قناة السويس الجديدة حكاية حُلم
عماد محجوب
12
125
التاريخ حلقات متصلة.. وأحيانًا منفصلة.. وربما يعيد نفسه بصياغات وأسماء مختلفة.. وفى حقبة قوامها ثلاثة قرون تعرض الحُلم المصرى لكثير من الانتكاسات وأحيانًا الانكسارات.. ولكنه لم يتراجع يومًا عن الهدف الذى بقى حيًا فى عيون وقلوب الشعب الصابر والمثابر.

.. تتابع الدوائر السياسية فى العالم بكثير من الدهشة ذلك الارتباط الوثيق بين القائد عبدالفتاح السيسى وشعبه.. فلم يستطع أحد أن يمر بينهما، عندما طالبوه بالوقوف معهم والاستجابة لثورتهم فى 30 يونيو ضد الجماعة الآثمة، وعندما طالبهم بالخروج لتفويضه.. ثم صاغوا أحلامهم للمستقبل وأن تعود مصر إلى مكانها ومكانتها فى ريادة العالم وتحقيق التقدم والرخاء لشعبها وأمتها العربية والإسلامىة وإلى جوارها الأفريقى والآسيوى كعهدها على مدى التاريخ

.. خبرات المصريين حملت ذكريات المشروع الحضارى الذى أطلقه محمد على باشا (الألبانى) الذى اختاروه بإرادتهم وحملوه إلى مقعد الحكم بعد أن ثاروا على "خورشيد" باشا وعزلوه، وأقام مشروعات هائلة وعملاقة وواجه التحديات والمؤامرات.. ثم كانت نهايته فى "نوارين" بعد أن عزل نفسه عن شعبه.. ثم خلفه من أسرته أمير وخديو الأول سقط فى قبضة الفرنسى ديليسبس ونصبه على رأس الشركة العالمية لقناة السويس،

وسخر لشقها مليونًا ونصف المليون من خمسة ملايين نصفهم نساء كأنه لم يترك فى المنازل سوى الصغار والعجائز.. ومات منهم تحت لهيب الحر ونقص المياه والغذاء أكثر من 125 ألفًا جرت دماؤهم فى القناة قبل المياه.. ثم جاء خديو وحوله ذات الفساد الذى خبرناه فى عقود عاصرناها ليبيع أسهم مصر للإنجليز ثم يفتح لهم أبوابها لوأد ثورة عرابى بحثًا عن الحرية والحياة الكريمة.. وتواصلت المقاومة حتى قطعت شوطًا جديدًا نحو الهدف فى يوليو 1952.. وواجهنا العدوان الثلاثى حول ضفتى القناة وسقط أيضًا شهداء، وقدم المصريون تضحيات جديدة والتفوا حول قائدهم.. وانتهينا إلى أخطاء سواء فى تقدير الموقف أو فى ترتيب الأوراق،

فكانت نكسة يونيو 1967 لإيقاف خطط التنمية التى قفزت إلى أعلى المعدلات العالمية، وبناء كل يوم مصنع ومدرسة واستصلاح أراض وزراعتها وتشييد السد العالى والتفكير فى منخفض القطارة، وإنشاء السوق العربية المشتركة وربما الوحدة الشاملة التى هددت الأعداء ومصالحهم.. رحل عبدالناصر ولم يسقط الحُلم.. ولم يغب رغم الابتعاد عنه خطوات.. ولم ينس المصريون هدفهم وطريقهم الذى اختاروه حتى وهم يسيرون فى عكس الاتجاه أو يدورون فى حلقات الفساد

.. ثاروا على كل هذا بعد صبر طويل وأدهشوا الدنيا وهم يغيرون دفة التاريخ السياسي.. وحتى بعد أن اختلت الموازين وقواعد اللعبة لم يسمحوا للجماعة أن تبتلع الدولة العريقة وتبدل حلمها فى وطن عزيز كريم يقود منطقته إلى الخير ولا يكون أداة فى يد الأعداء ومشروعاتهم الاستعمارية لإعادة تقسيم المنطقة فى سايكس بيكو2 بعد أن انقضت المرحلة الأولى منها فى القرن المنصرم.. رفض المصريون المخطط الأمريكى الصهيونى للسيطرة على العالم من خلال توظيف التيارات المنسوبة كذبًا لشعارات الإسلام (وهو منها براء) كما رفضوا بيع أجزاء من سيناء لتكون بديلا عن حق أهلنا فى فلسطين بوطنهم السليب والمزروع بالمستعمرات..

.. وكان ما كان من الإدارة الأمريكية والسفيرة "آن باترسون" والتى رفضها المصريون ولم ينصت لها قائدهم، وعندما اقتربت قطعهم البحرية من شواطئ القناة دون إذن تصدت لها لنشات وطائرات عتيقة (خرجت من الخدمة فى بلادها) روسية وصينية ليفهم الجميع أننا رجال يحبون الشهادة فى سبيل الله والوطن كما يعشق أعداؤهم الحياة.. وأننا ماضون نحو حلمنا مهما كان الثمن ومهما بلغت الصعاب

.. أدرك المصريون كل هذا وعندما بشرونا بمنع المعونة والمساعدات وقطع غيار السلاح أدركنا أننا على الطريق الصحيح فعكف الخبراء على وضع الخطط والمشروعات واستدعاء الدراسات ومجلداتها لرسم خريطة المستقبل وصولا نحو الحُلم.. وفى زمن قياسى أيضًا توصل رجال القوات المسلحة إلى تصنيع القطع المحظورة بكفاءة أشد وتكلفة أقل من 1% من قيمتها لدى المصنع والمورد فلم يعجز سلاحنا عن مواجهة الإرهاب فى سيناء.. وخرج نسور مصر الأبطال للثأر للشهداء الذين سالت دماؤهم بسكين أمريكي في يد دواعش قرب خليج سرت فى ليبيا.. مصر لن تكون أبدًا خانعة ولن تترك ثأرها.. لأن الكرامة والكبرياء هما أساس الحُلم الذي يجمع القائد والشعب..

ازدواج طريق الملاحة فى قناة السويس ليس فقط لزيادة الموارد المالية، لأن الأكبر منها والأهم والأعظم هو ممر التنمية الشاملة.. مجرى القناة يضاعف العائد من خمسة مليارات دولار ونصف سنويًا إلى قرابة العشرة فى الأعوام الأولى ولكن باقى المشروعات وممر التنمية يذهب بمصر إلى عائد 100 مليار سنويًا فضلا عن منع المخطط الإسرائيلى الذى أعلن عنه الصهاينة فى العام قبل الماضى (وما أدراك ما العام قبل الماضي) وهو أنهم يشيدون خط سكك حديدية فائق السرعة لنقل البضائع بين البحرين الأحمر والمتوسط مع توفير الموانئ والخدمات الهائلة لتكون بديلا عن قناة السويس.. فكان لابد أن ينتهى العمل فى القناة وسائر مشروعاتها فى زمن قياسى يتواصل فيها الليل بالنهار، وأن نضم إليه مصالح الأمم والشعوب وأن يدرك الجميع أنه مع مصر وحلمها يحقق مكاسب لا مثيل لها وأن التجارة العالمية عبر القناة حققت لكل الشركاء عائدات بالمليارات وأن ممر التنمية يعود عليهم جميعًا بالخير الوفير فضلا عن ترسانات صيانة وصناعة السفن والحاويات والمخازن العملاقة يمكن أن تقدم لها خدمات أعظم مما هو متاح لها فى موانئ العالم..

.. مصر آمنة وتستطيع أيضًا فى زمن محدود أن تصل إلى هدفها القديم والمتجدد وأن تكون شريكًا أساسيًا فى رسم مستقبل العالم الجديد.. طيارونا الأبطال عادوا "بالرافال" من فرنسا بعد أن تفوقوا على أقرانهم من كل أنحاء العالم فقد استوعبوا خبرات طائرات الجيل الرابع فى أقل عدد من الطلعات مع الخبراء الفرنسيين وأثبتوا كفاءة ومقدرة لم يسبقهم إليها أحد لأنهم جزء من حلم الحرية والكرامة واستقلال القرار الوطنى وبناء المجد وغرس الأرض لإنبات الرخاء وإخراج الخيرات لأهلنا الصابرين وسائر الأمم والشعوب بعيدًا عن القتلة وسافكى الدماء وأهل الإثم والعدوان وأصحاب التفجيرات والمؤامرات مع من يزودونهم بـ"السى.فور"

.. فما هى إلا فقاعات فى الهواء يؤلمنا فيها دماء الشهداء والضحايا الأبرياء وكل جريرتهم أنهم يبحثون عن حقهم البسيط فى وطن يوفر لهم العيش والحرية والكرامة ولهذا ترتفع حرارة التواصل بينهم وبين الرئىس ويرون فى خلفية صورته وطنية جمال عبدالناصر وتنمية محمد على وثورة عرابي.. ويتطلعون معه لاستكمال الخطى وتسارعها نحو الحُلم. وتحيا مصر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق