انفلات السادة النجوم
خالد توحيد
12
125
أقول دومًا إن مباريات الرياضة، وفى مقدمتها كرة القدم، عمل إبداعى مثله مثل العروض الفنية، التى يقدمها الفيلم الروائى فى دور السينما، أو العروض الحية على خشبة المسرح.. حيث الأساس فيها هو المتعة، فمن يذهب ليشاهد فيلمًا أو مسرحية، لا يتكبد المشقة.. بكل أنواعها، من أجل أن ينغص حياته لمدة ساعتين أو ثلاث، إنما فعلها من أجل أن يستمتع بعمل إبداعى.. بكل ما فى هذه المتعة من آثار نفسية ومعنوية وفكرية وثقافية.

ولم يكن غريبًا أن أكتب ــ وللمرة الأولى فى تاريخ الصحافة الرياضية ــ واصفًا كرة القدم بأنها باتت قوة ناعمة، تمامًا مثل السينما، والمسرح، والكتاب، والفنون، ومختلف أوجه الثقافة، ومن الطبيعى جدًا أن تبلغ كرة القدم هذه المكانة بعد كل ما حققته من انتشار، وبكل ما وصلت إليه من قيمة فى حياة البشر، وبكل ما تملكه من قدرة على تغيير العادات، والأفكار، والسلوك، وسيطرتها بشكل كبير على المزاج العام للشعوب.. فرحًا وحزنًا وفخرًا.

لم أهتم كثيرا بأن يلتقط البعض ــ كالعادة ــ وصفى لكرة القدم بأنها باتت قوة ناعمة، ويرددونها وكأنها من بنات أفكارهم، فقد تكرر الأمر مرات من قبل، فى أفكار ومعان أخرى، ولكن ما أحزننى أنه تم الاكتفاء بترديد المعنى دون تحويله لفكرة محسوسة نطبقها على أرض الواقع، أى أن يصبح المفهوم مجسدًا فى كل ما يخص اللعبة تحديدًا والرياضة عمومًا، وهو ما لم يحدث، ولن يحدث، ولأسباب أترفع عن سردها، تجنبًا للتقليل من شأن أحد.

تحتاج الرياضة منا أن نضع كثيرًا من أمورها ضمن رغبتنا فى تغييرها، ومثلما يتأثر المشاهد بالفكرة أو البطل فى العمل السينمائى أو المسرحى، يحدث نفس الشىء من أبطال الرياضة، وتحديدًا نجوم كرة القدم، وعلى ذلك.. وكمثال واحد فقط على ما أعنيه، تخيل كم من الصغار والنشء والشباب، الذين يجلسون كل يوم ــ تقريبا ــ لمشاهدة مباريات الدورى المصرى، وتتدافع أمامهم فى كل مباراة عشرات المشاهد السلبية،

مثل تلك التى يصرخ فيها لاعب معترضًا على قرار الحكم، أو مشوحًا بيده رافضًا احتساب خطأ وقع فيه، أو التجهم فى وجه لاعب من الفريق المنافس، أو تعمد العنف والخشونة مع الفريق الآخر، وغيرها من السلوكيات الهوجاء، المنفلتة، التى تترك آثارها على أجيال بكاملها، ستخرج يومًا ترفض قرار رئيسها فى العمل، وتعترض عليه، وتشوح فى وجه كل من يتعامل معها، فقد سبق وشاهدت من فعل ذلك مرات، ولم ينل العقاب، ثم

.. وهو الأكثر، لم يتوقف أحد لينادى ــ كما فعلت كثيرًا ــ بالعمل على الدفع بثقافة جديدة فى الملاعب يكون من نتاجها تقديم نماذج إيجابية، تصبح هذه النماذج هى السبب فى صنع سلوكيات أفضل عند من يشاهدها.. لم يحدث هذا بالطبع، ولن يحدث، لأنه لا صوت يعلو منذ سنوات، على صوت المصالح الضيقة فى القتال على المناصب، والفلوس، والشهرة والسفر، والمنافع الخاصة، ولتذهب المصلحة العامة إلى الجحيم!! لن أتوقف عن النداء بالإصلاح، حتى لو كنت أفعل ذلك وحدى، لأن ذلك هو الفارق بين من يعى مسئوليات المهنة التى تعلمها وأفنى فيها عمره، وبين من يمارسها للحصول على "المرتب" آخر الشهر!

أخيرًا.. عشان ننكد عليهم، كنت فى يوم من الأيام سببًا فى أن يعرف الناس معنى أن تبدأ المباراة فى موعدها، فقد كان من المألوف، بل والطبيعى جدًا أن تبدأ مباريات الكرة فى الدورى وكأس مصر حين ينزل الفريقان والحكم أرض الملعب، وقد يكون موعد المباراة هو تمام الخامسة مساء، فتنطلق خمسة وعشر دقائق.. لا مانع، خمسة وربع مافيش مشكلة، خمسة وتلت.. وإيه يعنى؟! وحين قررت أن أغير هذا الوضع الخاطئ.. اشتغلت عليه وبقوة، وفى غياب أى معاونة أو دعم من أى إعلامى أو صحفى آخر، ومرة وراء المرة.. وصلنا إلى ما نحن فيه الآن من التزام وانضباط وفى مواعيد بدء مباريات كرة القدم،

ولم أهتم كثيرًا بأن هناك من تذكر ذلك أو قال إننى فعلته، لأننى على يقين أن مسئوليات المهنة تفرض علينا كثيرا من الواجبات والمسئوليات، وفرق كبير بين من يعى ذلك، وبين من تتقاذفه الريح فى يوم عاصف.. تذهب به إلى حيث تريد.. ورقة شجر ناشفة، أو ربما أقل!!

هل يمكن أن نبدأ فى إصلاح منظومة السلوكيات فى الملاعب المصرية، من خلال برنامج علمى يراعى أولا ما يخص السادة النجوم الذين يرتكبون الكوارث على مرأى ومسمع من الناس كل يوم، فيدمرون عقول وسلوكيات ملايين من الشباب يرون فى هؤلاء اللاعبين قدوة ونموذجًا، ويراعى ثانيًا ما يخص البراعم والناشئين فى الفرق الصاعدة، فيوضع لها برنامج متكامل تمامًا مثل البرنامج التدريبى الذى يركز على العضلات مع أن العقول والسلوك تستحق ذات الاهتمام. فى عام 2016 الذى صار عام الشباب، لابد أن نحمى سلوك جيل بالكامل سيكون مستقبل مصر من انفلات البهوات فى ملاعب الكرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق