استيعاب الألتراس.. والمصالحة مع الدولة.. ضرورة!
سعاد طنطاوى
12
125
استيعاب الألتراس.. والمصالحة مع الدولة.. ضرورة!
لا تزال أدوار بعض الفاعلين داخل الدول مثار جدل محتدم علي غرار "الألتراس"، بالنظر إلي كونها جماعة غير سياسية لديها القدرة علي الحشد والتنظيم، بشكل دفع بعض الدول العربية إلي تبني سياسات مغايرة تستهدف استيعابها.

ظاهرة عربية: فكما يقول المحللون السياسيون بوحدة التحولات الداخلية الإقليمية بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة أنه لا يمكن اعتبار الألتراس أحد مستجدات الثورات العربية؛ حيث انتشرت روابط مشجعي كرة القدم في الدول العربية، بداية من تونس بتأسيس رابطة "أفريكان وينرز" من مشجعي فريق الأفريقي التونسي عام 1995، ثم انتقلت الفكرة إلي دول الجوار خاصة المغرب التي باتت تضم أكثر من 50 مجموعة ألتراس تتقدمهم مجموعة "الوينرز" التي تشجع فريق الوداد، و"الجرين بويز" التي تشجع فريق الرجاء البيضاوي. وعرفت الجزائر الظاهرة أيضًا، حيث شهدت تأسيس عشرات مجموعات الألتراس منذ عام 2007 علي رأسها "ألتراس كوماندوز" و"ألتراس ميجا بويز" و"ألتراس فيرديليون". كما انتقلت جماعات الألتراس إلي مصر منذ عام 2007 من خلال مجموعات "ألتراس أهلاوي"، وألتراس "وايت نايتس"، و"جرين إيجلز"،

وغيرها من روابط المشجعين التي انتشرت بقوة قبيل الثورات العربية، وتتابعت مواجهتها مع قوات الشرطة خلال المرحلة الانتقالية، خاصة عقب أحداث استاد بورسعيد الدامية في 1 فبراير 2012، والتي راح ضحيتها 72 من مشجعي النادي الأهلي. وعلي مستوي آخر، ارتبطت الثورات العربية بانتشار مجموعات الألتراس علي امتداد الدول العربية كنموذج جديد للتشجيع الرياضي؛ حيث شهد الأردن تكون مجموعات الألتراس بداية من عام 2008 عبر ألتراس "جرينز" التابع لنادي الوحدات،

ثم انتشرت هذه الفكرة بتأسيس ألتراس "إيجلز" التابع للنادي الفيصلي. وانتقلت الفكرة للمملكة العربية السعودية في عام 2011 بتأسيس "ألتراس جولدن تايجرز" التابع لنادي الاتحاد السعودي، و"ألتراس الموج الأزرق" المشجع لنادي الهلال، و"ألتراس العالمي" التابع لنادي النصر، و"ألتراس الملكي" التابع للنادي الأهلي. بينما شهدت دولة الإمارات تكون "ألتراس جنون" المشجع لنادي الوصل. تصاعد العنف: تصاعدت وتيرة تسييس الألتراس والانتقال من مساحات التشجيع الرياضي إلي الاحتجاج السياسي وممارسة العنف ومناوأة السلطة إثر الثورات العربية،

ففي مصر اشتبكت مجموعات ألتراس "أهلاوي" مع قوات الأمن بمحيط النادي الأهلي بعد محاولتها اقتحام النادي في 23 ديسمبر الماضي، وذلك عقب بيان أصدرته فصائل ألتراس الأهلي، يتضمن رفضًا لقرارات منع حضور الجمهور للمباريات، وتهديدًا باقتحام المباريات بغض النظر عن رفض وزارة الداخلية. في السياق ذاته؛ لا تزال الصدامات مستمرة بين قوات الأمن وألتراس "وايت نايتس"، خاصة عقب إعلان رؤساء عشرة أندية مصرية، في 14 سبتمبر، اعتبار روابط الألتراس جماعات إرهابية بسبب الأعمال التخريبية التي قامت بها هذه المجموعات خلال الأعوام الماضية،

وتكليف رئيس نادي الزمالك برفع دعوي قضائية للمطالبة بحلها، واعتبارها مجموعات إرهابية، وهي الدعوي التي سيتم الفصل فيها في 26 يناير الجاري. بينما شهد المغرب اشتباكات دامية بين مجموعات الألتراس، علي غرار الصدامات بين ألتراس "عسكري" المساند لنادي الجيش الملكي ومشجعي فريق الدفاع الحسني، في 20 أكتوبر 2014، والتي تخللتها اشتباكات مع قوات الأمن بسبب رفض المشجعين مصادرة شعاراتهم وأدوات التشجيع، وهو ما أعقبه في 28 ديسمبر، تعرض مشجعي الجيش الملكي لاعتداءات من جانب مشجعي الفريق المنافس أسفرت عن سقوط عشرات الجرحي.

كما شهدت الجزائر تراشقًا بالشماريخ بين فريقي شباب بلوزداد ومولودية الجزائر، في 9 نوفمبر 2014، مما أدي إلي إصابة بعض الجماهير بحروق، وهو ما يرتبط بموجة العنف التي تجتاح الملاعب الجزائرية التي أدت إلي مقتل اللاعب الكاميروني ألبير إيبوسي مهاجم نادي شبيبة القبائل، في 7 سبتمبر 2014، نتيجة إصابته بقطعة خشبية حادة ألقاها الجمهور من المدرجات بسبب الهزيمة من نادي اتحاد الجزائر، وفق تصريحات وزير الشباب والرياضة الجزائري محمد التهامي. وعلي الرغم من ضعف نزعات العنف لدي روابط الألتراس في الأردن، فقد اصطدم ألتراس الفيصلي بقوات الأمن، في 5 أغسطس 2014، بسبب رفع شعارات سياسية تتعلق بالتضامن مع غزة والمقاومة الفلسطينية خلال مباراة فريقها مع نادي الحسين في إربد، وهي الأحداث ذاتها التي تكررت مع ألتراس نادي الوحدات وغيره من الأندية الأردنية التي باتت أكثر ميلا لرفع شعارات سياسية خلال المباريات.

محفزات التسييس: ويري هؤلاء المحللون بالمركز أنه تكمن خصوصية الألتراس مع اختلاف سياقاتها في كونها جماعة رياضية متماسكة تمثل فئة الشباب لديها مكامن للقوة التنظيمية، تتمثل في الانتشار في أرجاء الدولة، والتضامن، والتماسك، والجماعية، ووجود لغة ومصطلحات مشتركة، ورموز وأعلام وتفاهمات خاصة بهم، وتقنيات للتشجيع الجماعي الحماسي، لا يتقنها غيرهم، فضلا عن روابط الانتماء والولاء الوثيقة التي تربطهم بالنادي الذي ينتمون إليه، فضلا عن كونها مجموعات مسطحة بلا رئيس ولا بنية هرمية. إلا أن الدور السياسي للألتراس يرتبط بعدة محفزات، أهمها: نزعات التمرد التي تسيطر علي فكر الألتراس، ورفض السلطة بما فيها سلطة إدارة النادي الذي يقومون بتشجيعه نتيجة سيطرة الشباب علي تكوين هذه المجموعات ممن يغلب علي تفكيرهم الاستقلالية، ورفض القواعد التي يعتبرونها بمثابة قيود علي الإبداع في التشجيع، فضلا عن ميلهم الفطري للمغامرة والمخاطرة وتصعيد المواقف باعتبارها قيمًا تظهر التميز الفردي لاحتلال موقع مركزي داخل المجموعة، وهو ما يجعل انضمامهم للحركات الاحتجاجية أكثر احتمالية، علي غرار مشاركتهم في الاحتجاجات في دول الثورات العربية خاصة في مصر وتونس.

وهناك أيضا رفض السلطة الذي يتجلي لدي مجموعات الألتراس في توتر علاقتهم بالشرطة، ورفعهم شعارات عالمية الانتشار مناهضة للشرطة مثل "A.C.A.B" وهو اختصار لعبارة معناها "كل الشرطة أوغاد" تعبيرًا عن العداء المستحكم ضد الشرطة، وهو ما يتجلي في الاشتباكات المتكررة مع الشرطة التي تتولي تأمين المباريات، وترديد الألتراس أناشيد معادية لها خلال التشجيع، خاصة في ظل منع الشرطة لأدوات التشجيع التي يعتمد عليها الألتراس،

وقد اتسعت الهوة الفاصلة بين الألتراس والشرطة في مصر عقب أحداث استاد بورسعيد نتيجة لوم بعض الألتراس للشرطة بسبب عدم حماية المشجعين، وهو ما أدي إلي تصاعد العداء للشرطة، وسعي وزارة الداخلية إلي دفع اتحاد كرة القدم للاعتماد علي شركات الأمن الخاصة في تأمين المباريات.

وهناك من يقومون بتوظيف العنف حيث تقوم فكرة الألتراس علي الدفاع عن النادي الذي تشجعه الجماهير ضد المنافسين، واعتبار مجموعات الألتراس المنافسة كخصوم، وهو ما يتجلي في ثقافة الألتراس في بعض دول المغرب العربي خاصة، والاشتباكات التي عادة ما تتكرر بين مشجعي الأندية الرئيسية في المغرب والجزائر. والانتماء البديل فكرة تقوم عليها روابط الألتراس علي اعتبار النادي بمثابة دائرة الانتماء الأول قبل الانتماء الوطني بسبب حالة الاغتراب التي انتشرت لدي الشباب في بعض الدول العربية، واختلال العلاقة بين المجتمع والدولة، ومن ثمَّ يميل أعضاء الألتراس للتعظيم من ناديهم، واعتباره "وطنًا" و"دولة" تقترن به كل المقومات المعنوية للانتصار والمجد. وقد يؤدي ضعف روابط الانتماء للدولة إلي استقطاب بعض طوائف الألتراس من جانب الجماعات والتيارات الدينية.

سياسات الاحتواء: وأخفق الاعتماد علي الأدوات الأمنية وسياسات المنع والتقييد والملاحقة في التعامل مع الألتراس في مختلف الدول العربية باعتبارها تزيد من العداء بين مجموعات الألتراس وقوات الأمن، ومن ثمَّ، بدأت بعض الدول في تبني سياسات الاستيعاب تجاه الألتراس، والتي تستهدف منحهم فرصًا للتشجيع وإعادة دمجهم تدريجيًّا في المجتمع، ومصالحتهم مع الدولة، علي غرار تصريحات وزير الشباب والرياضة خالد عبدالعزيز، في 30 ديسمبر الماضي، حول إعجاب الرئيس عبدالفتاح السيسي بأنشطة الألتراس الإبداعية في المباريات، ومطالبته بالاستعانة بهم لتقديمها في افتتاح مشروع قناة السويس، وهو ما سبقه في سبتمبر 2014 إعلان الوزير عن سعيه للتعاون مع مجموعات الألتراس،

ومحاولة تنظيمهم في مؤسسات تستوعبهم، والاستجابة لشكاواهم. ويعتبرون أن وجود الألتراس بمثابة واقع لا يمكن إنكاره تختلط في إطاره الجوانب الإيجابية والسلبية. وفي ظل التسييس المتصاعد لمختلف الأنشطة المجتمعية؛ من غير المرجح أن تنحسر الأبعاد السياسية لدور الألتراس، خاصة في ضوء الخصائص الحاكمة لتفكيرهم وقدراتهم التنظيمية، وهو ما قد يستوجب تحقيق التوازن بين سياسات الاحتواء والاستيعاب، والتأمين، والضبط المجتمعي، وتوسيع مساحة المجال العام، وترشيد مستويات التدخل الأمني في الأنشطة الرياضية، وإتاحة فرص للألتراس للمشاركة في الأنشطة المختلفة عبر المؤسسات المعنية لتعزيز روابط الانتماء الوطني، وتحييد نزعات العنف والاغتراب والتمرد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق