كرة القدم في انتظار الرئيس
ياسر ايوب
12
125
كرة القدم في انتظار الرئيس
لم أجد افتتاحية لأي كتابة تخص رؤساء مصر وكرة القدم أفضل من حكاية رئيس بوليفيا التي جرت وقائعها هذا الأسبوع.. فقد أعلن نادي سبورت بويز الذي يلعب الكرة في الدوري الممتاز هناك نجاحه في ضم إيفو موراليس إلي صفوفه ليلعب معه في الموسم المقبل.. ولم تكن المفاجأة أن يجتهد نادٍ كروي صعد العام الماضي إلي الدرجة الأولي في ضم لاعبين جدد يلعب بهم في مواجهة الكبار في بلاده.. وإنما المفاجأة الحقيقية وعلي مستوي العالم كله وليست بوليفيا وحدها أن إيفو موراليس ليس مجرد لاعب كرة وإنما هو رئيس البلاد الذي يعشق كرة القدم.. وعلي الرغم من أن الرئيس تجاوز الرابعة والخمسين من عمره فإنه لا يزال يهوي اللعب ويقدر عليه.. وقد تعاقد مع نادي سبورت بويز ليلعب له في الموسم الجديد كصانع ألعاب سيرتدي الفانلة رقم 10 وتم الاتفاق علي أن يتقاضي الرئيس من النادي 213 دولارًا في الشهر وهو الحد الأدني للأجور في بوليفيا..

هذه هي المرة الأولي التي يشهد فيها العالم رئيس دولة ينزل بنفسه للملعب ويتعاقد مع أي نادٍ كلاعب محترف.. فقد اعتدنا رؤية الرؤساء في المدرجات يحضرون المباريات المهمة ويقومون بتشجيع منتخبات بلادهم أو حتي رؤساء لا يحضرون المباريات ويشاهدونها في الملاعب لكنهم يبقون متابعين لها بحب واهتمام وحتي انتماء لنادٍ ما ويعلن معظمهم ذلك دون خجل أو خوف أو حساسية.. لكنها المرة الأولي التي نشهد فيها رئيسًا يحترف اللعب وينضم لنادٍ بعقد رسمي يلزمه بالمشاركة في كل المباريات الرسمية.

وعلي أي حال فالعلاقة بين رؤساء العالم وكرة القدم تختلف في كثير من التفاصيل والملامح عن علاقة رؤساء مصر بكرة القدم.. فهذه العلاقة هناك سهلة وبسيطة ومعلنة ولا تحظي بكثير من الاهتمام وليس فيها فائض من الحكايات والأسرار والألغاز ويلتزم فيها الرئيس أيضًا بحدوده فلا يملك حق أو سلطة التدخل في أي من شئون اللعبة أو قراراتها.. أما عندنا فكل شيء جائز ومباح في العلاقة بين الرئيس وكرة القدم.. وقد عاشت مصر حتي الآن اثنين وستين عامًا مع خمسة رؤساء كان لكل منهم حكايته الخاصة مع كرة القدم.. بداية من اللواء محمد نجيب أول رئيس في تاريخ مصر بعدما أسقطت ثورة 23 يوليو 1952 الملكية وأنهت حكم أسرة محمد علي.. وحتي محمد مرسي الذي ترك الحكم إلي السجن بعدما أسقطت ثورة 30 يونيو 2013 نظام جماعة الإخوان وزمانهم.. وبين الاثنين كان هناك جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك.

هذا مع كل الاعتبار والاحترام لاثنين ترأسا مصر بشكل مؤقت هما الدكتور صوفي أبوطالب الذي تولي الحكم عقب اغتيال السادات والمستشار عدلي منصور الذي تولي الحكم عقب سقوط الإخوان ولا يزال رئيسًا ينتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية الحالية وإعلان الفائز بها ليتم تسليمه مهامه وإعلانه الرئيس السادس لمصر. ولا أحد بالتأكيد بإمكانه توقع شكل العلاقة بين الرئيس السادس.. والجديد.. وكرة القدم في مصر.. كيف سيتعامل معها كل من المشير السيسي أو حمدين صباحي.. هل سيحاول من سينجح منهم استغلال شعبية الكرة ومكانته لمصلحته السياسية ومكاسبه الشخصية والدعائية؟ أم أن ذلك الزمن انتهي والرئيس الجديد سيبقي رئيسًا لا علاقة له بكرة القدم إلا في حدود مصريته فقط دون أن يبدأ من جديد عزف السيمفونيات القديمة عن أفضال الرئيس علي كرة القدم ورعايته الكريمة والرائعة لها.. وحتي الاثنان.. فالعلاقة بين السيسي وصباحي وكرة القدم علاقة عادية جدًا أو ضعيفة جدًا أيضًا.. لا أحد منهما يهتم بها أو يتابع مبارياتها وإن كان الاثنان من مشجعي نادي الزمالك الذي ضمن الآن أنه نادي الرئيس القادم لمصر أيًا كانت نتيجة الانتخابات.. ولكن عدم الاهتمام الحالي لا يعني القدرة علي توقع المستقبل.. فهناك تغييرات كثيرة تطرأ علي أي رئيس قد لا يتوقعها هو شخصيًا وإنما هم دائمًا هؤلاء المحيطون بكل رئيس وجيوش النّفاق التي تمتلك قوة خرافية تنجح في تغيير أي رئيس وتجعله واثقًا من أن لا شيء يجري أو يحدث إلا بإذنه.. ولا نجاح أو تقدم يجري إلا بفضل توجيهاته وإرشاداته وأوامره.. ومع هذه الانتخابات الرئاسية التي باتت الخبر والقضية الأهم في مصر الآن التي تنتظر كلها لتعرف من هو رئيسها السادس.. لعله من المناسب الآن أن نسترجع حكايات مصر الكروية مع رؤسائها الخمسة السابقين: (1) الرئيس الأول محمد نجيب بعد نجاح ثورة يوليو عام 1952 في طرد الملك فاروق وإعلان مصر دولة جمهورية.. أصبح اللواء محمد نجيب هو الرئيس الأول لمصر في تاريخها.. وقد أبدت ثورة يوليو في أيامها الأولي اهتمامًا لائقًا وجميلاً بكرة القدم ولكن علي طريقتها الخاصة.. فلم يكن اهتمامًا بكرة القدم من أجل واقعها ومستقبلها وقضاياها بقدر ما كان اهتمامًا الغرض منه استخدام الكرة وشعبيتها لتسويق الثورة وعصر جديد بدأ بها ومعها في مصر.

وكان ذلك واضحًا تمامًا في يوم الجمعة.. السابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 1952.. حين تم حشد الناس وجمهور الكرة في مصر في ملعب كوبري القبة لحضور حفلة افتتاح موسم لعبة كرة القدم.. أي مباراة افتتاح الموسم.. بين منتخب القوات المسلحة ومنتخب أندية القاهرة.. وكانت الثورة قد قررت قبل إقامة هذه المباراة تعديل اسم اتحاد الجيش للألعاب الرياضية ليصبح اتحاد القوات المسلحة للألعاب الرياضية.. وقبل أن تبدأ الحفلة أو المباراة.. جاءت سيارة لتدور حول الملعب أمام الناس وفيها الرئيس اللواء محمد نجيب.. صحيح أنها كانت أول مرة لأول رئيس مصري في ملعب لكرة القدم.. لكن لم يكن الرئيس وقتها مهمومًا بالكرة المصرية.. ماضيها وحاضرها أو حتي طموحاتها ومستقبلها.. بقدر ما كان يحشد الناس.. حتي ولو من خلال الكرة وفي ملعب للكرة.. للالتفاف حول الثورة وقائدها.. وبالطبع فازت القوات المسلحة علي منتخب القاهرة بثلاثة أهداف مقابل هدفين. وكان مشهد اللواء نجيب في مباراة للكرة من المشاهد التي ستشاهدها مصر كثيرًا بعد ذلك.. وفي خلال الأيام القليلة التالية.. فسافر الرئيس نجيب إلي المحلة.. ومرة أخري تفوز القوات المسلحة علي المحلة في كرة القدم بهدفين نظيفين.. وتفوز أيضًا في كرة السلة 52/19.. وكان هناك كثيرون استوقفهم مشهد اقتراب السيارة الرئاسية من المنصة الرئيسية لاستاد المحلة ثم رفض الرئيس نجيب النزول منها وإصراره علي أن تطوف السيارة.. وهو واقف داخلها.. حول ملعب الكرة حتي يتسني للرئيس نجيب تحية الجماهير التي احتشدت بها مدرجات المحلة وهي تهتف له وللثورة.. ثم ذهب اللواء نجيب إلي النادي الأهلي بدعوة من عبدالعزيز عبدالله وزير الزراعة ورئيس اتحاد كرة القدم لمشاهدة مباراة ودية بين النادي الأهلي وبين منتخب الأندية.. وقبل أن تبدأ المباراة حرص الرئيس علي النزول للملعب ليصافح لاعبي الفريقين لأول مرة في تاريخ الملاعب المصرية.. وبدأ الرئيس نجيب يحرص علي حضور كل مباراة مهمة أو غير مهمة.. وسيبقي التاريخ الكروي المصري شاهدًا علي أن فترة رئاسة محمد نجيب القصيرة جدًا لمصر شهدت بعد نجاح الثورة واستقرار حكم الجيش لمصر.. قرار الجيش بأن يأخذ الرياضة ويحتكرها لنفسه ولضباطه وجنوده.

وقرر الجيش ألا يلعب من ينتمون للقوات المسلحة سواء للأهلي أو الزمالك.. ولأول مرة بدأ التقسيم الطائفي للكرة المصرية بين أندية للعسكر وأندية للمدنيين.. ووفقًا لقرار الجيش والرئيس اللواء.. أصبح الأهلي والزمالك مضطرين للاستغناء عن لاعبيهم من ضباط وجنود الجيش.. وكل الأندية المدنية الأخري أيضًا.. وكان من الطبيعي وقتها.. ومن المنطقي أيضًا.. أن يسري -وبسرعة- هذا التقليد من الجيش إلي الشرطة.. فتقرر وزارة الداخلية.. أيضًا في شهر أغسطس عام 1952.. إنشاء نادٍ للبوليس يضم جميع الضباط والجنود والموظفين المدنيين بوزارة الداخلية علي ألا يُسمح لأي من هؤلاء باللعب إلا لنادي البوليس فقط وليس لأي نادٍ آخر في مصر.. وكان هذا هو أول تقسيم مهني وطائفي لكرة القدم في مصر.. وكان أيضًا أول خطيئة كروية لثورة يوليو.. فلم تعُد كرة القدم والرياضة المصرية كلها منذ ذلك التاريخ.. حالة اجتماعية وإنسانية ممكنة ومتاحة في أي وقت للجميع.. وإنما باتت هناك أندية للعسكر وأندية أخري لغير العسكر.. والأهلي والزمالك أصبحا ناديين للمدنيين ممنوع أن يدخلهما أو يلعب لهما العسكر الضباط والجنود. وفي شهر أكتوبر عام 1953.. قرر الرئيس محمد نجيب إلغاء نظام اللجنة الأهلية للرياضة البدنية.. وأن تقوم وزارة الشئون الاجتماعية بإدارة الرياضة في مصر.. وفي شهر يناير عام 1954 تم تعديل نظام ودور ورسالة اللجنة الأوليمبية المصرية لتصبح مجرد جهة تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية.. يديرها العسكر بالطبع.. فيصبح القائمقام عبدالرحمن أمين رئيسًا للجنة.. ويصبح الأميرالاي يوسف العجرودي وكيلاً لها.. مع بقاء محمد طاهر.. الباشا السابق.. مجرد عضو يمثل اللجنة الأوليمبية الدولية.. وقد تزامن مع ذلك رغبة عارمة اقتسمها قادة ثورة يوليو في استثمار شعبية كرة القدم لمصلحة الثورة حتي وإن كانت هذه المصلحة علي حساب اللعبة نفسها.. وجاءت مباراة مصر مع إيطاليا في تصفيات نهائيات كأس العالم 1954 بسويسرا.. وسبق الجمهور إلي ملعب النادي الأهلي بالجزيرة ثلاثة عشر عضوًا من أعضاء مجلس قيادة الثورة أصروا علي مشاهدة هذه المباراة من الملعب.. بل وأصر اللواء نجيب علي أن يركل ركلة البداية.. صحيح أن مصر خسرت المباراة بهدف واحد مقابل هدفين لإيطاليا.. إلا أن أحدًا من الكبار لم يهتم بذلك.. فالمهم كان كرة القدم نفسها بكل ما قد تأتي به من تواصل مع الناس وحصد لاهتمامهم وحفاوتهم. (2) الرئيس الثاني جمال عبدالناصر في الأيام والأسابيع الأولي لحكم الرئيس جمال عبدالناصر.. أصبح المشهد الكروي والرياضي في مصر كاشفًا وفاضحًا لسياسة جمال عبدالناصر والجيش في الاستحواذ علي كل شيء.

وأن يدير الضباط قادة الثورة شئون الرياضة مثل أي شيء آخر في مصر.. فأصبح عبداللطيف بغدادي رئيسًا لاتحاد السلاح.. وزكريا محيي الدين رئيسًا لاتحاد التجديف.. وحسين الشافعي رئيسًا لاتحاد الفروسية.. وخالد محيي الدين رئيسًا لاتحاد الأندية الريفية.. وأنور السادات رئيسًا لاتحاد تنس الطاولة.. وعلي صبري رئيسًا لاتحاد السباحة.. وعبدالمحسن أبو النور رئيسًا لاتحاد كرة السلة.. والفريق علي عامر رئيسًا لاتحاد الرماية.. والفريق أول صدقي محمود رئيسًا لاتحاد الاسكواش.. واللواء عبدالله رفعت رئيسًا لاتحاد الكرة الطائرة.. والفريق أول عبدالمحسن كامل مرتجي رئيسًا لاتحاد المصارعة.. وصلاح الدسوقي رئيسًا لاتحاد السلاح.. ومجدي حسنين رئيسًا لاتحاد التنس.. وكمال الدين حسين رئيسًا لاتحاد الرماية إلي جانب رئاسته للمجلس الأعلي للشباب والرياضة.. أما المشير عبدالحكيم عامر.. فقد كانت له حكايته الكبري سواء مع كرة القدم واتحادها أو مع نادي الزمالك أيضًا. أما جمال عبدالناصر نفسه.. فلم يكن يري كرة القدم لعبة ممتعة علي المستوي الشخصي.. ولم يكن يتابعها.

وقد أكد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل أكثر من مرة أن جمال عبدالناصر لم يكن ككثير من المصريين.. ينتمي سواء للأهلي أو للزمالك.. في حين أن رشاد كامل.. في كتابه بعنوان عبدالناصر الذي لا تعرفه.. أكد وعلي لسان منير حافظ الرجل الثاني في مكتب معلومات جمال عبدالناصر.. أن الرئيس عبدالناصر كان يشجع الأهلي سرًا.. وأن بيت الرئيس كان يعيش حالة فرحة ظاهرة ومعلنة كلما فاز الأهلي.. لكن الرئيس عبدالناصر كان حريصًا علي أن تبقي أهلاويته من أحد أسرار الدولة العليا حتي يبقي عبدالناصر رئيسًا لمصر ولكل المصريين.. وقد كانت المرة الأولي التي يتحدث فيها جمال عبدالناصر عن كرة القدم كرئيس لمصر يوم أشار وطالب بأن تسهم كرة القدم في صفقة تسليح الجيش المصري وأن يتم تخصيص جزء من مباريات الدوري العام لمصلحة تسليح مصر.. وأكد الرئيس عبدالناصر أن هذا هو أهم الأدوار التي يمكن أن تقوم بها كرة القدم.. واستجاب اتحاد كرة القدم لهذا الطلب.. وبالطبع استجابت الأندية وتسابقت لتنفيذ ذلك وفي مقدمتها الأهلي والزمالك.. واتفق الناديان علي تخصيص جزء من إيراد مباراتهما معًا التي أقيمت يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر أكتوبر عام 1955 لمصلحة تسليح الجيش المصري.. أقيمت المباراة في ملعب الأهلي.. وكانت أول مباراة لكرة القدم يحضرها الرئيس جمال عبدالناصر.. ولم يكن حضور عبدالناصر فقط هو ما أضفي علي هذه المباراة خصوصيتها.. وإنما كانت هناك أمور أخري لم تكن تقل أهمية عن حضور الرئيس عبدالناصر ومعه بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة.. فلأول مرة كان الأهلي والزمالك يلعبان معا لمصلحة تسليح جيش مصر.. ولأول مرة يقرر لاعبو الفريقين عدم الاكتفاء بالمشاركة واللعب في هذه المباراة وإنما حرصوا علي أن يتبرع كل لاعب منهم بما يقدر عليه من ماله الخاص لمصلحة الجيش المصري.. وقد حضر هذه المباراة عشرون ألف متفرج دفعوا 2576 جنيهًا تم التبرع منها بـ1216 جنيهًا لمصلحة الجيش المصري.. أما المباراة نفسها فقد انتهت بالتعادل بهدفين لكل فريق.

وقد فوجئ قادة الثورة في مقصورة استاد الأهلي بأحد المتفرجين يقترب من الرئيس جمال عبدالناصر بعدما تقدم الأهلي 2/1 ويصرّ علي أن يعطيه قطعة حلوي.. وقبلها الرئيس مبتسمًا وسعيدًا.. ولكن نجح الزمالك بعدها في التعادل.. ولم تنجح هذه الحلوي في تغيير قناعة رأي الرئيس عبدالناصر بأن كرة القدم لابد أن تبقي مجرد أداة سياسية.. وإذا كان من الممكن تفهُم هذا.. إلا أنه يبقي من الصعب جدًا تصور ما قرره عبدالحكيم عامر الذي بدا وكأنه يسابق عبدالناصر.. أو يؤيده ويجاريه في تطلعاته وأفكاره.. فقرر عامر أن أحد المهام الأساسية للجيش المصري من الآن ستصبح نشر الوعي الرياضي في الريف المصري.. ولا أظن أبدًا أن نشر هذا الوعي ممكن أن يكون أحد المهام والواجبات الأساسية لأي جيش.. في أي بلد.. في أي وقت.. وعلي أي حال.. نجح عبدالناصر ولم ينجح عامر.. فتحولت كرة القدم في مصر إلي أداة سياسية ولكن لم ينتشر الوعي الرياضي في الريف المصري.. ومثلما نجح عبدالناصر في إجبار الجميع علي أن يلعبوا الكرة في مصر لمصلحة جيش مصر.. فقد أراد أيضًا من المسئولين عن الكرة في مصر الاهتمام بأفريقيا لتعميق علاقات مصر الأفريقية عن طريق الكرة وفي ملاعب الكرة.. وهي الدعوة التي تحولت بسرعة إلي إلحاح مصري كروي وسياسي تم تتويجه بتنظيم أول بطولة لكأس أمم أفريقيا في السودان في شهر فبراير عام 1957.. أي بعد قرابة أربعة أشهر فقط من دعوة الرئيس جمال عبدالناصر. ففي عام 1956 وتحديدًا في يوم الثامن من يونيو اجتمع المصريون عبدالعزيز سالم.. أول رئيس للاتحاد الأفريقي.. ومحمد لطيف ويوسف محمد مع السودانيين عبدالرحيم شداد وبدوي محمد وعبدالحليم محمد والجنوب أفريقي وليم فيل في فندق أفينيدا بلشبونة عاصمة البرتغال علي هامش اجتماع الكونجرس الخاص بالفيفا وبدأوا يفكرون جديًا في تأسيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم وفي انطلاق بطولة كأس الأمم الأفريقية.

وبالفعل.. تحقق حلم الرئيس عبدالناصر واكتملت رؤيته.. وبدأت في عام 1957 أول بطولة لكأس الأمم الأفريقية.. التي لم تشارك فيها إلا ثلاث دول فقط.. مصر وإثيوبيا إلي جانب السودان صاحبة الأرض التي حرص الرئيس عبدالناصر علي إقامتها في السودان وليس في مصر رغم أن مصر هي صاحبة الفكرة والمبادرة.. لأن الرئيس عبدالناصر لم يكن يريد هذه البطولة لتفوز بها مصر.. وإنما كان يريدها لتتقرب مصر من خلالها مع كل بلدان القارة الأفريقية.. ورغم ذلك.. فازت مصر بالبطولة.. وبالتحديد يوم السادس عشر من فبراير عام 1957.. وبعد أربعة أهداف مصرية سجلها كلها الديبة في مرمي إثيوبيا.. وبعد عامين.. كانت البطولة الثانية.. نفس الدول الثلاث.. مصر والسودان وإثيوبيا.. وبدأت مصر أولي المباريات بالفوز علي إثيوبيا.. أيضًا بأربعة أهداف مرة أخري ولكن ثلاثة منها هذه المرة كانوا لمحمود الجوهري.. وبعد فوز السودان علي إثيوبيا.. انتظر الجميع المواجهة النهائية علي كأس البطولة بين مصر والسودان.. وفي ليلة المباراة.. فوجئت بعثة المنتخب المصري.. باللواء علي شفيق.. مدير مكتب المشير عامر.. يحضر إلي المعسكر الذي كان وقتها داخل جامعة عين شمس.. وجلس علي شفيق وطلب لقاء كل لاعبي المنتخب الموجودين في المعسكر.. وبلهجة حاسمة وصارمة قال لهم إن المشير عامر كان في زيارة للسفارة السودانية وعرف أن أقواس النصر انطلقت في أم درمان والأفراح بدأت في الخرطوم ثقة منهم في الفوز علي مصر والعودة من القاهرة بكأس البطولة.. وأكد علي شفيق أن المشير أرسله الآن إليهم لمطالبتهم بضرورة تحقيق الفوز فالمباراة لم تعد رياضة وإنما تحولت إلي سياسة.. واختتم علي شفيق كلامه بالتهديد بأنه في حالة الهزيمة فسيكون هناك عقاب قاسٍ للجميع.. وعقاب أقسي من نصيب عصام بهيج وعلاء الحامولي بالتحديد باعتبارهما ضابطين في الجيش.

وكان هذا هو أحد الفوارق بين الرئيس عبدالناصر والمشير عامر.. فالرئيس لم يكن يعنيه الانتصار في ملاعب الكرة.. بل ولم يكن ليمانع أن تخسر مصر مباراة أو بطولة مقابل أن تكسب العرب وأفريقيا.. بينما كان المشير.. عاشق كرة القدم الذي لم يكن يقبل بغير الانتصار في ملاعب الكرة دون أي اعتبار للسياسة أو أي دور آخر لكرة القدم غير فرحتها وسعادة مشجعيها بانتصار منتخب بلادهم.. وفي اليوم التالي أقيمت المباراة.. ونجح عصام بهيج في الدقيقة الثالثة عشرة في إحراز الهدف الأول لمصر.. وفي الدقيقة 20 من الشوط الثاني نجح اللاعب منزول عبدالرحيم في إحراز هدف التعادل للسودان.. وتوالت هجمات السودان علي مرمي عادل هيكل.. وأحرزت السودان هدفًا ثانيًا ألغاه الحكم.. واحتج السودانيون وهددوا بالانسحاب ولكنهم عادوا إلي الملعب من جديد.. فقد كان الانسحاب في القاهرة مستحيلاً.. وفي الدقيقة 43 نجح عصام بهيج في استقبال تمريرة الجوهري ليسكن الكرة شباك السودان وتفوز مصر بالمباراة والبطولة. وكانت هذه هي آخر بطولة يفوز بها الرئيس جمال عبدالناصر.. ففي البطولة الثالثة عام 1962.. خسرت مصر النهائي أمام إثيوبيا التي استضافت البطولة.. أي أن مصر كانت تلعب النهائي للمرة الثالثة علي التوالي وبالتالي لم تكن المرة الأولي التي يحدث فيها ذلك كما تخيل وقال البعض حين تأهلت مصر لنهائي بطولة أمم أنجولا 2010.. لكن في المرة الثالثة عام 1962.. لم تفز مصر وخسرت بعد وقت إضافي.. لتأتي البطولة الرابعة في غانا عام 1963.. لتفوز مصر علي نيجيريا وتتعادل مع السودان.. لكن تتأهل السودان للمباراة النهائية بفارق هدف عن مصر.. وتصبح هذه آخر مشاركة لمصر عبدالناصر في كأس الأمم.. ففي البطولة التالية عام 1965 في تونس.. رفض الرئيس عبدالناصر المشاركة نتيجة خلافاته السياسية وقتها مع الرئيس بورقيبة.. ورفضت السودان أن تحل محل مصر.. وسافرت الكونجو للمشاركة في البطولة.. أما البطولة التالية.. في إثيوبيا عام 1968.. فقد كان من المستحيل أن تشارك مصر المجروحة بعد خسارة حرب يونيو في 1967 أن تشارك في بطولة كروية.. فكرة القدم بقيت في فكر عبدالناصر ورؤيته مجرد نشاط ترفيهي لابد أن يتوقف في حالة الأزمة والشدة.. ولهذا توقف الدوري ولم تعد مصر مستعدة نفسيًا وسياسيًا وفنيًا للمشاركة في كأس الأمم.. لكن تراجع عبدالناصر عن هذا الحظر تدريجيًا سواء علي المستوي المحلي أو الأفريقي فعادت مصر للمشاركة في بطولة كأس الأمم في السودان عام 1970.. ولكنها تخسر في الدور قبل النهائي أمام السودان.

وهي نتيجة لم تُغضب الرئيس عبدالناصر وقتها علي الإطلاق.. واكتفت مصر بالمركز الثالث بعد الفوز علي كوت ديفوار. (3) الرئيس الثالث أنور السادات لم تكن كرة القدم من ضمن قائمة اهتمامات الرئيس السادات وشواغله بعكس الفن والصحافة علي سبيل المثال.. فلم يثبت عن الرئيس السادات أنه مهتم بالكرة أو مشغوف بها أو يتابعها حتي من بعيد.. صحيح أنه كان يحب النادي الأهلي ويشجعه ولكن دون المعني الحقيقي والمباشر للتشجيع الكروي.. فالسادات ربطته بالأهلي حكايات تاريخية وسياسية قديمة.. فحين كان السادات ضابطًا بالجيش المصري حرص دائمًا علي لعب تنس الطاولة في الأهلي ولقاء من يريد أثناء اللعب لتغطية نشاطاته السياسية المعادية للإنجليز.. وبعدما أصبح السادات وزيرًا عقب الثورة.. كان أيضًا دائم الظهور بالنادي الأهلي وخصوصًا في حمام السباحة حيث كان السادات يسبح مسافات طويلة حفاظًا علي رشاقته ولياقته.. وكشف جمال السادات نجل الرئيس الراحل مؤخرًا أن والده كان أهلاويًا وكذلك والدته جيهان السادات.. والجدير بالذكر أنه كان اتفاقًا معلنًا بين جيهان السادات والنادي الأهلي بأن يزورها فريق الكرة الأهلاوي في بيتها ليحتفلوا معها بكل بطولة أو انتصار كروي للأهلي. ولم يكن السادات مهتمًا بنتائج مصر الكروية ولم يذهب طيلة فترة رئاسته لأي ملعب كرة ولم يحضر أي مباراة مثلاً لمنتخب مصر.. وربما توافق ذلك مع نتائج أول مشاركة لمصر السادات في كأس الأمم التي ستقام عام 1972 في الكاميرون.. وفشلت مصر لأول مرة في تاريخها للتأهل للنهائيات.. فازت علي ليبيا ذهابًا وإيابًا ثم خرجت أمام المغرب.. وجاء عام 1974 لتستضيف مصر أول بطولة كأس أمم في زمن السادات وللمرة الثانية في تاريخها.. وواصلت مصر مشوارها في البطولة حتي الدور قبل النهائي.. حيث كانت المفاجأة القاسية والحزينة لكل المصريين.. فقد خسرت مصر علي أرضها ووسط جماهيرها أمام زائير.. واكتفت بالمركز الثالث الذي حققته بعد الفوز علي الكونجو برازافيل في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع.. وفي البطولة التالية في إثيوبيا عام 1976.. تتأهل مصر للنهائيات.. وتجتاز الدور الأول لتلعب الدور الثاني الذي كان عبارة عن دوري من دور واحد شاركت فيه أربع منتخبات وخرجت مصر.. بل إنها خسرت مبارياتها الثلاث.. أمام المغرب ثم غينيا ثم نيجيريا.. وفي البطولة التالية لم تنجح مصر في التأهل إلي غانا 1978 بعد الخسارة أمام تونس.. ثم في بطولة نيجيريا عام 1980.. تأهلت مصر للبطولة.. واجتازت الدور الأول لتخسر مباراة الدور قبل النهائي أمام الجزائر.. ثم تخسر أمام المغرب في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع.. ويموت الرئيس السادات دون أن يفوز بهذه البطولة مطلقًا.. ويبدو أنها أقدار وحظوظ.. بل إن الزوجة الأولي للرئيس السادات.. السيدة إقبال ماضي.. ماتت أثناء مشوار المنتخب المصري الرائع في نهائيات كأس الأمم الأخيرة في أنجولا. (4) الرئيس الرابع حسني مبارك تقرير قصير لشبكة بي بي سي البريطانية أذاعته بعد ثورة يناير نجد فيه تلخيصًا لحكاية حسني مبارك مع كرة القدم فالتقرير أكد أن سقوط نظام مبارك سيعني بالضرورة ترنح وتراجع كرة القدم المصرية واحتمالات انهيارها.. وبررت البي بي سي ذلك بالإشارة إلي أن مبارك كان هو الراعي الأول للمنتخب ولشحاتة ومساعديه والنجوم الذين يضمهم المنتخب خصوصًا أن تلك الرعاية لم تكن مقصورة علي مبارك نفسه وإنما كان هناك أيضًا جمال وعلاء نجلا مبارك.. وقرأت ذلك التقرير وقتها ولم أقبله كله أو أرفضه كله.. فأنا أوافق علي أنه كان هناك تدليل واضح ومؤكد من مبارك وولديه لحسن شحاتة والمنتخب.. وكان هناك اهتمام رئاسي رسمي بكرة القدم غير مسبوق في مصر.. وكانت هناك مكافآت ضخمة مستفزة للجميع أمر بها الرئيس السابق عقب الخروج من تصفيات كأس العالم الأخيرة.

ولا شأن لي بأي مطالب خاصة تحققت بأوامر رئاسية عليا.. لكنني أعارض الزعم بأن رعاية مبارك كانت وراء إنجاز الفوز بالبطولات الثلاث المتتالية.. فهذه أكذوبة قالها وأشاعها منافقون وإعلاميون أعضاء لجنة السياسات وقريبون من جمال وعلاء أو كانوا يتمنون ذلك.. لكن الحقيقة تبقي أن أصحاب الفضل هم الجمهور المصري البسيط عاشق الكرة ومصر وقدرة حسن شحاتة والتزامه وموهبة وعطاء لاعبين رائعين.. وليس صحيحًا أيضًا أن الإعلام كان ممنوعًا من انتقاد شحاتة ولاعبيه.. فاهتمام مبارك بكرة القدم كانت له أهداف وغايات أخري أهم وأخطر من حماية نجوم الكرة من التعرض للانتقاد.. فالكرة كانت إحدي أدوات مشروع التوريث ومحاولة كسب من الشعبية لجمال مبارك كما أشارت إلي ذلك تقارير السفارة الأمريكية.

كما أن كرة القدم كانت إحدي وسائل تقرب مبارك من الجيش حين أمر المشير محمد حسين طنطاوي بتأسيس جمهورية الضباط في مصر حتي لا ينقلب هذا الجيش يومًا علي مبارك وقد كانت الفرجة علي كرة القدم.. هي الدافع الوحيد الذي يصطحب علاء مبارك من أجله طفله عمر ويخرج الاثنان من الفيلا رقم 161 في منتجع جولف القطامية للذهاب إلي قصر العروبة ليستمتع الثلاثة هناك.. الرئيس السابق والابن والحفيد.. بمشاهدة أي مباراة للكرة.. فإلي جانب هوايات عديدة كانت تشغل علاء مبارك.. كانت لكرة القدم مكانتها الخاصة جدًا داخل قلب علاء وفي حياته.. وعلي الرغم من أن عشق الكرة كان قاسمًا مشتركًا بين علاء وشقيقه الأصغر جمال.. فإن جمال في الفترة الأخيرة.. قبل سقوط نظام مبارك.. شغلته السياسة وأحلام التوريث عن البقاء عاشقًا وممارسًا للكرة مثل علاء الذي لم يشغله البيزنس عن لعبته المفضلة وبقي يمارسها مع شلة أصدقائه المقربين مرة واحدة علي الأقل كل أسبوع.. ورغم السياسة وأحلام الرئاسة فإن جمال لم يبتعد تمامًا سواء عن الشلة أو كرة القدم.. وبالنسبة لكثير من هؤلاء.. كانت المتعة هي مجرد البقاء داخل تلك الدائرة واللعب مع أبناء الرئيس أو مع رئيس مصر في المستقبل بجانب ما يعنيه ذلك من أمان وحماية ووجاهة.. لكن بالنسبة لبعض آخر.. كان لعب الكرة مع علاء وجمال يعني ما هو أكثر من مجرد الكرة أو الوجاهة.. وإنما كان يعني القدرة الفائقة علي جمع أموال ومكاسب لا أول لها ولا آخر مع امتيازات عديدة وحماية وحصانة دائمة ضد أي قانون أو مساءلة وحساب.. وهو ما يعني أن كرة القدم كانت هي الواجهة التي تغطي بها فساد استشري حتي العمق.. وكانت الباب الذهبي الذي لابد من عبوره لجمع الملايين وامتلاك الأراضي والمشروعات والوظائف ذات البريق اللامع والسلطات غير المحدودة. وقد يكون من المناسب.. أو من الضروري أيضًا.. التوقف عند تفسير رياضي لفساد وخطايا نظام سابق حكم مصر طيلة ثلاثين عامًا.. إذ أن كل الرؤي المطروحة حتي الآن والملفات كلها المتخمة بالأوراق والأرقام والاتهامات والحكايات.. كانت تستند إلي قواعد وأحكام سياسية واقتصادية دلالة علي فساد نظام بكل جرائمه وخطاياه.. وهو أمر واقعي وطبيعي بكل تأكيد.. لكن يمكن أيضًا إلي جانب ذلك أن نملك تفسيرًا أو رؤية رياضية لكل ما جري.. كل ما كنّا أو بدأنا نعرفه عن فساد في مصر فاق أي تصور أو حدود.. وحسب القواعد والمفاهيم السياسية.. فإن أي نظام قد يلجأ للرياضة.. أو لكرة القدم بالتحديد.. بحثًا عن مزيد من الشعبية وإزالة بعض الحواجز والحدود بين النظام وبين الناس.. وأي أحد يستطيع الآن بكل سهولة أن يحصي عدد المشاهد التي رأينا فيها رئيسًا أو ملكًا وهو يهتف أو يقفز فرحًا بمنتخب بلاده يحرز هدفًا أو يفوز بمباراة أو بطولة.. العالم كله يعرف ويقبل ذلك واعتاد عليه.. لكن نظام مبارك يبقي له السبق في أنه فقط لم يلجأ لكرة القدم والرياضة بشكل عام لكسب أي شعبية وللاقتراب من الناس قدر الممكن والمتاح.. وإنما كان نظامًا قرر تجميل الفساد بكرة القدم.. قرر أن يحيل الرياضة إلي قناع أو ستار يمكن خلفه ممارسة أهم وأكبر جرائم الفساد والتلاعب بأموال الناس وحقوقهم ومصائرهم أيضًا.. فالأمر لم يكن مقصورًا فقط علي شلة كرة القدم الخاصة بعلاء وجمال مبارك.. وإنما كانت هناك أيضًا رياضة الجولف التي تحولت إلي غطاء للاستيلاء علي مزيد من الأراضي في كل مكان في مصر.. وأراضي البحر الأحمر التي تم اغتصابها تحت غطاء رياضي ممثلاً في الكبار ومناصبهم الرياضية رفيعة المستوي.. بل وحتي وزارة الشباب لم تسلم من الفساد والاستغلال السياسي سواء باختيار من يحمل حقيبتها ونهاية بتقسيمها علي عجل إلي مجلسين قوميين أحدهما للشباب والآخر للرياضة.. إلي جانب ملفات وحكايات أخري لا أول لها ولا آخر يمكن بعد تجميعها وامتلاك تلك الرؤية الرياضية لفساد نظام وخطاياه السياسية والاقتصادية. علي رأس هذه الحكايات تأتي بالتأكيد كرة القدم.. ولم يعد سرًا أن مبارك كان عاشقًا لكرة القدم.. تستهويه مبارياتها ونجومها وحكاياتها.. وقيل إنه كان عاشقًا لنادي الزمالك وورث عنه ابنه الأصغر جمال هذا العشق سواء لكرة القدم أو للزمالك.

في حين اكتفي علاء بعشق كرة القدم مثل أبيه لكن كان مشجعًا متعصبًا للنادي الإسماعيلي.. لكن الفارق بين الأب وولديه كان في تطور هذا العشق.. إذ أنه بالنسبة لمبارك بقي هذا العشق في حدوده الطبيعية والتقليدية.. كأي مواطن مصري.. سنين طويلة.. مجرد رئيس جمهورية يحب كرة القدم ويتابع مبارياتها ويحضر أحيانًا بعض مبارياتها المهمة في استاد القاهرة.. سنة بعد أخري.. وبتأثير السن والعمر الذي يجري.. كان مبارك يزداد اقترابًا من الكرة وبعدًا عن الإسكواش الذي كان لعبته الأولي.. وهو تحول تدريجي أبقي علي العلاقة القوية بين مبارك وبين من كان يلعب معهم الإسكواش وفي مقدمتهم اللواء عبدالعزيز أمين رئيس هيئة استاد القاهرة.. والرجل القوي الذي كان أمينًا علي كثير من أسرار مبارك.. وقد أصبح عشق مبارك للكرة الذي يتزايد يومًا بعد آخر دافعًا لكثير من الكبار لأن يجاهروا أولاً بعشق الكرة إما عن صدق أو لمجرد التقرب من الرئيس واسترضائه.. ثم سرعان ما تحول ذلك إلي دافع لتأسيس أندية وفرق تلعب الكرة.. وهكذا تحولت مصر الرسمية تدريجيًا من دولة تحب الكرة إلي دولة قررت أن تلعب الكرة.. وبات من الطبيعي إنفاق الكثير جدًا من المال من أجل الكرة رغم أنه ليس مالاً خاصًا ولم يكن مخصصًا أصلاً للإنفاق علي الكرة.. فتوالت الأندية التي لا معني لها أو مبرر لوجودها إلا أن الرئيس يحب الكرة والكبار حول الرئيس يريدون إرضاء الرئيس بالكرة.. وباتت إحدي الجرائم السياسية والاقتصادية التي ارتبطت بعصر مبارك.. إهدار المال والفكر في مختلف الوزارات والهيئات والشركات علي أندية ولاعبي الكرة.

ولم يكن مسموحًا لأي أحد بمناقشة جادة وموضوعية أو اعتراض حقيقي علي وجود هذه الأندية التي تحظي بدعم الكبار الذين يحظون بتأييد الرئيس وغرامه بكرة القدم. وإذا كانت تلك الأندية غير الطبيعية هي مجرد ورقة من أوراق ملف الرؤية الرياضية لنظام مبارك.. فإن الورقة الثانية تخص بطولة الأمم الأفريقية عام 2006 التي مثلما كانت نقطة تحول في طبيعة وقواعد وملامح تشجيع الكرة.. حيث اختلفت الوجوه التي في المدرجات.. وارتفعت بسبب الكرة أعلام مصر في كل مكان.. وبات هناك يقين بأنه لم يبقَ في هذا الوطن ما يمكنه أن يجمع المصريين إلا كرة القدم ومنتخبهم الوطني الكروي.. فإن تلك البطولة أيضًا كانت نقطة تحول جذرية في علاقة مبارك بكرة القدم.. فقد اكتشف مبارك.. أو المستشارون الكثيرون حوله.. أن كرة القدم ممكن جدًا أن تصبح هي جسر عودته للناس مرة أخري.. فالناس باتوا لا يهتمون إلا بكرة القدم.. إذن فليحاول الرئيس الوصول إليهم عبر كرة القدم.. لكن مبارك للأسف الشديد.. لم يجد أحدًا من هؤلاء المستشارين حوله يخبره بأن اهتمامه بالكرة قد يساعده بالفعل ليكون أكثر اقترابًا من الناس لكن بشرط أن يسبق ذلك اهتمام حقيقي بحاجات الناس الأساسية ومطالبهم وكل شئون دنياهم.. فالمصريون لا يعيشون فقط لتشجيع منتخبهم الوطني.. لكنهم يريدون الطعام والسكن والعلاج والتعليم والوظائف والأمان أكثر مما يحتاجون إلي الكرة.. ومن المفارقات المحزنة التي لم ينتبه إليها هؤلاء المستشارون أن مبارك وقف وسط جمهور الكرة يحتفل بالفوز بكأس الأمم الأفريقية في 2006 بينما كانت مصر حزينة وموجوعة بسبب غرق ألف مصري في البحر الأحمر غرقت بهم عبّارة يملكها ممدوح إسماعيل.. كان من الطبيعي أن يفرح الملايين بالانتصار الكروي لكنه لم يكن طبيعيًا أن يفرح رئيس البلاد دون أن يكترث أو يحترم مشاعر أقارب الذين ماتوا والملايين الذين أزعجهم هذا الدم المصري الذي أصبح رخيصًا جدًا.. وهو سلوك تكرر كثيرًا فيما بعد حيث أصبح مبارك يهتم بالكرة وبالمنتخب علي حساب أي شيء آخر.

وباتت هناك قضايا وأمور يتدخل فيها الرئيس بحسم وسرعة واهتمام مثل احتراف الحضري في سيون والحرص علي مشاعر حسن شحاتة ولاعبيه عقب الخروج من كأس العالم وأمور مشابهة كثيرة بينما غاب هذا الاهتمام بقضايا أخري من احتراق وحوادث القطارات إلي صخرة الدويقة إلي ألف وجع وهم داخل قلوب المصريين وتحت جلودهم. (5) الرئيس الخامس محمد مرسي طيلة فترة حملته الرئاسية.. سواء قبل الانتخابات الأولي أو انتخابات الإعادة.. لم يتحدث محمد مرسي أبدا عن كرة القدم أو الرياضة.. دعاه كثيرون لتقديم أفكاره وبرامجه وطرح رؤاه إلا أنه لم يستجب لذلك ولم يلتفت أبدًا للرياضة ولكرة القدم باستثناء التهنئة التي قدمها لمنتخب مصر حين فاز علي غينيا في مشوار تصفيات مونديال البرازيل المقبل.. ولم يكن سبب ذلك أن محمد مرسي أصلاً ليس مهتمًا بكرة القدم.. فلم يكن ذلك صحيحًا.. فمحمد مرسي الزملكاوي الهوي كان يحب كرة القدم واعتاد أن يلعبها صغيرًا في شوارع الزقازيق ثم في ملاعب المدينة بعدما أصبح أستاذًا للجامعة.. وقد كان محمد مرسي هو رئيس حزب الحرية والعدالة الذي تأسس قبل انتخابات الرئاسة ليصبح الوجه السياسي لجماعة الإخوان المسلمين.. وتضمن برنامج الحزب المعلن ضرورة أن تكون الرياضة جزءًا أساسيًا من المنهج التعليمي لتشجيع ممارسة الرياضة.. وأيضًا توفير الأماكن والأجهزة المناسبة لممارسة الأيتام للرياضة.

وقدم الحزب رؤيته للرياضة التي تضمنت عشر نقاط أساسية.. تطوير المنشآت الرياضية.. توسيع قاعدة الممارسة.. حملات إعلامية لتحفيز الناس لممارسة الرياضة.. تشجيع القطاع الخاص علي الاستثمار الرياضي.. مراقبة النوادي ماليًا وإداريًا.. حوافز مادية قوية عند تحقيق البطولات إقليميًا وعالميًا أو عند حصول الرياضيين علي مؤهلات عليا.. تخصيص ملاعب وصالات رياضية خاصة بالنساء.. اختيار ألعاب بعينها لتكون رياضات قومية لمصر.. استغلال ملاعب المدارس في غير أوقات الدراسة.. اشتراط وجود الملاعب قبل منح أي ترخيص ببناء مدرسة.. وحين جاء مرسي للحكم لم يهتم بأي من ذلك.. لا كرة القدم ولا الرياضة كلها. وقد كان من المتخيل أن يلجأ محمد مرسي لاستغلال كرة القدم لتأكيد شعبيته هو وجماعة الإخوان علي الأقل التزامًا بوصايا ودروس حسن البنا الذي أسس الجماعة عام 1928.. إلا أن مرسي وجماعته انشغلوا بمخطط التمكين وكيف يمكنهم الاستيلاء علي مصر كلها في أقل وقت ممكن وبالتالي لم يعد هناك أي قدر من الاهتمام أو حتي الالتفات لكرة القدم.. حتي رغم إعلان الرئيس مرسي حرصه وإصراره علي استئناف النشاط الرياضي والكروي أثناء استقباله لعدد كبير من أعضاء بعثة مصر المشاركة في أوليمبياد لندن 2012 بقصر الاتحادية بمصر الجديدة.. ويومها قال مرسي أشهر عبارة كروية له وواحدة من أغرب التصريحات الكروية لأي رئيس لمصر.. فقد وقف أمام الجميع يؤكد أن الدوري بدون جمهور.. مثل زواج بدون شهود.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق