سقوط القوي العظمي في كأس العذاب
عاطف عبد الواحد
12
125
سقوط القوي العظمي في كأس العذاب
خلال الدور الأول من مونديال البرازيل (دوري المجموعات).. لم يلعب أي منتخب مبارياته الثلاث بأداء ثابت وبنفس القوة.. رفع كبار منتخبات أوروبا الراية البيضاء بصورة مازالت تثير حيرة خبراء الكرة والمحللين.. عرفت ملاعب السامبا إثارة ما بعدها إثارة.. ومفاجآت من العيار الثقيل وأهدافا غزيرة وتأكد للجميع أن النسخة العشرين من نهائيات كأس العالم سوف تكون تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معني وأن الأدوار الإقصائية بداية من دور الـ16 وحتي النهائي ستكون أكثر إثارة:

قبل انطلاق مونديال البرازيل.. رشح البرتغالي جوزيه مورينيو المدير الفني لفريق تشلسي الإنجليزي منتخب بلاده للوصول إلي المباراة النهائية للبطولة بصحبة المنتخب الإنجليزي. وتوقع المدرب الذي يفضل لقب الاستثنائي مواجهة إسبانيا وإيطاليا في دور الثمانية وإعادة نهائي يورو 2012 ورسم طريق المنتخبات.. وتوقع تأهل إنجلترا علي حساب البرازيل.. والبرتغال بعد التفوق علي الأرجنتين (دور الثمانية).

وذهبت توقعات المدير الفني لتشلسي أدراج الرياح.. وذلك علي عكس توقعات لاعبه محمد صلاح الذي توقع أن تأتي مفاجآت البطولة من جانب منتخب تشيلي وأن يقود ميسي منتخب التانجو إلي اللقب العالمي. فشلت توقعات مورينيو عن جدارة.. ودعت إنجلترا البطولة بعد 180 دقيقة فقط ولم تحصد في النهاية سوي نقطة واحدة احتلت بها المركز الأخير في مجموعة الموت أو مجموعة أبطال العالم التي تصدرها منتخب كوستاريكا الذي كان ينظر إليه كل خبراء اللعبة علي أنه حصالة المجموعة والبطولة من كثرة الأهداف التي ستهتز بها شباكه. ويكفي أن نشير إلي تصريحات الأسطورة الأرجنتينية دييجو مارادونا الذي استهزأ بمنتخب كوستاريكا خلال البرنامج الذي يقدمه علي قناة فنزويلية بأن سيكون عليهم جمع هذا المنتخب في "جوال".

وأضاف: لو كنت مواطنا كوستاريكيا لأطلقت النار علي نفسي.. قالها وهو يضع شكل المسدس بيده موجها إياه إلي رأسه!!! ولكن السمكة الصغيرة تفوقت علي الحيتان وصنعت الحدث ودخلت التاريخ من الباب الواسع وذلك علي حساب ثلاثة من أبطال العالم.. تفوقت علي أوروجواي بالثلاثة وعلي إيطاليا بهدف وتسببت في وداع إنجلترا مبكرا واضطر مارادونا للاعتذار لكوستاريكا والقول بأنه لم يستهزئ عندما تنبأ لها بحظوظ ضعيفة في المونديال. في مونديال البرازيل.. لم يكن هناك مكان للتوقعات.. ومن حسن حظ منتخب كولومبيا أن الأسطورة بيليه لم يضعه في دائرة الترشيحات مثلما فعل قبل بطولة كأس العالم 94 بأمريكا حيث رشحها للقب فخرجت من الدور الأول. تألق منتخب كولومبيا رغم غياب هدافه ونجمه الأول فالكاو للإصابة (يساوي ثلث المنتخب) وتصدر قمة مجموعته (الثالثة) بالعلامة الكاملة وذلك مثلما فعل منتخبا الأرجنتين وهولندا. كان منتخب كولومبيا واحدا من منتخبات الأمريكتين التي فرضت كلمتها في البطولة في الوقت الذي رفعت فيه المنتخبات الأوروبية الراية البيضاء بشكل أثار حيرة متابعي الكرة. منتخب إسبانيا بطل العالم وأوروبا ودع بعد مباراتين (هزيمة قاسية من هولندا ومؤلمة من تشيلي) وكانت مباراته أمام استراليا تحصيل حاصل (حقق فيها فوزا معنويا بثلاثية نظيفة) في مباراة الوداع للعديد من النجوم والأسماء الكبيرة ويأتي في مقدمتها ديفيد فيا الهداف التاريخي للماتادور والذي سجل واحدا من أجمل أهداف البطولة (بالكعب) وخرج ليبكي علي دكة الاحتياطي.. ولا نعرف هل كان يبكي علي حال منتخب بلاده والبهدلة التي تعرضت لها في ملاعب السامبا أم علي نفسه وخاصة أنها كانت المباراة الأخيرة له مع الماتادور وقبل أن يغادر الملاعب الإسبانية للاحتراف في الدوري الأمريكي. منتخب إسبانيا حقق فوزا معنويا في الجولة الثالثة لم يفده كثيرا.. وهو نفس ما فعله منتخب البرتغال حيث كان انتصاره علي غانا (2/1) تحصيل حاصل ولعل ذلك ما جعل كريستيانو رونالدو لا يحتفل بهدفه رغم أنه كان هدف الفوز وأول هدف له في البطولة.

أما بالنسبة لمنتخب إنجلترا فقد فشل في حفظ ماء وجهه بفوز معنوي.. فبعد الهزيمة أمام إيطاليا وأوروجواي سقط في فخ التعادل أمام كوستاريكا رغم أن منافسه (مفاجأة دوري المجموعات) لعب بعدد من البدلاء ليحتل المركز الأخير برصيد نقطة واحدة. صحيح أن روي هودجسون المدير الفني لإنجلترا صنع توليفة جديدة لمنتخب بلاده ومنح الفرصة لعدد من اللاعبين الصاعدين أبرزهم رحيم استرليج.. إلا أنه أخفق بالنتائج والأرقام وتأكد من عودته إلي لندن بعد ثمانية أيام فقط من انطلاق البطولة في الوقت الذي كتب فيه منتخب كوستاريكا التاريخ وأصاب العالم بالجنون. وامتد الفشل إلي الدب الروسي.. مدربه الإيطالي فابيو كابيللو حضر للبرازيل وهدفه تصدر المجموعة الثامنة من أجل تجنب مواجهة ألمانيا في الدور الثاني.. فإذا به يودع مبكرا بعد أن جمع نقطتين فقط لم تكونا كافيتين إلا لاحتلال المركز الثالث.. مما جعله يتعرض لهجوم شديد من جانب الصحافة والجماهير الروسية والتي تساءلت عن جدوي الملايين التي يحصل عليها.. فرغم أن الاتحاد الروسي جعل منه المدرب الأغلي في المونديال ويمنحه 6 ملايين و693 ألف جنيه استرليني سنويا (حوالي 11 مليونا و233 ألف دولار) فإنه أخفق في صنع منتخب جيد لروسيا قادر حتي علي التمثيل المشرف.

المثير في الأمر أن المدربين الثلاثة الأغلي في المونديال فشلوا مع منتخباتهم عن جدارة وودعوا مبكرا ومن الدور الأول ونتحدث عن فابيو كابيللو والإنجليزي روي هودجسون (ينال 3 ملايين و500 ألف جنيه استرليني) والإيطالي تشيزاري بونديلي (ينال مليونين و575 ألف جنيه إسترليني) والأخير قدم استقالته واعتبر نفسه المسئول عن الإخفاق والفشل رغم أن الاتحاد الإيطالي كان قد وقع معه عقدا لمدة ثلاثة أعوام قبل انطلاق المونديال ولكنه ضرب مثالا رائعا في المدرب الذي يحترم نفسه ويعرف قيمة تاريخ بلاده.. واستقال معه جيانكارلو أبيتي رئيس الاتحاد. وفي المقابل كان التألق كبيرا للمدرب صاحب الأجر الأضعف بين الـ32 مدربا في البطولة ونتحدث عن المدرب المكسيكي ميجيل هيريرا والذي يتقاضي 125 ألف جنيه استرليني حيث قاد منتخب بلاده للوصول إلي بلاد السامبا عبر مباريات الملحق ثم الإبداع في المونديال.. واحتلال المركز الثاني في مجموعة المنظم والمستضيف بفارق الأهداف فقط وذلك بعد التساوي في رصيد النقاط (7 نقاط). والمؤكد أن إخفاق كبار أوروبا في المونديال في البطولة والفشل الكبير لمنتخبات آسيا وتألق اللاتين سيحتاج من الخبراء والمحللين لتفسير ما جري وسيجري. المنتخبات القادمة من القارة الآسيوية حجزت المكان الأخير في مجموعتها.. منتخب أستراليا جاء في المركز الرابع للمجموعة الأولي برصيد صفر من النقاط وذلك بعد الهزيمة في مبارياتها الثلاث (من تشيلي وهولندا وإسبانيا).. ولم تحقق منتخبات اليابان وإيران وكوريا الشمالية أي انتصار.. اكتفي كل منها بتعادل وحيد.. نقطة وضعت كلا منها في مؤخرة مجموعته.. اليابان في الثالثة وإيران في الخامسة وكوريا في الثامنة لتكون مشاركة فاشلة بجميع المقاييس. ويمكن أن نقول إن أفضل العروض من منتخبات القارة الصفراء ظهر في مباراة أستراليا مع هولندا وكان التألق الأكبر للاعب تيم كاهيل الذي سجل واحدا من أجمل أهداف البطولة وأيضا في مباراة الأرجنتين مع إيران والتي عرفت تألقا للحارس الإيراني علي رضا حقيقي الذي تصدي لمحاولات كثيرة قبل أن ينحني أمام ميسي في الثواني الأخيرة.. وهذه هي المرة الأولي التي يحدث فيها هذا الأمر منذ عام 1990.. وفي النقاط التالية نتحدث عن أهم ظواهر الدور الأول وأرقامه وإحصاءاته ونجومه.. أولا: مونديال الأرقام القياسية لم يمنع ارتفاع درجات الحرارة في عدد من المدن البرازيلية والمسافات الشاسعة التي تقطعها المنتخبات المشاركة للتنقل بين هذه المدن من تقديمها كرة هجومية ووجود أهداف غزيرة في الدور الأول والذي انتهي برقم قياسي من الأهداف.

حيث اهتزت الشباك بـ36 هدفا بأكثر من ستة أهداف من نسخة كأس العالم في كوريا واليابان وبالتحديد في عام 2002. وشهدت البطولة عددا آخر من الأرقام القياسية كان آخرها للنجم الغاني أسامواه جيان الذي أصبح هداف القارة السمراء الأول برصيد 6 أهداف (بعد هدفه في مرمي البرتغال) بعد أن فك الشراكة مع الأسطورة الكاميرونية ميلا. وتأهل من القارة الأفريقية منتخبان (نيجيريا والجزائر) إلي الدور الثاني وذلك للمرة الأولي في التاريخ.. كما بلغت ثلاثة منتخبات من منطقة الكونكاف (كوستاريكا وأمريكا والمكسيك) إلي الدور الثاني في إنجاز غير مسبوق في النهائيات. أرقام البطولة القياسية بدأت من مباراة الافتتاح.. فمنذ أن عرف العالم مباريات افتتاح رسمية لكأس العالم في نسخة 1966.. لم تشهد المباراة الافتتاحية عددا أكبر من الأهداف مثلما حدث في المونديال الحالي سوي مرة واحدة في مونديال 2006 بألمانيا (فازت الماكينات علي كوستاريكا 4/2) في حين فاز منتخب البرازيل علي كرواتيا 4/1. وتعرض منتخب إسبانيا لصدمة قوية خسر من الطاحونة البرتقالية 1/5 وهي أقسي هزيمة يتعرض لها حامل لقب خلال تاريخ البطولة.. بجانب أن هذه كانت المرة الثالثة فقط التي يسجل فيها المنتخب الهولندي الفوز بالخمسة في مباراة واحدة في بطولات كأس العالم (فاز علي النمسا 5/1) في مونديال 1978 وعلي كوريا 5/صفر في بطولة 1998. وهناك رقم خاص لمنتخب الجزائر الذي أنهي حالة الجدب التي أصابته في بطولات كأس العالم منذ 32 عاما واستعاد نغمة الانتصارات في البطولة العالمية بالفوز 4/2 علي كوريا الجنوبية كما كتب اسمه في سجلات التاريخ بعدما أصبح أول منتخب أفريقي يسجل أربعة أهداف في مباراة واحدة ببطولات كأس العالم. وقدم المنتخب الكوستاريكي أفضل بداية له في مشاركاته ببطولاته كأس العالم وذلك بعدما تغلب علي منتخبي أوروجواي وإيطاليا علي الترتيب كما أنها المرة الأولي التي يسجل فيها المنتخب أربعة أهداف في أول مباراتين له بالبطولة.

ويعود آخر نجاح للمنتخب الكولومبي في تسجيل خمسة أهداف في أول مباراتين له بالمونديال إلي نسخة عام 1962 بتشيلي ولكن المنتخب الحالي بقيادة خوسيه بيكرمان حقق ما هو أفضل من هذا حيث فاز في مباراتين وضمن التأهل للدور الثاني بينما خرج المنتخب من الدور الأول في مونديال 1962 حيث سجل خمسة أهداف في أول مباراتين ولكنه لم يحقق الفوز نظرا لخسارته 1/2 أمام أوروجواي وتعادله 4/4 أمام منتخب الاتحاد السوفييتي السابق. وحقق المنتخب الإسباني رقما قياسيا آخر في المونديال ولكنه بشكل سلبي لكونه حامل اللقب، وكانت الأهداف السبعة التي دخلت مرماه في مباراتيه أمام هولندا وتشيلي هي أكبر عدد من الأهداف في شباكه بأي من بطولات كأس العالم منذ أن اهتزت شباكه 12 مرة علي مدار جميع مبارياته في مونديال 1950 بالبرازيل أيضا.

وكان هناك رقم قياسي خاص بالجماهير مع خوض 32 مباراة من إجمالي 64 مباراة تشهدها البطولة، تتفوق بنسبة الحضور الجماهيري للمباريات بهذه المرحلة من البطولة عما كانت قبل أربعة أعوام في مونديال جنوب أفريقيا، وشاهد إجمالي مليون و629 ألفا و227 متفرجا المباريات الـ32 التي جرت في 12 استادا، ليصل متوسط عدد الجماهير في المباراة الواحدة إلي 50 ألفا و913 متفرجا، ويفوق ذلك متوسط الحضور الجماهيري للمباراة الواحدة ببطولة كأس العالم السابقة والذي وصل إلي 49 ألفا و670 متفرجا طوال مباريات البطولة الـ64. وكان أفضل متوسط للحضور الجماهيري ببطولات كأس العالم طوال تاريخها سجل في مونديال 1994 بالولايات المتحدة، حيث حضر مباريات البطولة ثلاثة ملايين و587 ألفا و538 متفرجا في مباريات البطولة التي وصل عددها إلي 52 مباراة بمتوسط 68 ألفا و991 متفرجا للمباراة الواحدة.

ثانيًا: النمر الكولومبي الأفضل صحيح أن ميسي ونيمار ومولر تصدروا قائمة الهدافين برصيد أربعة أهداف مع نهاية الدور الأول وقبل الدخول في الأدوار الإقصائية.. إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم اختار خاميس رودريجيز كأفضل لاعب في هذه الجولة. صانع ألعاب فريق موناكو الفرنسي صنع الفارق في صفوف منتخب بلاده وعوض ببراعة غياب النجم والهداف الأول فالكاو للإصابة.. وسجل وصنع أهدافا في المباريات الثلاث وقاد منتخب مزارعي البن لتصدر قمة المجموعة الثالثة بالعلامة الكاملة من النقاط. قائمة المتألقين في الجولة من اللاعبين ضمت أيضا التشيلي ألكسيس سانشيز والحارس المكسيكي أوتشوا والمهاجم الكوستاريكي جويل كاميل والفرنسي كريم بنزيمة الذي كان الأكثر تسديدا علي المرمي بـ11 تسديدة بجانب ثنائي هولندا أرين روبن وفان بيرسي.. والأخير صاحب أجمل هدف في البطولة ونتحدث عن هدفه الأول في مرمي الحارس الإسباني كاسياس والذي جاء بضربة رأس وهو في الوضع طائرا.

ثالثًا: منتخبات كوستاريكا عجزت اللجنة الفنية بالفيفا عن إيجاد تفسير لمفاجآت كوستاريكا المدوية وإطاحته بثلاثة من أبطال العالم فلجأت إلي لجنة المنشطات والتي قامت باختيار سبعة لاعبين من المنتخب الكوستاريكي لإجراء اختبارات منشطات بعد انتصاره علي منتخب إيطاليا بهدف وليس لاعبين كما جرت العادة أو كما تم استدعاؤه من جانب الآزوري. لقد انتهي الدور الأول بتراجع القارة العجوز بخروج مبكر لثلاثة منتخبات عريقة (إيطاليا وإنجلترا وإسبانيا التي كتبت شهادة وفاة التيكي تاكا والتي كانت أقرب إلي التوك تاكا نسبة إلي التوك توك العشوائي) وكان الفائز الأكبر من هذا الدور أمريكا اللاتينية وجارتها الوسطي حيث كانت الإكوادور الوحيدة من أمريكا الجنوبية التي لم تنجح في التأهل ومن منطقة الكونكاكاف كان الفشل لهندوراس فقط.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق