عزت السعدني يفتح حقيبة ذكرياته الكروية (1): الصحافة حرمتني من الأهلي
عماد محجوب
12
125
أخذته الكرة وألقت به في أحضان الأهلي وبقي بين جدرانه مؤثرًا في أحداثه حتي بعد أن خطفته صاحبة الجلالة ليكون واحدًا من أهم وأبرز فرسانها.

.. نجم الكرة المعتزل مبكرًا.. عزت السعدني هو عاشق الصحافة ورائد التحقيقات وحامل أختام الأسرار وما جري في كواليس العلاقة بين الكرة ونجومها والصحف وكُتابها وفي القلب منهم مؤسسة "الأهرام" ولعب للأهلي مع صالح سليم ورفعت الفناجيلي وعادل هيكل.. وقدم أعظم الخبطات الصحفية تحت قيادة الأستاذ محمد حسنين هيكل. .. ولد عزت السعدني بالقناطر الخيرية في نهاية الثلاثينيات وحصل علي الثانوية العامة (التوجيهية) عام 1955، وفي المدرسة الأميرية الابتدائية بشبين الكوم انخرط في الرياضة.

<< وهنا سألناه ماذا عن كرة القدم؟ ــ كان هناك فريق الأسد المرعب.. وأخذ فريقي اسم البطة المزغطة لأن حارس مرمانا شديد البدانة حتي إنه كان يسد المرمي بجسمه وبه حصلنا علي الكأس وحضر مدير المديرية (المحافظ) لتسليم الكأس.. وزاد تعلقي بالكرة في مدرسة القناطر الخيرية حتي حصلت علي التوجيهية (الثانوية العامة) وذاع صيتي كهداف خطير واختاروني للعب في الأهلي مع فريق تحت 17 سنة وتألقت مع صالح سليم والفناجيلي وعادل هيكل وعبدالجليل وحققنا انتصارات ونتائج مبشرة.

.. وفي العام الأول بالجامعة عام 1959 بقسم الصحافة خيرني والدي بين الصحافة والكرة، فانتقلت إلي فريق الشمس بالأهلي مع زميلي في الجامعة إسماعيل السيسي بطل مصر في تنس الطاولة، واصطحبني زملائي إلي مسابقات العدو لأفوز بالبطولة علي مستوي جامعات مصر في 100 متر برقم قياسي وقتها 6،11 ثانية وبه سافرت إلي الإدارة الدولية لشباب الجامعات في موسكو وفيها زرنا الكونسر فتوار ودخلنا قاعة أعلام الغناء والطرب التي ضمت تماثيل وصور أم كلثوم وعبدالوهاب.. فاتجهت للبحث عن الأسرار والمعلومات وأدركت أن الصحافة هي قدري وعشقي..

<< ومتي ظهرت فكرة تنظيم فريق كروي للأهرام؟

ــ تخرجت في كلية الآداب قسم صحافة عام 1959 وكنت بين الخمسة الأوائل الذين التحقوا بالأهرام مع ليليان مرقص، جيهان رشتي، سمير بركات، عبدالمنعم سليم وتم توزيعنا للتدريب والتعليم بين الأرشيف والمطابع، وأطلت فكرة تنظيم فريق لكرة القدم وفيه صلاح منتصر وإسماعيل البقري (رحمه الله) والفنان والصحفي سعيد عبدالغني، وباعتباري هداف الفريق تركوا لي شارة القيادة (الكابتن).. وكان صلاح منتصر بارعا في الترقيص والمراوغة بإتقان لعبة "السبعة" وكاد يأكل مني الجو فطالبت زملائي بألا يعطوه الكرة حتي أدرك المؤامرة عليه وعاد الاتزان للفريق فحصل الأهرام علي كأس المؤسسات الصحفية بعد الفوز علي الأخبار في النهائي علي ملعب الترسانة..

<< المرأة كان لها دور أساسي في اعتزالك الكرة ضمن فريق الأهرام.. أليس كذلك؟

ــ هذا صحيح.. فقد كانت لي خطيبة تحضر المباريات.. وساءها وأغضبها أن تراني بين زملاء من مهن أخري وبينهم موظفين أو عمال وسعاة وينادوني باسمي مجردا من لقب أستاذ.. وهي نظرة طبقية لا علاقة لها بالرياضة ولكنها أوقفت نشاطي الكروي وجعلتني أكثر تركيزًا في الصحافة وأدت في النهاية إلي فسخ الخطبة.. إلا أن زوجة الأستاذ نجيب المستكاوي قدمت لي في إحدي المناسبات ابنة اختها فكانت نعمة الحياة الدنيا ورفيقة الدرب.

<< وكيف كانت علاقتك بالصحافة الرياضية؟

ــ عملت في سكرتارية تحرير مجلة الأهرام الاقتصادي مع د.بطرس غالي.. وطلب مني المستكاوي ترجمة بعض المطبوعات والدوريات العالمية المتعلقة بالرياضة وكرة القدم حول العالم فانضممت للعمل معه إلي جانب مهامي الأخري في الأهرام مع زملائي إسماعيل البقري وكامل المنياوي وانضم إلينا عبدالوهاب مطاوع ويحيي الثكلي وسافر الأستاذ "نجيب" لتغطية دورة الألعاب الأوليمبية عام 1964 فأصبحت مسئولاً عن القسم الرياضي، وقمت بوصف المباريات وكتابتها بطريقة المستكاوي لأنني دخلت إلي عقله وأعطيت الدرجات للاعبين بنفس أسلوبه دون أن يقوي أي شخص علي التفرقة بيني وبينه ومن خلاله تعرفت علي الكابتن محمد لطيف وهو أحد أندر الشخصيات الرياضية وأعزها وأكثرها خفة ظل، وجددت صداقاتي القديمة مع نجوم الأهلي الكبار صالح سليم والفناجيلي والضظوي.. ومازالت ترن في أذني كلمة صالح سليم والتي صنع بها مجد الأهلي عقودًا طويلة ماضية ومازالت باقية ضمن مبادئ النادي.. بعد أن عاش هو نفسه عليها حين قال: الإنسان الذي لا يحترم كلمته ليس برجل علي الإطلاق.. وإذا ما اتخذ قرار أو موقف لا يتخلي عنه مهما كان الثمن وتلك هي "كاريزما" صالح رحمه الله. وتحضرني أيضًا عبارة رفعت الفناجيلي.. الفوز رزق من عند الله لأن الهدف داخل المرمي يترتب عليه عطايا ومكاسب فضلا عن السعادة التي تغمر الجماهير والمحبين.. وقد رأيته في الملعب وأدركت ومعي كل متابعي اللعبة أنه كان ومازال أعظم ساعد دفاع أيمن في تاريخ مصر وهو ذات اللقب الذي فاز به بإجماع الخبراء علي مستوي العالم في دورة طوكيو الأوليمبية.

<< وماذا عن الضظوي في ذكرياتك؟

ــ أحد النماذج الرائعة في الموهبة والدهاء.. وكانت لدي معه ذكريات في الفكاهة وخفة الظل، وفي الملعب كالنحلة ينتظر ويترقب في أحد أركان أو جنبات الملعب وإذا جاءته ثلاث فرص يسجل اثنين منهم وله قصة طريفة مع عبده نصحي في مباراة بين القطبين (الأهلي والزمالك) والأخير يحتاج إلي الفوز بالكأس ومدربه يصرخ في عبده نصحي: لا تترك الضظوي يغيب عن عينك ولا شأن لك بالمباراة.. فاقترب منه الثعلب وأقنعه أن يتحرك للأمام لعله يستقبل الكرة حول منطقة الجزاء ويرسلها بتسديدة قوية إلي داخل الشباك لينتهي "الماتش".. فتحرك وتركه للحظات فسجل الضظوي وطار نصحي خلفه ليضربه ويفتك به وسط دهشة وتعجب الحضور والجماهير.. وقائد الزمالك يصرخ ضيعت مني الكأس ولن أتركك!

<< كيف كانت المنافسة بين الصفحات الرياضية في المؤسسات الثلاث الكبري في الستينيات والسبعينيات كما عايشتها؟

ــ كانت هناك سيطرة واضحة للأستاذ المستكاوي كمدرسة في الأمانة ودقة المعلومات ورفض منهج الإثارة والتهويل.. وبرع إسماعيل البقري وعباس لبيب الذي توفي أثر عملية جراحية في القلب أجراها في اسكتلندا، وبعد ذلك ظهر مرسي عطاالله وقدمه لي المستكاوي وبعد فترة انتقل للكتابة في السياسة.

ومع الأخبار كانت المنافسة الحقيقية.. لأن إبراهيم علام (جهينة) جسد إبداع الرياضة في الكتابة الصحفية، وبعده عبدالمجيد نعمان بعد انتقاله من الجمهورية.. وأحمد مكاوي كابتن الأهلي السابق.. وفي دار التحرير بقف ناصف سليم أستاذا رائعًا وأحد أهم القمم في الصحافة الرياضية ولكن كان لهؤلاء الإسهام الأكبر في تشكيل وجدان الجماهير وتهذيبها وتدريبها علي احترام المنافس وقبول الآخر وغرس قيم الروح الرياضية وهذا هو الفارق بين الكلمة اليوم وما كانت عليه بالأمس.

<< وضعت قدميك في حذاء حسن الشاذلي علي ملعب الترسانة ففتح الله عليك ثم انهالت عليك العروض؟

ــ ذهبنا إلي هناك لأداء مباراة ودية، وكانت المدرجات عن آخرها ترقب لمباراة تالية.. واكتشفت أنني نسيت حذائي فهمست إلي عامل غرفة الملابس.. فأحضر إلي حذاء الراحل حسن الشاذلي وهو يرجوني أن أحافظ عليه.. ووجدته في قدمي وكأنه سحر.. كلما سددت الكرة نحو المرمي ذهبت بمنتهي القوة وكأنها مسكونة وسجلت أربعة أهداف وسط صراخ المدرجات، وبعدها دعاني أكثر من شخص للتوقيع والانضمام لأكثر من ناد ولكنني كنت قد اتخذت قراري بالبقاء هاويًا للكرة محترفًا للصحافة هائمًا في محرابها لأنني أدركت مقولة صالح سليم، وقد كان البعض يعيب عليه أنه لم يقدم أعمالاً سينمائية بما يناسب حجم موهبته الفنية.. في حين كان هو نفسه يري أن السينما عطلته كثيرًا عن الاستمرار والتألق في الملاعب وتقديم جهد أكبر وخاصة مع المنتخبات في البطولات الدولية والعالمية رغم كثرة ما حققه علي المستوي المحلي.

<< حدثنا عن التحقيق الصحفي الذي اكتشفت من خلاله أخطر عملية لخطف لاعب كرة؟

ـ كلفوني بعمل تحقيق عن زراعة القصب وصناعة السكر في الصعيد.. ورتبت للأمر مع بعض الأصدقاء فأخذوني إلي مزرعة عبود باشا بالصعيد.. فرأيت رفعت الفناجيلي هناك وهو نفسه لا يدري لماذا أحضروه بمفرده في هذا المكان الذي لا يعرفه.. وأدركت أن الأهلي خبأه هناك بعيدًا عن عيون الزملكاوية في موسم الانتقالات وحتي ينتهي القيد ولم أشأ أن أطرح عليه الأمر وأمضيت معه ثلاثة أيام في نزهة رائعة ومعنا شخص خفيف الظل هو المكلف بالمهمة ورأي أن وجودي ساعده دون أن أدري أو يدري المخطوف (الفناجيلي) وبعد أن عرف غضب غضبًا شديدًا واتهمني بالمشاركة في المؤامرة وأكد أنه لم يكن يستطيع أن يترك الأهلي وعاد إلي بلده دمياط حزينًا.. واحتاج النادي إلي وقت وجهد لاسترضاء اللاعب الذي يعتبر الأهلي كل حياته ولا يستطيع أن يتركه للعب في أي نادٍ آخر وبقي كلما رآني يذكرني بالواقعة ولديه إصرار علي أنني جزء من الخطة.. ويعلم الله أنني لم أكن أعرف بها ولكن الحس الصحفي أوحي إلي بها.

<< لديك الكثير من الأسرار عن محمد لطيف حدثنا عنها؟

ــ عايشت الراحل العظيم في أحداث وذكريات لا تنسي وأتوقف عند حكايته مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بعد سنوات من نكسة 1967 عندما التقاه مصادفة وجري إليه وسأله: سيادة الرئيس هل صدر منكم قرار بإيقاف النشاط الرياضي والدوري العام؟ فأجاب ناصر: لا.. فقال له توقف الرياضة خطر ستعاني منه مصر سنوات طويلة.. فأمر الرئيس بالتحقيق وإعادة النشاط ومسابقات الكرة لأن المشير عامر هو الذي اتخذ القرار وتبرأ منه ناصر..

وأضاف السعدني: خفة ظل الكابتن لطيف لم تتوقف عند حد.. فقد اهتز مستوي عصام بهيج بعد أن مثل أحد الأفلام وكثرت الشائعات حوله (رحمه الله) وغاب لفترة عن المنتخب والتدريبات فقرر المدرب اليوغسلافي "تادتش" وقتها استبعاده نهائيًا ومنعه من السفر مع البعثة ونشر الخبر في الصحف، فذهب اللاعب إلي الكابتن لطيف يسأله ماذا يفعل.. ففوجئت به يأمره بأن يأخذ بطانية ومخدة ويذهب بهما إلي باب غرفة المدرب في الفندق ويبات أمامه أو يبدو وكأنه نام الليل أمامه عندما يفتح الباب في الصباح ويعتذر له بكل السبل.. وانطلت الحيلة اللطيفة علي المدرب "تادتش" وسامح "بهيج" وسمح له بالمشاركة في المباريات والتدريبات ليواصل التألق مع المنتخب وناديه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق