نور الشريف.. "شحاتة أبو كف".. وداعًا
12
125
برحيل نور الشريف تكون قد انطوت إحدي أهم صفحات النجوم الكبار في الفن المصري.. بل الصفحة التي سُطرت بأجمل وأهم الأعمال علي كل المستويات سينما وتليفزيون ومسرح وعطاء إنساني وسياسي بفكره وآرائه..

نور الشريف ليس مجرد اسم في قائمة أهم نجوم الفن، بل تجربة خاصة وحالة إنسانية قلما تمر علي شريط الفن الممتد منذ تاريخه في مصر والعالم العربي. وهو لم ينسحب من بيننا فجأة بل كان قد أعطي للجميع ولمن أحبوه صورًا محزنة عن النهاية.. فمنذ أن صعد علي خشبة المسرح في مدينة الإسكندرية ليكرم في مهرجانها السينمائي، والكل مصاب بحالة حزن..

قد تكون مؤجلة حتي شاء القدر أن نعيشها وهو يرحل عنا، بعد أن عاش ثلاث سنوات في ألم ومعاناة من انسداد في شرايين الساق ومياه علي الرئة والتهاب في الأغشية. ما قيل عنه في مشهد النهاية يؤكد أنه لم يترك إساءة إلي أحد، عاش فنانًا مثقفًا متفردًا بين أبناء جيله بما قدمه من فنون، ستظل تدرس للأجيال القادمة.

ستظل أعماله علامات بارزة في صفحات السينما المصرية، أعطي للسياسة حقها فقدم لها أعمالاً كشفت أنظمة سياسية كالكرنك وأهل القمة وناجي العلي وسواق الأوتوبيس وغيرها.. وأعطي رمزًا للرومانسية، إذ سيظل فيلم "حبيبي دائمًا" هو أحد أهم الأفلام الرومانسية علي الإطلاق، وفي الخيال العلمي قدم الكثير، والأعمال الوطنية أيضًا إذ يكفيه "كتيبة الإعدام" الذي أعطي صورة مهمة للانتماء وقساوة الخيانة. أما في الرياضة فقدم إلي جانب كونه كان لاعبًا في نادي الزمالك..

فيلم "غريب في بيتي" الذي أعطي صورًا لكيفية حفاظ اللاعب علي نفسه وعلي موهبته. لم يخفِ انتماءه لنادي الزمالك الذي علم من بناته أنه حصل علي الدوري في أيامه الأخيرة. ولم يكن فيلم "غريب في بيتي" الذي قدم فيه شخصية شحاتة أبوكف كلاعب في فريق الزمالك وليد المصادفة، لأن الفنان كان لاعبًا بالقلعة البيضاء..

ونعاه نادي الزمالك علي صفحته الرسمية.. وأصدر مجلس إدارة النادي بيانًا رسميًا ينعاه فيه.. حيث كان نور الشريف قد لعب للنادي تحت سن 20 عامًا ورافق حمادة إمام والجوهري الصغير ومحمد توفيق.. وعندما شاهده المخرج سعد أردش في أحد اللقاءات قال إنه يصلح ممثلاً للمسرح. كان يحرص علي الحضور للزمالك واجتمع أكثر من مرة بالراحل محمد حسن حلمي لخدمة القلعة البيضاء، وكثيرون لا يعرفون أن فيلم "غريب في بيتي" الذي شاركته بطولته سعاد حسني عام 1982، كان في البداية مرشحًا للقيام ببطولته لاعب الأهلي السابق محمود الخطيب، حتي يضمن للفيلم نجاحًا جماهيريًا،

إلا أن سمير سيف كانت له وجهة نظر أخري، واتفق معه فيها مؤلف الفيلم وحيد حامد بأن من يصلح للدور هو الشاب نور الشريف، الذي كان قد تألق في أعمال كثيرة لكنه لم يكن قد جرب الأداء الكوميدي بهذا الشكل، حيث قدم في الفيلم أداءً كوميديًا باهرًا. الفيلم تدور أحداثه حول لاعب الكرة (شحاتة أبو كف) الذي يحترف الكرة في نادي الزمالك وهو من سكان الصعيد، يقوم بتأجير شقة ولكن يقوم صاحبها بعملية نصب ببيع الشقه له ولسيدة أخري في نفس الوقت ويضطر الطرفان للعيش في بيت واحد. وبرر الخطيب سبب رفضه للفيلم بعد اعتزاله لعب كرة القدم في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي،

بأنه ظل يقرأ السيناريو الخاص به لمدة 3 أشهر أمام المرآة، ليشعر وقتها بالغرابة الشديدة مما يفعله، حتي قرر الاعتذار عنه، وتم إسناد الدور في المقابل إلي النجم نور الشريف وأن البطل "شحاتة أبو كف" كان لاعبًا في نادي الزمالك وليس النادي الأهلي الذي أنتمي إليه، وعلي الرغم من أن العمل كوميدي ويروي قصة شاب مكافح فإنني لم أجده هو الأفضل للتعبير عن شخصية لاعب كرة القدم.. الا أن نور الشريف نجح في أن يقدم منه أسطورة للاعب الكرة القادم من الأرياف ليصبح أحد ألمع نجوم ناديه. مشوار نور الشريف بدأ من الصفر، فلم يكن له واسطة حتي يصبح ممثلاً، وحتي عندما شارك في الثلاثية كان بسيطًا هادئًا،

لم يكن انفعاليًا كباقي الممثلين في بداياتهم. كانت كل حواراته الأخيرة وخاصة التليفزيونية ومنها حواره مع عمرو الليثي الذي قال فيه "الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر كان معجبًا بأدواري في التمثيل وأشاد بي وطلب مقابلتي، وأنا ناصري ولم أعلن ذلك إلا بعد وفاة عبدالناصر، ولا أنسي خطاب التنحي لعبدالناصر وكنت في بيت صديقي عوض محمد عوض وزكريا يوسف، وعندما قال جمال عبدالناصر إنني المسئول ضربت التليفزيون "بالقلة" التي أمامي وحدثت قفلة كهربائية، وأضاف الشريف عندما قال الرئيس إنني المسئول، كانت هناك حالة غضب، وعندما أعلن التنحي كان الانهيار لنا جميعًا، ونزلنا الشوارع لرفض التنحي،

وشعرنا باليتم بعد رحيل عبدالناصر. وعن فيلم "الكرنك" والذي يدين جزءًا من الفترة الناصرية قال "قمنا بعمل هذا الفيلم أنا وصديقي المخرج علي بدرخان ونحن في حالة غضب، ولكننا بالمناسبة ناصريون ونعشق عبدالناصر، ولكننا نؤمن بأن هناك أخطاء، وأضاف الشريف (قمنا بعمل فيلم "الكرنك" لأننا ضد أي حكم بوليسي، وأنا واثق أن عبدالناصر كان لا يعلم بما يدور في المعتقلات. لم يخفِ آراءه السياسية، كان صفحة مقروءة.. والسبب أنه عندما هوجم ومُنع عرض أعماله وجلس في بيته بعد فيلم "ناجي العلي" حزن حزنًا شديدًا لشعوره بأنه يتعرض لظلم بسبب وطنيته وحبه لوطنه. قال إنه سيظل غاضبًا من وجود القواعد الأمريكية في المنطقة العربية، ولو حدثت حرب مع إسرائيل فستقوم أمريكا بإمداد إسرائيل بأسلحة علي الأراضي العربية.

والسيناريو الذي تم وضعه بعد حرب أكتوبر يعتمد علي تفتيت عربي عربي، وفي الماضي كان هناك توازن قوي أمريكا وروسيا، ولكن اختلف الأمر الآن.. وفي رده علي سؤال هل كان الرئيس عبدالناصر سيوقع علي معاهدة السلام؟ أجاب الشريف: رغم كل الضغوط التي كانت ستمارس عليه كان سيموت قبل أن يوقع الاتفاقية، وأنا مع السلام ولكن بعض شروط كامب ديفيد كانت تحتاج إلي تعديل فيما يخص تسليح سيناء، وكان لابد من الاتفاقية ولو تأخرنا لحصلنا علي مزايا وفرصًا أقل. وأنا كنت صديقًا للرئيس الراحل ياسر عرفات ولكننا اختلفنا بسبب فيلم "ناجي العلي" وزعل ياسر عرفات لأنه تم إبلاغه بأننا نتّهم المنظمة في أحداث الفيلم باغتيال ناجي العلي،

وأن أبا عمار هو المسئول.. وهذا غير صحيح، وللتاريخ ولأول مرة جاء أبوعمار إلي القاهرة ليمنع عرض فيلم "ناجي العلي" في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، وقال له الرئيس مبارك: أسامة الباز شاهد الفيلم وهو فلسطيني أكثر منكم.. وسأل مبارك مستشاره الباز هل هناك أي إساءة للمنظمة الفلسطينية فقال "لا" فأمره بعرض الفيلم، وبعدها بشهور تصالحت مع أبوعمار في وجود أسامة الباز، وكنت دائمًا ألتقي به في القاهرة،

وأنا أول من قال إن إسرائيل ستتصالح مع الفلسطينيين، وهذا حدث ولم يكن أحد يتخيل أن يدخل أبو عمار فلسطين مع أنصاره من الفلسطينيين.. والانقسام بين الفلسطينيين أكبر خطر عليهم. وقال نور الشريف: لم أوافق علي التطبيع مع إسرائيل بشرط رجوع الأراضي العربية، وأشار إلي أن علاقته كانت قوية بأنور السادات وقدم فيلم "أهل القمة" والرئيس السادات وافق علي عرضه، وكان وزير الداخلية وقتها النبوي إسماعيل، وعندما شاهد الفيلم أمر بعدم عرضه، وعندما كلمت الرئيس السادات قال لي أريد أن أشاهد الفيلم، وحذف لقطة واحدة "رشوة توضع في درج ضابط" وأمر بعرض الفيلم كاملاً.

وعن مسلسل "ماتخافوش" كنت أتمني عرضه أثناء أحداث غزة، ولكن الوكالات الإعلانية تهتم بالعرض في رمضان، والمسلسل لم يكن ليروج لفكرة التطبيع مع إسرائيل، وكان هناك هجوم من الصحافة الإسرائيلية علي المسلسل، ولكنه لم يصل إلي محاولة اغتيالي أو تهديدي. وقال نور الشريف كنت أتمني أن يُعرض مسلسل الدالي قبل رمضان، لأن العرض في رمضان أصبح مصيدة مخيفة وأن شخصية الدالي ليست عثمان أحمد عثمان.

هذه الاعترافات وغيرها التي كان يقولها قبل رحيله بأيام تؤكد كم كان مثقفًا ومحبًا لوطنه. قال إنه لم تصبه الغيرة يومًا من أيٍ من أبناء جيله، لم يغر من عادل إمام ولا أحمد زكي بل قال إن كل ما قدمه أحمد زكي لا يعبر عن موهبته لأنه أكثر موهبة مما قدمه. كان صديقًا مقربًا لكل النجوم ومنهم حسين فهمي الذي قال عنه إنه استحق جائزة أفضل ممثل في فيلم "العار" لأن دوره كان صعبًا جدًا..

وأن من رُشح للدور هو يحيي الفخراني لكنه اعتذر، وأن حسين فهمي أبدع في الدور كرجل قانون يفاجأ بأن والده تاجر مخدرات. تحدث عنه كل النجوم بحب وحزن شديد، ونعاه كل الفنانين العرب جمال سليمان ورشيد مشهراوي ونانسي عجرم وكارول سماحة، وسلاف فواخرجي، وأسماء كثيرة.

قدم للسينما أكثر من 150 عملاً، منها سبعة أفلام صُنفت ضمن أهم مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية وهو الممثل الوحيد الذي لم يخش العمل مع أي مخرج، بل قدم معظم الشباب وغامر مع محمد النجار الذي كان مساعدًا للمخرج ثم أخرج فيلم "الصرخة" مع معالي زايد.. وقدم حتي في آخر أيامه فيلم "بتوقيت القاهرة" مع أمير رمسيس.. وقال إن لديه مشروعين سينمائيين يتمني تقديمهما أحدهما كان سيقوم رحمه الله بإخراجه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق