من 25 قرشًا إلي 3 آلاف جنيه التطور الطبيعي لبدلات الحكام
12
125
التحكيم في مصر علي مدي تاريخه الطويل كان هو العنصر الأضعف في المنظومة والأقل اهتمامًا من جميع النواحي، وعلي رأسها الماديات التي كانت النقطة السلبية لكل رئيس لجنة يتولي المسئولية، خصوصًا أن كل رؤساء لجان الحكام منذ إنشائها وحتي الآن، كان الهم الأكبر لكل واحد منهم هو إرضاء مجلس إدارة الاتحاد علي حساب مصير الحكام، لم يكن هناك رئيس للجنة في يوم من الأيام هدد بالاستقالة لعدم صرف البدلات، ولم يأتِ آخر لهذا المنصب وأصرّ علي تسوية فلوس الحكام، قبل أن يدير أعمال اللجنة حتي يطلب منهم الإجادة في إدارة المباريات.

عندما انتخب عصام عبدالفتاح ليكون أول حكم يصبح عضوًا في مجلس إدارة الاتحاد، وتولي رئاسة اللجنة كان دائمًا في صف مجلس الإدارة ضد كل الحكام، وكان همه الأكبر إرضاء زملائه في المجلس وتوفير فلوس المدربين ورواتب الإداريين داخل مبني الاتحاد، وعلي رأسهم أعضاء اللجنة الرئيسية للحكام الذين يتقاضون آلاف الجنيهات غير مصاريف السفر والانتقالات وإلقاء المحاضرات

.. والغريب أن كلاً منهم كان يصارع ويجاهد من أجل تخليص استمارات الصرف الخاصة من خزينة الاتحاد في حين أنه بعدها مباشرة يتقابل مع حكم ويطالبه بالصبر علي صرف البدلات المتأخرة له منذ سنوات، وهو يعرف حجم المعاناة التي يعيشها الكثير من الحكام، والبعض منهم كان يقترض من زملائه في العمل والجيران من أجل تدبير تذكرة السفر لمباراة يعرف جيدًا أن مصير صرف مقابلها المادي في علم الغيب.

بدلات الحكام لها تاريخ طويل من المشكلات والأزمات وكلها كانت تدور قبل التسعينيات حول زيادة المقابل المادي للمباريات ومضاعفته، خاصة إذا علمنا أن المقابل المادي في بداية السبعينات كان خمسة جنيهات يتقاضاها الحكم عن إدارته أي مباراة في الدوري الممتاز، وبالطبع كان المقابل المادي للحكم يقل في الدرجات الأدني كالمظاليم والقسمين الثالث والرابع والناشئين.

المقابل المادي للحكام لها تاريخ يثبت مدي المعاناة التي عاشها الحكام علي مدار عهود طويلة، كانوا فيها هم الأضعف نفسيًا وماديًا، وعندما يقفون الآن ولأول مرة في وجه اتحاد الكرة والأندية مطالبين بصرفها بشكل فوري بعد كل مباراة، فلا أحد يستطيع أن يراجعهم في تصرفهم، بل بالعكس يقف الكثير إلي جوارهم ويساندوهم، خاصة أن الوعود التي حصلوا عليها لفترات طويلة كانت كلها مسكنات من رجال اتحاد الكرة ورئيسهم عصام عبدالفتاح،

الذي هرب من مسئولية اللجنة وحكامه وضرب بكل أصوات الجمعية العمومية التي منحته ثقتها خلال الانتخابات الماضية عرض الحائط للحصول علي الدولارات التي عرضت عليه لتولي مهمة الإشراف الفني علي لجنة الحكام الإماراتية، رغم أنه كان قبلها بأيام قليلة من طالب الحكام بالهدوء والصبر علي تأخر صرف البدلات،

والأكثر من ذلك أنه دبّر ورتّب لجلسة الحكام مع جمال علام واختار مجموعة منهم من التابعين له ليوافقوا علي جدولة البدلات، ويرغموا باقي الحكام علي الخضوع لنظام تقسيط غير محدد المدة.

بدلات الحكام بدأت في مسابقة الدوري عام 48 بربع جنيه فقط، وزادت في أواخر الخمسينات في عهد رئاسة المشير عبدالحكيم عامر إلي خمسين قرشًا في المباراة الواحدة، واستمر الحال علي ما هو عليه حتي أواخر الخمسينيات، وعندما زادت في أوائل الستينيات وصلت إلي ثلاثة جنيهات للحكم،

وجنيهين للحكمين المساعدين، بواقع جنيه واحد لكل حكم مساعد، ومع نهاية الستينيات زادت البدلات حتي وصلت إلي خمسة جنيهات وثلاثة جنيهات للحكم المساعد، وكان الأمر بالنسبة للحكام يُعد طفرة هائلة لدرجة أن حكمًا كبيرًا في حجم وقيمة الكابتن علي قنديل ومع عدد من الحكام، عندما طلبوا أن يديروا مباريات كحكام صافرة ويتركوا عملهم كمساعدين، اُتهموا بأنهم طماعون ويريدون فقط الحصول علي الجنيهات الخمسة بعيدًا عن تطلعهم في أن يصبحوا حكام وسط ملعب، كما كان يقال وقتها،

واستمرت البدلات علي هذا المنوال لسنوات، حتي وصلت إلي عشرة جنيهات في منتصف السبعينيات في عهد رئاسة محمد حسن حلمي للاتحاد، ثم عشرين جنيهًا مع نهايتها، إلي أن حدثت أزمة عنيفة عندما تعرض الحكم الدولي حسين فهمي في أواخر السبعينيات لأزمة علي ملعب المصري البورسعيدي في مباراة المصري والمنصورة، عندما اعترض المجري بوشكاش علي قرار أصدره حسين فهمي ضد نجم الفريق مسعد نور،

وقام الأخير بجذبه من ياقة قميص التحكيم، فما كان من حسين فهمي إلا إلغاء المباراة ورفع تقريره للجنة الحكام التي أصدرت قرارًا بمعاقبة المصري بعدم إدارة أي مباراة لهم علي ملعب بورسعيد، فثار الحكام وتضامنوا مع زميلهم حسين فهمي، وطالبوا بحضور رئيس النادي المصري للاعتذار واضطر وزير الرياضة وقتها الدكتور عبدالحميد حسن للحضور لمبني اتحاد الكرة لتقديم الاعتذار للحكام وترضيهم، وهو ما حدث بالفعل وخلال اللقاء بهم سأل وزير الرياضة عن بدلات الحكام وما يحصلون عليه، وعندما أخبروه بأنها عشرون جنيهًا قرر زيادتها ورفعها إلي ثلاثين جنيهًا كترضية إضافية للحكام، وهو ما كان يمثل ثورة بالنسبة لهم، واستمر الحال لسنوات زادت البدلات فيها إلي مائة جنيه في عهد رئاسة سمير زاهر للاتحاد، وزادت إلي مائتي جنيه في عهد اللواء يوسف الدهشوري،

ثم زادت مرة أخري في عهده إلي أربعمائة جنيه، واستمرت عدة سنوات إلي أن زادت في عهد سمير زاهر عام 2005 إلي ستمائة جنيه، وزادت إلي ألف وخمسمائة جنيه بمذكرة من هاني أبوريدة في عهد الكابتن محمد حسام -رحمة الله عليه- وفي عهد عصام عبدالفتاح زادت البدلات ثلاث مرات إلي ألفي جنيه ثم ألفين وخمسمائة جنيه، وكان القرار الأخير منذ شهور برفعها إلي ثلاثة آلاف جنيه.

أزمة صرف بدلات الحكام من الأندية والتي أثيرت مؤخرًا ودار حولها جدل طويل كانت علي مدي تاريخها تصرف من الأندية، إلي أن قرر سمير زاهر رئيس اتحاد الكرة السابق، وعقب فوزه في الانتخابات في التسعينيات ولأهداف انتخابية، قرر صرف بدلات الحكام من اتحاد الكرة، وفي عهد المجلس المعين برئاسة عصام عبدالمنعم ورئاسة السكندري محمد حافظ للجنة الحكام وتحديدًا عام 2004 قرر إعادة الحال إلي ما كان عليه بالصرف من الأندية.. واستمر الحال لعامين إلي أن عاد سمير زاهر لرئاسة اتحاد الكرة مرة أخري فأعاد الصرف إلي خزينة الاتحاد مرة أخري، وحدث التأخر في صرفها وعادت شكوي الحكام من البدلات مرة أخري. أزمة الحكام مع البدلات هذا الموسم كانت بسبب الأهداف الانتخابية لأعضاء المجلس الذين يطمعون في ترضية رؤساء الأندية بكل السُبل لتهيئة الأجواء قبل الانتخابات القادمة مع نهاية العام المقبل،

لذلك عندما أصدر الاتحاد قراره بصرف البدلات من الأندية للخروج من مأزق عدم القدرة علي الصرف وتمسك الحكام بالقرار، وحدثت أول مشكلة في الموسم عندما أصر الحكم علي عدم النزول إلي أرض الملعب في مباراة الاتحاد السكندري وطلائع الجيش إلا بعد حصوله علي مبلغ التسعة آلاف جنيه مقابل البدل لطاقم الحكام بالكامل، حدثت مشكلة ووجد اتحاد الكرة نفسه في ورطة،

فقرر إعادة البدل للصرف من الاتحاد، فثار الحكام لأنهم يعرفون حجم المعاناة التي تنتظرهم والمستمرة من سنوات ماضية، فقرروا عدم الانصياع لأوامر الاتحاد وأكدوا مطالبهم بصرف البدل قبل كل مباراة، ولأن اتحاد الكرة ورجاله لا يهمهم إلا الأصوات الانتخابية فحاولوا بشتي الطرق الالتفاف حول القرار، وحاول البعض منهم محاباة أندية علي حساب أخري وهو ما حدث في مباراة الإنتاج الحربي وإنبي والتي أدارها الحكم محمد الصباحي عندما حضر خالد مهدي مدير الكرة لطاقم التحكيم وقال لهم إن البدلات جاهزة وسيحضرها قبل انطلاق المباراة،

وعندما تأخر فوجئ الطاقم بحضور أحمد مجاهد عضو الاتحاد لغرفة خلع ملابس الحكام وطالبهم بلعب المباراة دون المطالبة بصرف البدل وأن اتحاد الكرة يتعهد بذلك فما كان من الصباحي إلا أن أصر علي الحصول علي البدل قبل المباراة، لأنه اكتشف أن مجاهد كان جالسًا في المقصور وحاول مجاملة مسئولي الإنتاج الحربي من خلال بدلات الحكام، وهو ما يؤكد أن بدلات الحكام علي مدار سنوات ماضية كانت مجرد لعبة انتخابية لأعضاء مجلس إدارة اتحاد الكرة يسخرونها لتحقيق مصالح شخصية وإرضاء الأصوات الانتخابية، وإلا فكان من الأولي أن يقوم اتحاد الكرة بوقف القيد للأندية التي لا تسدد بدلات الحكام مثلما هو الحال في لجنة شئون اللاعبين التي ترفض قيد أي لاعب لنادٍ لم يسدد مستحقات لاعبيه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق