمد زايد بغيظ: الراجل ده باين عليه عاوز يفرسنا!

قلت للمؤدب عبدالوهاب مطاوع الذي فاز بنومة هنية: علي فكرة يا عبدالوهاب.. تنام لك ساعتين عندك وتنزل بعدها ساعتين في حضن أخوك محمد زايد! لم أكد أكمل عبارتي حتي اقتحم الكابينة صوت حريمي ناعم جدًا تسلل إلينا من الكابينة المجاورة.. صوت يقول في حنان: أنا موش مصدقة يا محمد إن إحنا اتجوزنا! قال المخطط محمد زايد لنا في صوت هامس ضاحك: إيه ده.. دول العرايس في الكابينة إللي جنبنا.. شوف الدنيا صغيرة إزاي؟ << تنبهنا كلنا.. وجلسنا معًا عبدالوهاب فوق.. ونحن الاثنان تحت.. وكأن علي رءوسنا ـ كما تقول العرب ـ الطير! لم تكد تمضي نصف دقيقة.. حتي سمعنا العروس مرة أخري تكرر نفس العبارة: "أنا موش مصدقة يا محمد إن إحنا اتجوزنا!". كان صوت العروس رقيقًا جميلاً كأننا نأكل غزل البنات أو واحد دندورمة بتاع زمان التي كان يطوف بعربتها بائع الدندورمة في الحارة المصرية.. وهو يصيح: الدندورمة.. بتعريفة البسكوتة الحق قبل ما يشطب! نظر كل واحد منا إلي الآخر دون كلام.. فالكابينة التي لا يفصلنا عنها سوي حائط خشبي لا يمنع صوتًا ولا يخفي حركة أو حتي إحساسًا.. تضم العروسين إياهما اللذين عزمناهما علي تورته الزفاف في عربة الأكل.. يا سلام أما حكاية والله.. قال المؤدب عبدالوهاب مطاوع.. وفجأة جاءنا صوت العروس مرة أخري رقيقًا ناعمًا: "أنا موش مصدقة يا محمد إنا إحنا اتجوزنا!". نظر كل منا نحن الثلاثة إلي وجوه بعضنا ونحن بعد لم ندخل دنيا.. يادوب لسة في سنة أولي صحافة في بلاط صاحبة الجلالة.. لا نملك أن نفتح بيتًا ونطعم عروسًا! وفجأة للمرة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة.. كررت العروس عبارتها التي تدغدغ الحواس: "أنا موش مصدقة يا محمد إن إحنا اتجوزنا!". ولا أعرف حتي هذه الساعة ما الذي جعلني أخبط بيدي علي الحائط الخشبي الذي يفصل بين كابينتنا وكابينة العروسين وأصيح بصوت واضح ومسموع: "يا محمد.. يا محمد.. ما تخليها تصدق يا محمد!".

<< ران صمت ولا صمت القبور.. لا يتخلله سوي قرقعة عجلات القطار السريع الفاخر المسافر إلي الأقصر وأسوان.. تبادلنا نحن الثلاثة النظرات.. بينما لامني المؤدب جدًا عبدالوهاب مطاوع بقوله: "إيه يا عم عزت.. حد يقول كده برضه!". ولم نعد نسمع أي صوت من كابينة العرايس.. وسكتت العروس الجميلة عن ترديد عبارتها بين كل خمس دقائق مرة واحدة.. وإذا كان عبدالوهاب مطاوع قد عاتبني علي عبارتي العفوية.. فقد استحسن محمد زايد العبارة.. وقال ليّ: "والله يا عم عزت عندك حق!". وما هي إلا دقائق حتي رحنا كلنا والعروسان علي بعد خطوات منا.. في سبات عميق.. بعد أن سكتت شهرزاد أقصد العروس الجميلة عن ترديد عبارتها لعريسها محمد!

<< استيقظنا في الصباح الباكر علي طرقات كمساري القطار يعلن لنا أن الإفطار جاهز في عربة الأكل.. كانت الساعة بعد السادسة صباحًا بدقائق.. قمنا ونحن بعد لم ننم وجسدنا متعب مرهق من النومة علي سرير واحد.. يادوب يساع عيل صغير ينام عليه! ذهبنا نجر أقدامنا إلي عربة الطعام.. كنت أول الداخلين.. لمحت في آخر العربة العروس إياها ترتدي فستانًا أحمر اللون وتجلس علي منضدة وحيدة حزينة.. وجدت نفسي أذهب إليها وأسألها: "هو حصل حاجة لا سمح الله.. فين عريسك؟". قالت بين دموعها: "أنا صحيت الصبح.. مالقيتوش جنبي!". سألناها ـ بعد أن انضم الفارسان عبدالوهاب ومحمد زايد إلينا ـ في لهفة: "راح فين يعني.. موش كان بايت جنبك إمبارح؟". قالت: "صحيت الصبح مالقتهوش جنبي في الكابينة.. افتكرت أنه سبقني إلي هنا.. جيت زي ماشفتوني كده.. مالقيتهوش!".

<< أين ذهب العريس المذكور؟ هذا هو السؤال؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق