حقيقة البث الفضائي في العالم العربي
طارق رمضان
12
125
قد يندهش قارئ هذه السطور عندما نكشف أن عدد القنوات الفضائية التي تبث في العالم العربي من أقماره تجاوزت الـ1294 قناة، وأن منها 170 قناة رياضية منها 129 قناة خاصة و41 قناة عامة، وأن هذه الأعداد في ازدياد مستمر.

اتحاد الإذاعات العربية، وهو الجهة الرسمية الأكثر مصداقية في رصد حال الإعلام العربي، ومن ثم القنوات الفضائية التي يهتم برصدها منذ سنوات في تقارير سنوية، قد لا تصل إلي الكثيرين كونها تقارير خاصة، كشف تفاصيل مهمة عن حال الفضائيات وعددها.

في تقريره الجديد كشف اتحاد الإذاعات العربية عن مدي سيطرة القنوات الرياضية في العالم العربي، بل ومدي انتشارها وتأثيرها حتي إنها جاءت في المرتبة الثانية من حيث العدد، بعد القنوات الربحية الإعلانية التي تبث علي الأقمار الصناعية العربية وغير العربية والتي يستقبلها المشاهد العربي. فقد وصل عدد القنوات التي تبث من العالم العربي إلي 1294 قناة منها 1229 قناة خاصة، بينما لا يتجاوز عدد القنوات العامة 165 قناة. ووصل عدد القنوات الرياضية إلي 170 قناة منها 41 قناة عامة، و129 قناة خاصة، وهو ما يؤكد ارتفاع عدد القنوات الرياضية في العالم العربي ما بين عامة وخاصة. وتعتبر عملية تصنيف الإنتاج التلفزيوني أمرًا صعبًا. ويبرز ذلك من خلال بعض التصنيفات التي ترد في عدد الأدبيات المهنية منها والبحثية الأكاديمية.

إذ يحدث أن تحمل نفس المضامين تسميات وتعريفات مختلفة ويتعين الإشارة في هذا المجال إلي أن التصنيف الذي اعتمدته منظمة اليونسكو في ما يخص البرامج التليفزيونية لا يتفق دومًا مع ذلك الذي اعتمده خبراء من اتحاد إذاعات الدول. هذه القنوات تبث من هيئات عربية تبث قنوات فضائية حوالي 758 هيئة منها 29 هيئة عمومية و729 هيئة في القطاع الخاص.. وتتولي هذه الهيئات بث أو إعادة بث 1294 قناة تتوزع كما يلي 165 قناة عمومية و1129 قناة خاصة، وتتولي 91 هيئة تليفزيونية عربية بين عامة وخاصة بث أكثر من قناة واحدة و667 هيئة تقوم ببث قناة واحدة، وتتعين الإشارة إلي أن المنطقة العربية تستقبل قنوات "أجنبية" ناطقة بالأساس باللغة العربية وموجهة إلي ساكني هذه المنطقة.

كما تجدر الإشارة إلي أن هذه القنوات وعددها إحدي عشرة تستخدم سواتل عربية منها بالأساس النايل سات والعربسات لبث برامجها. كما تكشف الأرقام أهمية القنوات الفضائيّة الربحية التي حازت علي نسبة ما يقارب 19 في المئة من مجموع القنوات. وتأتي القنوات الرياضية في المرتبة الثانية 170 قناة (وقنوات الدراما) الأفلام والمسلسلات في المرتبة الثالثة (152) قناة والقنوات الغنائية، بث الكليبات وبرامج المنوعات والسهرات الغنائية في المرتبة الرابعة (124) قناة.

وتظهر الأرقام تنامي القنوات الدينية وهي نوعان: قنوات برامج دعوية سنيّة وشيعيّة بالأساس وقنوات تبشيريّة مسيحية (مارونية وقبطية وبابوية وأرثوذكسية). وهو واقع يمكن فهمه من خلال الأهمية التي أصبحت عليها النزاعات التي تغذيها التيارات الدينية السياسية والتي برزت بجلاء أكثر بعد الثورات العربية. وتحتل القنوات الدينية المرتبة الخامسة من عموم القنوات الفضائية العربية. القنوات حسب لغة البث لا يمكن أن تستغرب من أن تأتي العربية في صدارة اللغات المعتمدة من قبل القنوات الفضائية العربية كلغة بث.

يبقي أن العربية المستخدمة في القنوات الفضائية العربية ليست دومًا تلك التي تدرس في المؤسسات التعليميّة، بل يقع عادة استخدام ما يسمي بالدارجة وهي لغة وإن تغلّبت عليها ألفاظ عربية، فهي تتكون كذلك من كلمات أجنبية أو من لهجات محلية مثل البربرية في بلدان المغرب العربي. وتتعين الإشارة إلي أن القنوات الإخبارية وكذلك الحصص الإخبارية بمختلف أجناسها النشرات والمواجيز والندوات والحوارات.. (تستخدم في الغالب اللغة العربية الفصحي)، ويذكر أن البث الفضائي العربي وكما هو معروف انطلق في السبعينات من القرن الماضي. وقد شكّلت هذه الفترة منعرجًا مهمًا عرفت خلالها بداية التطورات التكنولوجية للبث أكان الأمر يتعلق بالبث داخل مساحة الدولة العربية الواحدة أو خارج حدودها وقد تعددت منذ ذلك التاريخ التطورات التي عرفها هذا البث مهما يكن نوعه عبر السواتل. وكشف التقرير إشكالية البث الفضائي الرياضي حيث تناول أزمة الحقوق الرياضية خلال سنة 2014 إذ أن القناة المالكة حصريًا لمباريات كأس العالم لكرة القدم البرازيل 2014 مارست كعادتها احتكارها لهذا الحدث الرياضي المهم في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ببث فعالياته حصريًا ومشفّرًا.

ولم يتمكن التلفزيون العمومي الجزائري وهو تلفزيون البلد العربي الوحيد المشارك في نهائيات كأس العالم من الحصول علي حقوق بث بعض مباريات هذا الحدث الرياضي إلا بعد معاناة وفي بث أرضي فقط.. وهو ما يجعل من هذا الاحتكار استثناء إذ أن تلفزيونات أوروبية وأفريقية، يمكن استقبالها في المنطقة العربية، تمكّنت من الحصول علي حقوق بث مباريات كأس العالم لكرة القدم البرازيل وفي بث حيّ ومفتوح 2014 وقد تمكّن بالفعل جانب من الجمهور العربي من متابعة فعاليات كأس العالم لكرة القدم البرازيل 2014 علي شاشات تلفزيونات أفريقية وأوروبية وقد مارست الشركة المالكة للحقوق الحصرية لكأس العالم لكرة القدم في المنطقة العربية نفس الضغوط علي الفضائيات العربية لمنعها من بث المباريات المدرجة في هذه المنافسة الكروية حتي ولو تعلق الأمر ببث لقطات مهدّدة بإحالة القضية علي الدوائر الرياضية الإقليمية والعالمية وعلي المحاكم،

مثلما كان الأمر بالنسبة إلي بث التليفزيون الجزائري عند بثه مباراة بوركينافاسو والجزائر يوم 19 نوفمبر 2013 دون حصوله علي حقوق بث هذه المقابلة الفاصلة، ولكن بعد مماطلة الطرف المالك لحقوق البث والذي رفض إجراء أي اتفاق حول هذا الموضوع. وقد شكّل في هذا السياق تهديد الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم معاقبة الفرق المشاركة في كأس أفريقيا لكرة القدم التي يتولي تليفزيون بلادها بث مباريات رياضة دون حصول مسبق علي الحقوق التليفزيونية خطوة جديدة وخطيرة في اتجاه الإبقاء علي الوضع القائم حاليًا. ويعتبر هذا الاحتكار خرقًا سافرًا لحق المشاهد العربي في الإعلام.

كما أن هذه الحقوق الرياضية لا يتم تداولها في إطار شفاف وهو ما يتطلب متابعة حيثيات إسناد هذه الحقوق والمطالبة بإعادة النظر في المنظومة بأكملها خصوصًا أن المنطقة العربية تشكل كما سلف الذكر استثناء.. ويتوجب في هذا الصدد التذكير دومًا بالواقع الأوروبي الذي يمنع منذ نهاية التسعينات من بث الأحداث الرياضية الكبري ككأس العالم لكرة القدم حصريًا وفي بث مشفر خدمة لحق الجمهور الأوروبي في الإعلام وخدمة لكرة القدم التي تعتبر الرياضة الأم عالميًا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق