الزمالك.. باع أرضه يا أولاد
عاطف عبد الواحد
12
125
الزمالك.. باع أرضه يا أولاد
استاد حلمي زامورا.. ليس مجرد ملعب ومدرجات وبساط أخضر وسور حديدي.. استاد حلمي زامورا.. تاريخ ونجوم وأهداف وبطولات.. انتصارات وانكسارات.. فوز وهزيمة ولحظات فرح.. ولحظات دموع.. باختصار ستاد زامورا تاريخ غير قابل للشطب ولا يقدر بثمن:

استاد حلمي زامورا.. ليس الملعب الأول للزمالك.. فالقلعة البيضاء غيرت موقعها ثلاث مرات ولكنه يبقي الأهم والأكبر والأقرب لقلوب وعقول جماهير الزمالك.. ملعب تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معني خاصة إذا ما تمت مقارنته بالملعبين الآخرين (لم يستمر فيهما إلا سنوات قليلة).

اختار المحامي البلجيكي مرزباخ ـ الذي قام بتأسيس الزمالك ـ إقامة النادي علي ضفاف النيل في مواجهة نادي الجزيرة الذي كان معقل الإنجليز وقريبًا من النادي الأهلي والذي كان معقل المصريين وأطلق عليه اسم قصر النيل. وكان النادي عبارة عن صالون اجتماعي تلتقي فيه عائلات الأجانب لتبادل الحوار والثرثرة وبضعة ملاعب تنس

.. ولأنه لم يسع أعضاءه فقام المحامي البلجيكي بالبحث عن أرض جديدة ومكان أوسع في شارع فؤاد (26 يوليو حاليًا).. وبالتحديد مكان دار القضاء العالي.. ولم يهنأ أعضاء الزمالك كثيرًا بموقعه المتميز حيث أجبرته الحكومة علي التنازل عن أرضه من أجل المحكمة المختلطة (تفصل في القضايا التي كان طرفاها من الأجانب أو أحد طرفيها علي الأقل.. وغني عن الذكر أنها ما من مرة أنصفت فيها تلك المحاكم رجلاً مصريًا أو امرأة مصرية)

.. وكان ذلك في عام 1925. وعاد الزمالك مرة أخري إلي ضفاف النيل في المكان الذي يشغله مسرح البالون الآن بعد جهود كبيرة من أعضائه بعد مصادرة الحكومة لأرضه في شارع فؤاد. ولم يكن المقر الجديد إلا عبارة عن أربع حجرات فقط وملعب لكرة القدم به حجرتان لخلع الملابس ومدرجات تتسع لستة آلاف متفرج.. وفشلت كل محاولات مسئولي النادي في البقاء علي شاطئ النيل حيث أجبرته وزارة الشئون البلدية والقروية علي تركه.. فذهب إلي ميت عقبة مع نادي الترسانة ونادي التوفيقية

.. وصنع التاريخ والبطولات في ملعب حلمي زامورا الذي شهد مولد النجوم الأبرز في القلعة البيضاء علي مدار تاريخها وفيه سقط 48 من عشاق الزمالك خلال مباراة الفريق مع دوكلا براغ التشيكي.. أرض الزمالك وقف يتبع سعيد وسنان باشا (من أحفاد محمد علي) تم تخصيصه لمصلحة النادي في عام 56 بتدخل مباشر من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وزير دفاعه.. وذلك مقابل إيجار اسمي قدره جنيه واحد في السنة (وتمثل المساحة القريبة من مسجد الحامدية الشاذلية). في كل مرة.. كان الزمالك يتم إجباره علي التخلي عن موقعه وأرضه وملعبه

.. والآن يريد أن يضحي أو يتنازل بمحض إرادته وبقرار من مجلس إدارته عن ربع مساحته وبالتحديد يقوم بهدم ملعب حلمي زامورا وملاعب الناشئين والصالة المغطاة.. وذلك من أجل بناء مول تجاري علي مساحة 55 ألف متر مربع مقابل مليارين و200 مليون جنيه كحق انتفاع لمدة 35 عامًا. البعض داخل الزمالك وبالتحديد أكثر مرتضي منصور وصفوا العقد بالتاريخي والذي سينقل القلعة البيضاء إلي مصاف الأندية الأغني في المنطقة العربية والأفريقية بسبب ضخامة المبلغ

.. في الوقت الذي رفض عدد كبير من رموز النادي القرار لأنه سيهدم جزءًا مهمًا من تاريخ الزمالك.. بينما سخر البعض الآخر من القيمة المالية للصفقة مؤكدين أن نادي الزمالك بموقعه المتميز يستحق قيمة أكثر بكثير من المعروضة عليه.. وصحيح أن من حق مرتضي منصور أن يبحث عن موارد وحلول غير تقليدية لإنقاذ ناديه من أزماته المادية.. ولكن البيع هو أسهل الحلول.. في أي صورة وشكل مثلما يريد الزمالك هدم ملعبه الكبير وملاعب ناشئيه وصالته المغطاة لإقامة مشروع تجاري ليس فيه أي إبداع وابتكار.. وبيع التاريخ هو الأصعب والأقسي والأكثر ألمًا.. فالتاريخ كلمة مكتوبة

.. تنبض بالحقائق والمشاهد والوقائع.. سواء كانت مؤلمة أو مفرحة.. تسقط الحوائط والجدران والممتلكات والعقارات من ذاكرة التاريخ.. لأنها أشياء فانية وبالية.. قد يشعر بها جيل قد ينبهر بها بعض البشر.. لكن عمرها قصير وحظها من الظهور قليل.. وهكذا أيضًا البوتيكات والمولات فإنها قد تجلب المال قد تحقق انتعاشة اقتصادية لفئة أو مجموعة لكنها تذهب مع الريح وتسدل عليها ستائر النسيان بعد بضع سنوات. فالتاريخ يخلد الوقائع والأحداث.. الانتصارات والانكسارات.. ومهما مرت الأعوام والسنون تظل الأحداث حاضرة والوقائع موجودة بين صفحات التاريخ يتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل

.. ومن أراد أن يكسب المال ويخسر التاريخ فإنه يخسر الاثنين معًا.. ويدفع ثمنًا غاليًا لا يشعر بفداحته إلا بعد فوات الأوان.. فالأموال مهما كثرت سريعة النفاد وإلي زوال.. أما التاريخ الذي يصنعه الرجال الأفذاذ فإنه لا يسقط من الذاكرة بل يظل نبراسًا تهتدي به الأجيال جيلاً بعد جيل.. لقد استقطع الزمالك.. جزءًا من أرضه وقام ببناء العديد من البوتيكات.. لم تجعله الأغلي والأقوي ولم تدر عليه الملايين كما قال ووعد وحلم رجاله ومسئولوه لتمرير مشروع المحلات.. ولم تنقذه من عثراته المادية.. بل تسببت في الكثير من المشكلات والأزمات والذهاب إلي ساحات المحاكم.

والآن يسعي مجلس إدارة الزمالك برئاسة مرتضي لاستقطاع جزء آخر.. لإقامة مشروع تجاري جديد.. هدم ملعب حلمي زمورا الذي دفع النادي آلاف الجنيهات لتجهيز البساط الأخضر وغرفة ملابسه وملاعب الناشئين التي تكبدت وزارة الشباب والرياضة ملايين الجنيهات من أجل إصلاحها وتم إعادة افتتاحها منذ أسابيع قليلة.. بالإضافة إلي الصالة المغطاة

.. كل ذلك لإقامة مول تجاري يلتهم ربع مساحة أرض الزمالك تقريبًا ويضيق النادي علي أعضائه والذين زاد عددهم بعد العضويات المستثناة لرجال الشرطة والقضاء والإعلام. لقد اختار مرتضي منصور الحل الأسهل

.. وفي جلسة مصورة لمجلس الإدارة قرر هدم ملعب زامورا والصالة المغطاة والتضحية بملاعب الناشئين لإقامة المول التجاري. ويبدو أن مسئولي الزمالك نسوا أنه نادي الزمالك وليس الزمالك للمشروعات التجاري ويحتاج رئيس نادي الزمالك إلي الحصول علي 6 موافقات لتمرير مشروعه ببناء المول التجاري. أول الموافقات من المفترض أن يحصل عليها هي موافقة وزارة الأوقاف، حيث إن موافقة الوزارة علي المشروع شرط أساسي لإنشائه خاصة أن العقود الموقعة بين الزمالك والوزارة تنص علي ضرورة الحصول علي موافقة الوزارة في حالة إقامة أي منشأة جديدة داخل النادي، سواء العقد الموقع مع مرسي عطا الله أو عقد البيع الموقع مع ممدوح عباس لمساحة ليس من بينها المنطقة المراد إقامة المشروع عليها.

ثاني الموافقات التي يحتاجها هي موافقة إدارة المرور علي هذا المشروع.. في هذه المنطقة المزدحمة أساسًا بالسكان.. حيث سبق أن رفضت الإدارة من قبل طلب ممدوح عباس لنفس السبب. ثالث الموافقات التي يحتاجها هي موافقة الدفاع المدني حيث سبق أن قدمت إدارة الدفاع المدني تقريرًا عن عدم إمكانية وصول سيارات المطافي وغيرها من وحدات الدفاع المدني إلي مبني بهذا الحجم قد يوجد به آلاف من المواطنين بالسرعة المطلوبة بسبب صعوبة المرور في تلك المنطقة.

رابع الموافقات التي قد تفسد المشروع هي موافقة الحي خاصة أنه سبق رفض الفكرة مؤكدًا أنه لن يسمح لأي مالك إلا بالبناء علي 60% من مساحته الكلية.. كما أن الأندية الرياضية غير مسموح لها إلا بالبناء علي 5% فقط من مساحتها. خامس الموافقات هي موافقة الجمعية العمومية. آخر الموافقات تتمثل في موافقة الجهة الإدارية خاصة أن أي عقد تتجاوز مدته فترة بقاء المجلس تتطلب الحصول علي موافقة الجهة الإدارية.. وبما أن المدة الباقية للمجلس الحالي أربع سنوات فقط.. ومدة العقد 35 سنة فلابد من الحصول علي موافقة الجهة الإدارية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق