سر اختفاء الدراما الدينية
طارق رمضان
12
125
علي الرغم من طبيعة شهر رمضان الروحانية، واعتباره شهر العبادة والتقرب إلي الله، فإن الواقع يؤكد أن الفضائيات لا تعترف بهذا القانون السماوي، مع اهتمامها بكل شيء باستثناء الدراما والبرامج الدينية.

خرائط أغلب القنوات، تخلو تمامًا من الجرعة الدينية، سواء كانت مسلسلات أو برامج، تعودت شريحة كبيرة من الجمهور علي انتظارها خلال الشهر الكريم، وهذا التراجع غير مفاجئ لمتابعي الشاشات التليفزيونية في رمضان، لأنه تراجع تدريجي استمر علي مدار السنوات الخمس الماضية، لينتهي إلي غياب البرامج الدينية بشكل شبه كامل، مقابل تصدير برامج المقالب والمنوعات. لكن التليفزيون المصري هو الجهة الوحيدة التي تعتمد علي البرامج الدينية ويراهن مجدي لاشين رئيس التليفزيون المصري بقوة علي هذه البرامج، لتكون قوة جذب للمشاهد خاصة برنامج "ملتقي الفكر الإسلامي" علي القناة الأولي،

ويعرض الساعة الخامسة مساءً يوميًا، ويبث من مركز شباب الجزيرة، بحضور نخبة من علماء الدين الإسلامي، وعدد من المثقفين، وجمهور مكون من 200 شاب وفتاة، للإجابة عن جميع أسئلتهم الدينية والثقافية، وهو برنامج قدم من قبل علي شاشة التليفزيون المصري، ويعاد إنتاجه مرة أخري بمناسبة الشهر الكريم، ولكن بشكل جديد وبمكان مختلف عن الحلقات السابقة. كما يعيد التليفزيون تقديم حلقات "خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي"،

الذي يعرض يوميًا علي نفس القناة، قبل مدفع الإفطار بنصف ساعة، وهي الخواطر التي تعرض أيضًا علي معظم القنوات المصرية خاصة أم بي سي مصر. ولأول مرة في تاريخها تقدم إذاعة القرآن الكريم، مسلسلاً دراميًا لمستمعيها، من خلال مسلسل "خليل الله"، الذي يتناول قصص الأولين، وتعاليم الدين والمعاني الصحيحة للإسلام، والمسلسل تأليف محمد السيد، ويشارك في بطولته أشرف عبدالغفور، وسميرة عبدالعزيز، وأحمد راتب، وسامي العدل، وفي نفس الإطار تقدم إذاعة القرآن الكريم مسلسل "رسائل الرسول لأهل هذا الزمان"، بطولة أحمد ماهر، ومحمود عامر،

تأليف سعيد أبو الحسن، وإخراج عبير يحيي. وتتبني قناة CBC برنامج "إنسان جديد"، للداعية مصطفي حسني، الذي يقدم من خلاله طرق تغيير الإنسان لنفسه، وكيفية تمكنه من التأثير في كل ما يحيط به في مجتمعه، ويمزج مصطفي في برنامجه بين الخطاب الديني المعتدل ومبادئ التنمية البشرية، التي اعتمد عليها مؤخرًا في برامجه، حيث يقوم برصد الأفكار السلبية والعادات السيئة، واستبدالها بمفاهيم إيجابية راقية، وعادات تساعده علي مواجهة تحديات الحياة بصورة سوية، مسخرًا طاقاته وإمكاناته الربانية ليحيا حياة مستقرة بنفس مطمئنة، كما تستمر قنوات CBC في عرض البرنامج الديني "والله أعلم"،

الذي يقدمه الشيخ علي جمعة يوميًا قبل الإفطار. وعلي إذاعة راديو مصر، يقوم الشيخ علي جمعة، والداعية معز مسعود، بتقديم برنامجين من خلال الشبكة، إضافة إلي برنامج بعنوان "قول معروف"، ويقدمه في كل حلقة شخصية دينية مختلفة، وبرنامج بعنوان "فيهم نزل الوحي" الذي يتناول أسماء أشخاص وردت قصصهم في القرآن الكريم، ولا نعرف عنهم معلومات كثيرة. وعلي إذاعة 9090 البرنامج الديني "حلي ودنك"، تقديم عبدالفتاح مصطفي، ويتضمن بث عدد كبير من الأدعية والأناشيد الدينية القديمة والحديثة، إضافة إلي برنامج "الدعاء المستجاب"، الذي يقدمه الشيخ علي جمعة، علي إذاعة 9090 يوميًا بعد مدفع الإفطار. ويستكمل الفنان يحيي الفخراني، سلسلة "قصص القرآن"، التي قدمها في الأعوام الأخيرة، ويقدم هذا العام الجزء الخامس "قصص الآيات في القرآن"،

ويتناول "الفخراني" من خلاله، قصص بعض آيات القرآن الكريم، وأسباب نزولها، والحلقات كتبها محمد بهجت، إخراج مصطفي الفرماوي، ويشارك بالأداء الصوتي ماجد الكدواني، وريهام عبد الغفور، برنامج "خواطر شاب"، الذي يقدمه أحمد الشقيري، وهو الجزء الـ11 ويتضمن مناقشة موضوعات وقضايا تهم الشباب العربي، من بينها محبة النبي الكريم، وكيفية الدفاع عنه ضد الحملات الغربية، التي تستهدف النيل من شخصه، والاستفادة من الوقت واستثماره، والأسباب الحقيقية لتخلي الشباب عن القراءة، وآداب الطريق من منظور إسلامي، وأهمية الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية.

وعلي قناة "اقرأ"، يقدم الشيخ خالد الجندي، برنامج "دواء السماء"، التي تعرض أيضًا برنامج الداعية عمرو خالد، "الإيمان والعصر"، الذي يناقش من خلاله نظرة الناس للدين، والإيمان بين العنف والتطرف، والشك والإلحاد، ويعرض البرنامج علي إحدي القنوات العربية بالإضافة إلي برنامج "اللهمّ تَقَبَّل"، للدكتورة عبلة الكحلاوي، وبرنامج "من القلب للقلب" لإيمان رياض، وفي ضيافتها د.سالم عبدالجليل. وتستمر قناة "المحور" في تقديم البرنامج الديني "المسلمون يتساءلون"، تقديم محمد سعيد، إضافة إلي برنامج "الدين والحياة"، الذي تستمر دعاء فاروق في تقديمه علي شاشة قناة الحياة.

وحول انخفاض عدد البرامج الدينية في رمضان، قال الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر: "غياب البرامج الدينية عن الشاشات، للأسف لم يعد مقتصرًا علي شهر رمضان لهذا العام، بل إن الأعوام السابقة شهدت أيضًا انخفاضًا كبيرًا في عدد البرامج والأعمال الدينية، لمصلحة المسلسلات والبرامج الكوميدية، التي تحفل بها القنوات الفضائية". وأضاف البرامج الدينية لم تعد منتجًا جاذبًا للشركات الإعلانية، التي تركز فقط علي المسلسلات، والبرامج التي يقدمها النجوم لجذب المشاهدين،

وسط تجاهل أو غفلة من الجميع، بأن شهر رمضان هو شهر التعبد لله تعالي، والتقرب منه، والصيام وقراءة القرآن الكريم، وهذه تعتبر مكاسب معنوية لا تحقق إيرادات إعلانية للقنوات والمنتجين، رغم أن عددًا كبيرًا من المشاهدين ينتظرون البرامج والأعمال الدينية، لما تحتويه من معلومات وتفسيرات دينية تهم الجميع، وإذا اهتمت القنوات بعمل بحوث لنسب المشاهدة للبرامج والمسلسلات الدينية، ستفاجئ بعدد متابعيها لا في شهر رمضان فقط، بل علي مدار العام، إلا أن اهتمامهم ينصب فقط علي برامج المقالب ومسلسلات النجوم". ويقول أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة د.سامي الشريف: "جرعة الأعمال الدينية تتراجع كل عام عن العام الذي يسبقه، سواء في إنتاج الأعمال الدرامية الدينية والتاريخية، أو حتي البرامج، وفي المقابل زادت جرعة البرامج الكوميدية والمقالب والمسلسلات،

التي تحمل مضمونًا أقل ما يقال عنه إنه "تافه". وأضاف حجم المسلسلات المصرية هذا العام يصل إلي 55 مسلسلاً، تركز فقط علي العنف، والدم، والتحرش، والخيانة الزوجية، والمخدرات، وكلها أعمال سلبية، تؤثر بشكل واضح وصريح علي المجتمع المصري، لأنها تحمل قيمًا سلبية كثيرة، وهذا نتيجة تراجع وتنازل الدولة عن مكانتها في الإنتاج الدرامي والتاريخي الجاد، وتركت الدولة الساحة لرجال الأعمال والقطاع الخاص، الذين يسعون فقط إلي تحقيق الأرباح السريعة من خلال جذب شركات الإعلانات، وهذا ترتب عليه تفوق الإنتاج الدرامي التركي، في الأعمال الدينية والتاريخية،

وإصلاح هذه المنظومة لن يتأتي إلا بتدخل الدولة، لإعادة الإنتاج الجاد إلي مكانته، وهذا يحقق أرباحًا أكثر بكثير، لأن المشاهدين الآن يبحثون عن الإنتاج الجاد، لهذا يلجئون للدراما التركية".

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق