فوضي التنظيم.. أزمة تبحث عن حل
صلاح رشاد
12
125
ما رأيناه من إبداع وإبهار علي استاد هزاع بالإمارات خلال السوبر المصري بين الأهلي والزمالك، جعلنا نتحسر علي حالنا والمستوي المتردي الذي وصلنا إليه. كان كل شيء مبهرًا في استاد هزاع.. النقل والتصوير والإضاءة والإخراج، وقبل كل ذلك التنظيم المثالي.. لم يكن هناك شيء متروكًا للمصادفة.. ولم يكن هناك أدني مجال للارتجال والعشوائية لأن كلَّ فردٍ يعرف دوره المحدد بالضبط في منظومة متكاملة تبحث عن النجاح ولاشيء غيره.

في الماضي القريب كانت لنا الريادة في هذا المضمار، وكانت الملاعب تكتظ بعشرات الآلاف من الجماهير والصورة حضارية والمنظر مهيبًا وخلابًا، ورغم أن التقنيات الحديثة كانت غائبة إلي حد ما عن الإضاءة والتصوير والنقل التليفزيوني فإن الصورة في مجملها كانت جيدة، لكن منذ أن ظهرت روابط الألتراس ودخلت السياسة في المدرجات واستفحل العداء بين الشرطة وطائفة من الجماهير، تسلّلت الفوضي إلي الملاعب وتحولت المنظومة المتكاملة إلي جزر منعزلة كل فرد يفعل ما يروق له، فالمخرج يتابع الأحداث من وجهة نظره،

والمعلق يحاول جاهدًا أن يفرض وصايته علي المشاهدين، وأصبحت مباريات كرة القدم عندنا عنوانًا لمسلسل ممل وباهت لا يحمل أي عنصر من عناصر الإثارة والتشويق، ووصلت المأساة إلي ذروتها بمنع الجماهير من حضور المباريات ليفقد الدوري المصري كثيرًا من بريقه وتوهجه، ويقل الاهتمام به تدريجيًا بعد أن كان ملء الأسماع والأبصار.. وأرادت الشرطة أن تستريح من صداع الألتراس وشغب الجماهير وعمليات الكر والفر التي كانت تفرض نفسها في بعض المباريات فسحبت البساط كاملاً من الجماهير وحرمتهم من الوجود في الملاعب

.. ولم يكن هذا القرار ضربة موجعة لعشاق اللعبة فحسب، وإنما أيضًا للمنظومة الكروية برمتها التي فقدت بغياب الجماهير واحدًا من أهم عوامل وجودها وحيويتها. غابت الجماهير فغابت الإثارة والتشويق.. وغاب المخرج المبدع الذي يتفاعل معها وينقل صورة حية عن الأحداث والمشاهد الملتهبة داخل الملعب أو في المدرجات.. وغاب التنظيم الجيد بعد أن أصبح المنع هو سيد الموقف وأسهل الحلول لإبراء الذمة

.. وكانت محصلة ذلك كله صورة باهتة لا تليق بتاريخ مصر وعراقتها ولا بقدرات كامنة تبحث عن مناخ جيد لتبرز وتتوهج.. ونتمني أن يكون انطلاق الموسم الجديد مبررًا لكي نطوي صفحة الماضي بكل آثارها السلبية ونبدأ في اتخاذ إجراءات وتدابير تعيد إلي المنظومة الكروية بريقها وتقطع الطريق علي من يريدون إبقاء هذا الوضع السيئ علي ما هو عليه.

محمود بكر الخبير الكروي والمعلق الرياضي الذي علق علي مباراة السوبر في قناة الحياة اعترف بأنه كان منبهرًا بالمشهد الرائع باستاد هزاع لكن الانبهار كان مختلطًا أيضًا بحالة حزن علي ما وصلنا إليه، لأن الموضوع ليس متعلقًا بالإمكانات المادية وحدها وإنما مرتبط في المقام الأول بإرادة ورغبة عارمة في تصحيح الأوضاع.

وأشار بكر إلي أن المشكلة الحقيقية أن المسئولين لا يريدون القيام بالمسئولية بقدر ما يسعون طوال الوقت إلي التنصل منها ولا يتحركون إلا بتوجيهات الرئيس في كل وقت وحين، مندهشًا من عزوفنا عن التكنولوجيا رغم أنها غزت كل الملاعب سواء في الدول الغنية أو حتي الفقيرة، لأن التكلفة المادية ليست عالية ولكن الأمر يحتاج إلي قرار ومبادرة محملاً وزارة الشباب والرياضة مسئولية هذه الصورة التي لا تليق لعدم قدرتها علي تحمل التبعات بشجاعة خاصة أنها ذراع الدولة في هذا المجال، ويجب أن تتحرك لوضع الأمور في نصابها الصحيح.

وأبدي بكر اندهاشه من وجود كاميرات المراقبة في الشوارع والمحلات الصغيرة وغيابها عن الملاعب حتي الآن رغم أنه كان هناك قرار بتركيب كاميرات في استاد القاهرة منذ سنوات ولم يرَ هذا القرار النور حتي الآن، وكان أول توجيه من وزارتي الداخلية والشباب والرياضي بعد مذبحة بورسعيد تركيب كاميرات في الملاعب والتعامل بكل حزم مع المشاغبين والمنحرفين الذين يأتون إلي المباريات لإفسادها وإشعال فتيل الأزمات والأحداث الساخنة، لكن هذه التوجيهات كانت مجرد حبر علي ورق مما زاد الأمر تعقيدًا.

وقال بكر إن الداخلية يجب أن تنظر إلي الداخل بعين أكثر حزمًا وصرامة، والمقصود بالداخل هنا كل ما يدل علي عودة الاستقرار للدولة ومن هذه الأمور الملاعب وعودة الجماهير للمدرجات، معتبرًا أنه قد حان الوقت لتنقية الجماهير من المدسوسين والمشاغبين ومثيري الأزمات لأنه من الظلم أن تتحرك هذه الحفنة بحريتها وتدفع المنظومة الكروية كلها ثمنًا باهظًا لذلك، ويجب علي الحكومة أن تكون يدها باطشة تجاه المندسين، ولم يعد هناك أدني مبرر لليد المرتعشة بعد أن مرت انتخابات مجلس النواب بسلام.

وتطرق بكر إلي الإخراج التليفزيوني فقال مخطئ من يظن أن الساحة خالية من المخرجين والمصورين الموهوبين والمبدعين فهم موجودون بالفعل لكن للأسف بعضهم متعصب لنادٍ بعينه فيري الأحداث من منظور النادي الذي يحبه ويشجعه متجاهلاً الحيادية وإعطاء كل ذي حق حقه، والبعض الآخر تسيطر عليه روح الموظف فلا يشغل باله بالإتقان، وفئة ثالثة ترفع شعار "علي قد فلوسكم" فلا تقدم من جهدها إلا أقل القليل، وفي كل الحالات تخرج الصورة العامة بهذا الشكل الذي لا يليق بمكانة مصر ولا بالقدرات الحقيقية لأبنائها معتبرًا أن المسئولين علي جميع الأصعدة والمستويات إذا تحركوا بجدية وحزم وتخلوا عن سياسة رد الفعل وامتلكوا زمام المبادرة فمن السهل جدًا أن تستعيد المنظومة الكروية عافيتها بعد وقت قصير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق