وأذن الله لمصر أن تفرح.. ففرحت بالأهلي
عزت السعدنى
12
125
ما أجمل النصر.. ما أجمل الفرحة.. الحمد لله لقد أذن الله لمصر أن تفرح أخيرا وسط سحابات الغيوم والظنون وفتن الطامعين وكيد الكائدين.. ينطلق طائر الأهلي بلباسه الأحمر فاردا جناحيه في سماء مصر.. معلنا فوزه بكأس أفريقيا لكرة القدم للمرة السابعة في تاريخه.. وللمرة الأولي بكأس اسمها الكونفيدرالية.. لتحمر القاهرة لون فانلة الأهلي وكل مصر.. قراها ونجوعها وعزبها وريفها وحضرها ومدنها.. حتي الدنيا كلها أصبح لونها "بمبي" كما قالت سعاد حسني في يوم فرح ورقص وغناء وطبل وزمر.. وإذا لم تكن مصر ترقص وتغني اليوم بعد أن أذن الله لها بالفرحة التي فجرها انتصار الأهلي المبين.. فمتي نرقص ونغني إذن؟

لقد كان يوم المباراة يوما تاريخيا وحضاريا لعب بعقول وقلوب الجماهير التي ملأت استاد القاهرة.. والله زمان يا كورة.. والله زمان يا استاد القاهرة.. والله زمان يا كورة.. هذا المشهد العظيم الذي لم تشهده القاهرة منذ مباراة الإسماعيلي والإنجلبير لنهائي أفريقيا حيث امتلأ الاستاد عن آخره.

ولكن هذه المرة كان اللون الأحمر هو الغالب وكان المتفرجون غاية في الأدب والذوق وسمو الخلق يهتفون للأهلي في ترديد جميل وأغان تشرح القلب ولوحات جمالية يصنعها آخر ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا في استادات العالم.. ينفرد الأهلي وحده بتقديم هذه اللوحة الحضارية الجميلة التي أسعدت الدنيا كلها وأسعدت مصر وشعبها خاصة.. لعب الأهلي بقلوب مصر عقول أهلها ذهابا وعودة وصرخت المدرجات: العب يا أهلي العب يا أهلي.. ليصحو الأسد الأهلاوي المرعب ليتحول الفريق إلي فريق الأسد المرعب بتاع زمان.. ليهزم الوزة الإيفوارية المزغطة التي اسمها سيوي سبور. ماذا يعني هذا النصر العظيم بعد ولادة متعثرة للكرة المصرية وبعد هذا الخروج المهين لا من مباريات كأس أفريقيا ولكن من التصفيات المؤهلة إليها؟ يعني قطار مصر الكروي بجلالة قدره لم يصل إلي المحطة النهائية للبطولة..

ولكن حتي لم يصل إلي القطار نفسه ليركبه وبقي واقفا أو نائما علي رصيف محطة الكرة الأفريقية.. للمرة الثالثه في تاريخ البطل المصري الذي أحرز البطولة نفسها سبع مرات.. بينها ثلاث مرات متتالية.. وسلملي علي الست خديجة ندابة زمان في المآتم الحزايني! ليقعد الأهلي وحده في مقدمة الأندية الأفريقية.. بل وفي مقدمة أندية العالم كله الفائز بمسابقات قارية.. وليسبق نادي الميلان الإيطالي العنيد بعشرين انتصارا قاريا ودوليا.. بينما عمنا الميلان بطل أوروبا فحصد 18 انتصارا قاريا.. ودقي يا مزيكا الإرب الاسكتلندية الشهيرة.. نهاوند وسيكا..

فهذا هو عرس الكرة المصرية والعريس هنا أهلاوي كما هي العادة. ولعل أجمل ما في فرحة مصر بالأهلي وعمايله الحلوة طبعا أنه أسعد مصر كلها وأدخل الفرحة لأول مرة بعد أربع سنوات عجاف عشناها في هدم وحرق وتكسير عظام مصر كلها في صورة مظاهرات وحرائق وضرب ورزع وتكسير عظام مصر كلها.. وحرق تاريخها وتراثها الحضاري المتمثل في المجمع العلمي الذي أقامه نابليون بونابرت ــ تصوروا أن نابليون بونابرت بنفسه وبجلالة قدره ومعه طابور طويل من علماء فرنسا العظام في القرن الثامن عشر.. قد أقاموا هذا المجمع العلمي التاريخي جمعوا معه ما استطاعوا من كنوز الآثار المصرية والمعرفة والعلوم والفن والتاريخ العظيم.. وصوروا ذلك كله في مجلدات أطلقوا عليها اسم وصف مصر العظيمة.. ليخرج علينا شباب تحت السلم.. شلة من الرعاع يلقون عليه قنابل المولوتوف الحارقة.. ثم يرقصون مرحا وهم لا يدرون أنهم يحرقون قلب مصر وعقلها وتاريخها العظيم في لحظات عبثية قدرية لا حول لنا ولا قوة.. إنه الشر الذي امتلك الأرض ومن عليها وآن الأوان لمصر لأن تشرب من كأسه المسمومة.. فشربت وشربنا كلنا حتي جاء الخلاص أخيرا وتنفست مصر الصعداء وعاد قلبها يدق وينبض عقلها ليتحرك ويعمل ليقدم لنا في آخره هذا النصر العظيم.. لتفرح مصر كما لم تفرح من قبل.. وليحمر وجهها وكل مكان فيها بلون فانلة الأهلي الحمراء القانية، وتفرح مصر ولو كره الكارهون.. ولكننا سألنا: كيف استطاع الأهلي وهو في حالة عدم اتزان أن يعبر هذه الأزمة وأن يجد حلا لهذا اللغز الكروي.. وهو في حالة تكوين فريق جديد بعد اعتزال نجومه الكبار..

وقد لعب الأهلي المباراة وفي جعبته 17 لاعبا فقط لا غير من الفريق بالاحتياطي الاستراتيجي وأنه لعب بمهاجمين اثنين فقط لا بديل لهما هما وليد سليمان وعماد متعب. وعلمت وعلمت مصر كلها بعد المباراة أن نصف فريق الأهلي كان مصابا أو في طور العلاج والنقاهة.. ولكن الكل تحامل علي نفسه وأكمل المباراة بالروح القتالية المشهورة عن الأهلي.. بل إن حارس مرماه أحمد عادل عبدالمنعم لعب بعد أن أخذ حقنة مسكنة للآلام التي كان يعاني منها! فضلاعن إيقاف نجمه ونجم منتخب مصر محمود تريزيجيه بكارت أصفر لحكم مباراة الذهاب في أبيدجان عاصمة كوت ديفوار مع نفس الفريق الذي لاقاه في النهائي في القاهرة. أجمل ما في المباراة كلها هو سلوك هذا الجمهور العظيم المتحضر الذي يقدم صورة مشرفة لمصر وتاريخها الكروي العظيم. صديقنا العزيز ميدو مدرب الزمالك العتيد الذي "ألشه" رئيس النادي..

وممنوع نشر اسمه هنا لتعليمات صريحة من نقابة الصحفيين لتعديه بالقول عليهم.. قال ميدو: لو أن مصر لديها نصف حظ الأهلي لما توقف قطارها الكروي أبدا ولأصبحنا أول دولة في العالم في كرة القدم. ولكن في رأيي أن الأهلي لعب بروح مصر وروح شعبها العظيم وأن حظ الأهلي يكمن فقط في روح الفانلة الحمراء التي يلعب بها الأهلي لآخر ثانية في المباراة ليسطع النصر ولتفرح مصر كلها.. والحمد لله أن مصر احمر وجهها وفرحت بفضل روح الفانلة الحمراء وروح المصريين التي تظهر في الشدائد فقط.. ولأن الله أراد لمصر أن تفرح بعد طول غمة واكتئاب..

فرحت مصر واحمر وجهها. الذي يهمنا هنا هو هذه اللوحة البانورامية الحضارية التي رسمتها جماهير النادي الأهلي في المدرجات في مشهد يخلب اللب ويضع جماهير مصر في مصاف جماهير الدول المتحضرة حتي إن الرئيس عبدالفتاح السيسي قد عبر عن سعادته بما صنعته الجماهير في يوم النصر العظيم وقال إن الجماهير يمكن أن تصنع مشهدا حضاريا بدلا من مشاهد العنف والضرب والتكسير.

*****************

ولكننا سألنا: كيف استطاع الأهلي وهو في حالة عدم اتزان أن يعبر هذه الأزمة وأن يجد حلا لهذا اللغز الكروي.. وهو في حالة تكوين فريق جديد بعد اعتزال نجومه الكبار

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق