الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في أول حوار رياضي: لست مصنفًا في أي حزب كروي!
خالد توحيد
12
125
مقدمة لابد منها عندما نعيد نشر هذا الحوار مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي أذهل الدنيا وشغل الناس في حياته وبعد مماته أيضا، فإننا لا نفعل ذلك لمجرد المشاركة في رثاء الأستاذ الذي تسابق القاصي والداني في الحديث عن شخصيته ومسيرته وقيمته وقامته في الحياتين السياسية والصحفية علي مدار ما يزيد علي 60 عاما، ظل فيها حاضرا متوهجا بأفكاره وكتاباته وعلاقاته المتشعبة مع المسئولين داخليا وعربيا ودوليا أيضا، لم نقصد هذه النظرة فقط وإنما قصدنا أن نعيد قراءة حوار رياضي مع قامة وقيمة بحجم هيكل هو الأول والأخير في حياته إضافة إلي أن هذا الحوار ألقي الضوء علي أمور كثيرة لم تكن معروفة وتحدث فيه عن آراء ظلت صالحة للبقاء علي أرض الواقع رغم مرور أكثر من 20 عاما علي هذا الحوار..

تم نشر هذا الحوار في 23 نوفمبر 1994 في الأهرام الرياضي، وظل الحوار مرجعًا وحيدًا لكل من أراد تناول الجانب الرياضي في حياة الراحل الكبير.

قبل.. ثوان معدودات من دقات السادسة صباحا.. كانت سيارة "فولفو" حمراء تعبر في هدوء باب الدخول الرئيسي لنادي الجزيرة في طريقها إلي حيث ملعب الجولف الشهير.. وفي لحظات كان باب السيارة الخلفي يفتح ليخرج منه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، وكانت دقات الساعة تعلن تمام السادسة، وكانت نفس دقات إيذانا ببدء أحداث هذا الحوار مع الرجل الذي يعد واحدا من أشهر شخصيات النصف الثاني من القرن العشرين. في ملعب الجولف في نادي الجزيرة لم يكن هناك متسع من الوقت والحركة إلا لالتقاط الصور للكاتب الكبير وهو يمارس الجولف رياضته الوحيدة المفضلة ــ كما قال لي بالحرف الواحد ـ وبعد حوالي ساعة ونصف الساعة انتهي "الأستاذ هيكل" ـ كما يناديه كل الناس ـ من أهم جزء في برنامجه اليومي الدقيق، وقبل أن يهم بالرحيل حدد الساعة العاشرة من صباح نفس اليوم لكي نلتقي في مكتبه لنبدأ في إجراء الحوار:

................. مكتب الأستاذ هيكل يقع في عمارة أنيقة شهيرة تطل علي نيل القاهرة بجوار فندق شيراتون الواقع علي كوبري الجلاء، المكتب من الداخل يتسم بالبساطة الشديدة، ويغلف جدرانه هدوء عميق لا يقطعه إلا صوت الموسيقي الخفيفة التي تأتي من جهاز صغير يستقر علي يسار الأستاذ..

أما مكتب الأستاذ "هيكل" فلا يوجد إلا كرسي واحد تم وضعه بطريقة تبدو وكأنه مثل كرسي الاعتراف، بمجرد أن جلست أفصحت للأستاذ هيكل عن هذه الملاحظة فقال: إن كل من يجلسون عليه يقولون نفس الشيء: ولم تكن الملاحظة التي أبديتها إلا البداية الحقيقية للحوار.. وفي نفس اللحظة التي بدأت أقلب أوراقي فيها أوقف الأستاذ هيكل دوران صوت الموسيقي، ووضع سيجاره الشهير في "طفاية" موجودة أمامه..

وبدأت التساؤلات.

<< وقلت "للأستاذ هيكل" برنامج يومك محدد بدقة شديدة تستيقظ في الخامسة وتبدأ رياضتك في السادسة.. وفي الثامنة والنصف تجلس علي مكتبك لتمارس عملك المعتاد.. وسألته: لماذا تلزم نفسك بهذا الترتيب الصارم؟

ــ فأجاب "الأستاذ هيكل": منذ وقت طويل اعتدت علي هذا التنظيم، وكنت دائما أبدأ عملي في الثامنة والنصف تمام، فأنا أعتقد أن كل إنسان يتحرك في زمن محدد.. يوم مساحته 24 ساعة.. وأمامك مهام لا حدود لها عليك أن تقوم بها ـ لو كنت تريد ـ وإذا لم تحسن استغلال هذه الرقعة من الزمن من خلال التنظيم الجيد فإنك لن تستطيع أن تفعل شيئا، وأذكر طوال عمري أن أغلب من كان لي حظ العمل معهم كانوا يشكون من النظام، أنا أعتقد أن النظام ليس مهمًا في الصحافة فقط، ولكنه مهم في الفن، وفي الخلق الأدني، وفي أي شيء آخر.. ربما أن الصحافة تعلمك أهمية عنصر الوقت الأهمية القصوي..

لماذا؟

لأنك مرتبط بلحظة معينة لابد أن تذهب فيها الجريدة إلي المطبعة وتوضع الصفحات علي السلندرات وتدور الماكينة، إذن أنت مقيد بلحظة نهاية معينة، كأنه توقيت معركة، وينبغي أن تكون كل عملياتك مرتبة من قبل، بحيث تصبح جريدتك معدة في لحظة محددة.. وبالتالي يتم توقيت عملية التفكير في الجريدة.. التخطيط للجريدة.. تكليف الناس بمهام الجريدة.. إعداد المواد للجريدة.. تقديم هذه المواد للأقسام الفنية سواء في التحرير أو الطباعة لتؤدي دورها فيها، ويتم كل شيء وتدور الماكينة.. وهذا أكثر الأشياء التي تعلمك النظام بشكل طبيعي، فضلا عن هذا، أنا واحد من الناس يعتقد أن التكريم الحقيقي للوقت هو أن تشغله بما هو مجد وما هو نافع وإلا يكون ما تفعله تضييع وقت، بل تضييع حياة أو تضييع عمر في النهاية. قد يكون من بين الأسباب أيضا أنني تربيت علي النظام، فقد كان أول رئيس تحرير أعمل معه هو "هارولد إيرل" رئيس تحرير "الإجبشيان جازيت"، وأعتقد كذلك أنني ولدت أصلا في عائلة كان النظام فيها شيئا أساسيا، أو علي الأقل كان النظام موجودا وقائما، وأخذت أنا هذا النظام عنها، وفيها بعد حدث مهنيا أنني عملت في إطار نظام معين وهكذا مضت الأمور.

<< ومتي بدأ برنامج يومك الحالي؟

ــ هذا البرنامج أفعله طوال عمري.

<< حتي بما فيها جزئية الرياضة؟

ــ حتي بما فيها جزئية الرياضة ـ وأنا واحد من الناس المعتقدين أن جسم الإنسان هو الوعاء الذي يضم كل الحواس وكل الملكات.. وإذا لم تكن تقوم بجزء من الجهد البدني العضلي المتمثل في الرياضة بالدرجة الأولي فإنك ستفقد شيئا ضروريا للياقة الإنسان ـ ولهذا السبب كنت دائما أمارس الرياضة وإن اختلفت وسائل ممارستي لها، وفي وقت من الأوقات كنت أؤدي ـ فقط ـ تمرينات سويدي، وفي مرحلة أخري كنت ألعب التنس، وفي مرحلة أخري كنت أعوم بانتظام، ومرحلة أخري في النهاية ألعب فيها الجولف.

<< وهل هناك ما يمكن أن نقول إنه حدد اختيارك لكل واحد من هذه الرياضات؟

ــ مراحل حياة الإنسان عادة لا تشكلها إرادتنا هكذا، لأن إرادتنا متفاعلة فيها مع ظروف كثيرة مختلفة، ولا أتصور أن تخصص مرحلة معينة من حياتك للتنس، وتخطط لمرحلة بعدها للجولف.. لا.. هذا لا يحدث، لأن الحياة تنساب انسيابا طبيعيا، وقد تشعر بأنك تريد المجهود البدني، وتشعر بأن الرياضة تعطيك شيئا مختلفا، وأنا أعتقد أن كل رياضة تعطيك شيئين، الشيء الأول: المجهود البدني المطلوب للياقة الجسم وتعلم التصارع أو المنافسة مع الأشياء بطريقة طبيعية. الشيء الثاني: إنها ودون أن تحس أو تخطط تعبر عن احتياجاتك في مراحل مختلفة من عمرك، وأنا في مرحلة معينة كنت ألعب التنس، وهو يعلمك ردة الفعل السريع.. يعلمك التنبه وأنت تري الكرة وهي قادمة إليك بسرعة.. يعلمك سرعة اتخاذ القرار أين ستقف؟ وكيف سترد الضربة؟

<< والجولف؟

ــ الجولف في اعتقادي فيه مزايا عديدة، من أولها أنك تبدأ يومك ـ كما رأيت بنفسك ـ بين الخضرة، وهي بداية صحية في جو نقي، وأنا أحاول أن أمارس الجولف مبكرا، لأنني أبدأ عملي في تمام الثامنة والنصف صباحا، فطبيعة عملي تقتضي ـ وكان هذا صحيحا طوال الوقت ـ أن أكون موجودًا في مكتبي، أو في إطار مكتبي لمدة ثماني ساعات دون انقطاع وبلا إزعاج، سواء كنت أكتب أم ألتقي مع بعض الناس، أو أي شيء آخر، وهناك مسألة مهمة وهي أنني لا أريد للرياضة أن تتعارض مع مواعيد عملي، وقد حدث أن قال لي بعض الناس لماذا لا تذهب في العاشرة صباحا بدلا من هذا الوقت المبكر، وبالطبع لا أستطيع أن أفعل، أولا لأنك لو ذهبت إلي مكتبك مباشرة بعد الخروج من فراشك فسوف تكون نصف نائم، وثانيا لأن عدم البدء بالرياضة سوف يبدد ساعات اليوم وسأقطع عملي إذا تركت ممارستها في وقت غير محدد، وأنت كما تعرف أن الكتابة تحتاج إلي أوقات محددة واستمرارية في العمل.

<< وطوال زمن الحوار، الذي امتد لأكثر من أربعين دقيقة.. لم نتوقف لحظة واحدة، ولم يقاطعنا رنين التليفون الموجود بجانب "الأستاذ هيكل"، ولم أسمع أحدًا يطرق الباب لأمر يقتضي دخوله إلي المكان.. وانسابت الأسئلة والإجابات دون انقطاع، ورحت من جديد أسأل الأستاذ هيكل:

ما هي علاقة الجولف بالسياسة؟

ــ فأجاب: كثير من الناس في السياسة يلعبون الجولف، لأن هناك علاقة قوية بين السياسة والجولف، وفي اعتقادي أن الجولف قائم علي سيناريو معين، يبدأ من نقطة بداية، وينتهي في نقطة نهاية، وهناك بداية محددة، ونهاية محددة، وبين الاثنين ـ في الغالب ـ مسافات متفاوتة، أنت تقف في مكان تمسك كرة وعصا.. الكرة لها مساحة في النهاية سوف تضعها في حجرة تتسع لها بالكاد، وإذا حدث وبدأت في التصويب علي الحفرة من الضربة الأولي مباشرة فلن تصل أبدا.. فأنت لديك عدد محدد من الضربة الأولي مباشرة فلن تصل أبدا.. فأنت لديك عدد محد من الضربات في كل حفرة، وهذا يعطيك أولا أن تتعلم كيف تصل من نقطة بداية إلي نقطة نهاية بعدد معين من الضربات، وعليك أن تحسب طاقتك وقدرتك، ثانيا: لابد أن تتلقي العصا المناسبة للمساحة التي تريد أن نقطعها، ثالثا: أن تختار اتجاهك في الضربة بما فيه تصور اتجاه الريح، وما يمكن أن تفعله في العصا.. كل هذا لا تستطيع أن تفعله واعيا.. فأنت تختار العصا وتحدد اتجاه الريح وتأخذ زاوية الضربة بطريقة أوتوماتيكية تقريبا، وكما تعرف أن كل الأشياء التلقائية التي نقوم بها في حياتنا هي وليدة اعتياد.. والاعتياد ناشئ من تدريب والتدريب قائم علي مبدأ معين، وعندما تبدأ في الضرب فإنك تأخذ الاتجاه العام للهدف، محاولا الوصول إلي قدر ما تستطيع الوصول إلي أقرب نقطة له، وطوال الوقت الذي تفعل فيه ذلك هناك عملية شحن لملكاتك كلها.. ملكات تحديد ومرحلة وصول إلي هدف.. وكل هذا له علاقة وثيقة بالسياسة.

<< وهل للجولف فوائد أخري؟

ــ الجولف يجعلك تمشي طوال الوقت ولمسافات طويلة.. والمشي أحسن وأرخص وأجمل رياضة في الدنيا، ومن فوائد الجولف أيضا أنك تستطيع أن تلعبه بمفهومك، لأنه من الممكن أن تلعب بمقاييسك ضد الأرض، كما أنه يعطيك فرصة في إعداد برنامج يومك كله.

<< وتتخذ بعض القرارات أيضا؟

ــ الصحفي في واقع الأمر لا يصنع قرارات، وكل ما تفعله هو تحضير أفكارك لملاقاة يومك وحوادثه وتبحث عما ستفعله فيه، وأنا خلال المشي أفكر فيما سأفعله.

<< خلال أزمة الخليج قيل إن الرئيس الأمريكي جورج بوش ترك كل شيء وذهب إلي ملعب الجولف.. هل تري أن ذلك كان من أجل اتخاذ قرار معين؟

ــ الذهاب إلي ملعب الجولف لم يكن من أجل مساعدته علي اتخاذ القرار، إنما من أجل محاولة تنقية الجو من حوله من مؤثرات خارجية أو جانبية قد تؤثر علي قراره. أنا أعتقد أن من يريد اتخاذ قرار لابد أن يكون جالسا في مناقشة، ورئيس دولة مثل أمريكا سيجلس مع مستشار الأمن القومي، ومع وزير خارجيته.. ومع وزير دفاعه.. وبعد أن يسمع كل وجهات النظر هو يحتاج أن يختار، وأي رئيس دولة يسمع اجتهادات مختلفة، ويسمع بدائل مختلفة، ويقرر في النهاية اختيار بديل منها، أو التوفيق بين أكثر من بديل، وهو حتي يفعل ذلك يشعر بأنه يريد أن يخلو لنفسه، يريد حالة من صفاء أو تأمل بعد أن تصبح كل الحقائق واضحة أمامه.. ثم يمتحن ويختبر ويتأمل فترة في اختياراته ربما يفعل ذلك وهو يلعب الجولف، أو وهو يعوم، أو وهو علي ظهر مركب شراعي كما فعل بوش في أزمة الخليج، لكن قراره يتم صنعه في مكان آخر.

.......................... "الأستاذ هيكل" بدأ ممارسة رياضة الجولف في منتصف السبعينيات تقريبا.. وهو ـ ومنذ ذلك الوقت ـ يداوم عليها بلا انقطاع، ويشعر بقيمتها العميقة وعدت أسأله: كيف بدأت ممارسة الجولف؟

ــ فأجاب: بعد أن كنت ألعب التنس بدأت أشعر بأنه يتعبني، وربما أن هذا الأمر له علاقة بالسن. وعندما كنت في الأهرام كان التنس أفضل لي لأنه يتطلب وقتا أقل وكان من الممكن أن تلعب التنس وتذهب إلي عملت مباشرة، إذ يكفي منه نصف ساعة أو 35 دقيقة، وبعد أن تركت الأهرام بدأت ألعب الجولف ربما لأنني شعرت بأن التنس أصبح لا يناسبني، أو ربما لأنني شعرت بأنني لا أحتاج السرعة أو سرعة رد الفعل، ربما أنه أصبح لديّ وقت أطول، ولم أعد أسهر كثيرا في حين أنني كنت أضطر للشهر وأنا في الأهرام، وكان مديرو التحرير لهم الحق في إيقاظي في أي وقت لأمر يرونه ضروريا.

<< وهل كنت تجد الوقت للرياضة دائما مهما كانت مشاغلك؟

ــ ولهذا السبب كنت ألعب الرياضة دائما مبكرًا، فأنا أشعر بأنه لا ينبغي أن يقطع ما يخصني شخصيا من وقت عملي.

<< هل تعتبر الرياضة شيئا شخصيا إلي هذا الحد؟

ــ الرياضة ضرورة ولازمة للإنسان لزوم الأكل والنوم، وأنا أحاول أن أجعلها خارج وقت التزامي العام لا تطغي عليه، ولا تأخذ منه، ولا تخصم وأذكر أنني في كل مكان اشتغلت فيه كان الناس يضبطون ساعاتهم علي موعد دخولي في الثامنة صباحا، وإلي الآن مازالت أفعل هذا الأمر.. ومازلت أدخل مكتبي في نفس الوقت وأنا لا أريد شيئا أن يأخذ من الوقت المقرر لمكتبي، وأنا لا أريد أن أقطع فترة عملي وأخرج لأعمل أي شيء آخر مهما كان لازما.

<< هناك تصنيف شهير بتقسيم الرياضة نصفين: الأول رياضات أثرياء، والثاني رياضات شعبية.. وتم تصنيف الجولف ضمن رياضات الأثرياء.. فما رأيك في هذا التصنيف؟

ــ الجولف ليست رياضة أثرياء كما يتصور الناس، ورغم أنني أعرف أنها مصنفة هكذا فإنها ليست كذلك، ولا أري أن تكاليفها في النهاية كبيرة جدا، وأنا عندما أحسب مصروفاتي الشخصية ما هي؟ أجدها لا شيء سوي الجولف تقريبا، فأنا لا ألعب القمار، ولا أشرب، ولا أحب السهر كثيرا، ويكاد يكون الجولف هو الشيء الوحيد الذي أفعله لنفسي، وقد أشتري قميص جولف.. بلوفر.. حذاء، ومع هذا فأنت في أي رياضة أخري تشتري نفس الأشياء، صحيح أن تجهيزات الجولف أغلي من الباقين لكن أرقامها ليست خيالية.

<< هل تعتقد أن تصنيف الرياضة بين رياضات أثرياء ورياضات شعبية تصنيف صحيح؟

ــ أنا لا أري ذلك، وهناك من يحبون رياضة المصارعة، وهناك من يجبون رياضة الملاكمة، وفي اعتقادي أن كل اختيار لنوع معين من الرياضة متفق بشكل، أو بآخر مع مزاج صاحبها ورؤيته للأشياء، هناك بالطبع تكاليف لكل رياضة، وهناك رياضات لا تتكلف شيئا مثل الكرة الشراب التي يلعبها الأطفال في الشوارع.. بالطبع هناك محاذير ولست ساذجا أن أتصور أن أي رجل في أي قرية مصرية يمكن أن يلعب الجولف، تمامًا مثل أن أي رجل في أي قرية مصرية يمكن أن يقرأ كتابا، وهناك بالقطع تفاوتات بين الناس في درجة الاستعداد، وفي درجة الكفاءة وليس التفاوت بالميلاد، أو بالملكية إطلاقا.. وقد يكفي أن اقول إن أكبر أغنياء مصر لا يلعبون الجولف، بل لا يلعبون الرياضة ولا يقتربون منها، وهم مشغولون جدا بجمع المال، ولهذا ربط الرياضة بأثرياء وفقراء تصنيف غير صحيح.

<< هل تري أن الرياضة جزء حقيقي من نسيج أي مجتمع مثلها مثل السياسة أو الاقتصاد؟

ــ إذا لم تكن كذلك لابد أن تكون، ولا يجب أن تكون من نسيجه، بل ينبغي أن تكون جزءا من حياته، وأعتقد أنها مثل الثقافة بالضبط، ومن الضروري هنا أن أقول إنك إذا لم تساعد قدر ما تستطيع علي لياقة مجموعة جسمك، وهو في النهاية الحامل لكل ملكاتك ومواهبك وعلمك واستعدادك وكفاءتك، فأنت في هذه الحالة تصنع غلطة كبيرة، فالجسم مثل حاملة الطائرات، وتصور أنك أتيت بمليون طائرة ووضعتها فوق حاملات قديمة متهالكة وغير قادرة، واطلب منها أن تؤدي مهمة فماذا ستكون النتيجة؟ مهمة فاشلة.

<< لو انتقلنا إلي مستوي آخر للرياضة وهو يتعلق بالفرق الوطنية لكل بلد. هل تري أن مستوي أداء هذه الفرق يعكس ظروف المجتمع الموجود فيه؟

ــ للأسف الشديد أنا لست متابعا لما يجري، أولادي لديهم اهتمامات كبيرة في هذا الاتجاه، وهم يتابعون دوري الكرة المصري وما يحدث في الخارج أيضا بينما أنا قليل الاهتمام، وربما أختلف في هذا عن السواد الأعظم للشعب المصري، ونادرا ما أجلس لأشاهد مباراة في كرة القدم.

<< ألست "أهلاويا" أو "زملكاويا"؟

ــ أنا لا أهلاوي ولا زملكاوي، ولست مصنفا حزبيا كرويا في هذا الاتجاه، إنما كنت قديما عضوا في النادي الأهلي وهذا موضوع آخر، وكما قلت أولادي لهم اهتمامات عميقة بالكرة وجميعهم أهلاوية ولا أعرف السبب في ذلك!.

<< إذن أنت لست منتميا؟

ــ لأنني لست مهتما.. وقد يكون هذا قصورا مني، لكنني أفرق دائما بين الرياضة وبين ممارسة الرياضة عن طريق الاحتراف وأنا أقول إن الرياضة مسألة في منتهي الأهمية لبناء المجتمع، قد تكون هناك قضية أخري يهتم بها غيري، أما القضية الأولي عندي فهي قضية اجتماعية سياسية، القضية الثانية: قضية اختيارات مثل قضية الدولة ومن يمثلها؟ المجتمع ومن يمثله؟ الفرق وماذا تفعل؟ المتعاطفين معها والمتحمسين لها.. وهذه كلها لست داخلا فيها، وبالتالي معلوماتي عنها ضعيفة جدا.

<< ألا تعرف مثلا من كان نجم كرة القدم في الستينيات؟

ــ أنا أعرف صالح سليم لأنه صديقي.

<< ألا تعرف أحدًا من جيل التسعينيات؟

ــ إذا ترددت أسماؤهم أمامي يمكن أن أتذكرهم.

<< لكنك لا تعرف أحدًا بعينه؟

ــ أنا أعلم أن نجوم كرة القدم في مصر اليوم لا يقلون أهمية ولا شهرة عن نجوم السينما وأشاهدهم في الإعلانات، وأنا أقدر أهميتهم في المجتمع، لكنني لست متابعا لذلك، وفي اعتقادي أنه لو كان الجسم مثل حاملة الطائرات فإن العقل أيضا مثل الحاملة.. حاملة واعية لأشياء كثيرة ولها طاقة معينة، وإذا أردت أن تضيف جديدا فلابد أن تستبعد من القديم. ومن الضروري أن أقول إنني في مراحل معينة من حياتي اهتممت بالأدب واهتممت بالسياسة واهتممت بالفن واهتممت بالرياضة فيما يتعلق بشخصي، وفيما يتعلق بها كمسألة اجتماعية مهمة في المجتمع، لكنني في الوقت الذي اهتم فيه الناس بمباريات الكرة وخناقات مباريات الكرة كنت أنا مهتما بصراعات الرأي، وأنا علي استعداد أن أقول إن جزءا كبيرا جدا من الاهتمام بالكرة هو بديل وتعويض عن الاهتمام بالسياسة، وأن النوادي تحولت إلي أحزاب سياسية، بما فيها من أفكار واتجاهات.

<< هل تحولت ملاعب الرياضة إذن إلي مجال للتنفيس عن الرغبات السياسية؟

ــ كل انسان في الدنيا لابد له بشكل ما، وبطريقة ما أن ينحاز.. طبيعة الإنسان أن ينحاز ويختار شيئا معينا.. والانحياز ضرورة له.. المهم أن يكون الانحياز صحيحا. وأقول إنه في وقت من الأوقات زمان كانت هناك قضية الاستقلال، والتوجهات الاجتماعية.. وكانت القضايا واضحة وكان الناس ينحازون.. وكننت تجدهم إما سعديين، أو وفديين، أو إخوان مسلمين أو شيوعيين، وكانت هناك صراعات، وكان هذا مجال انحياز الناس، وعندما ابتعدت السياسة عن أذهان الناس لأسباب طويلة لا يتسع المجال لذكرها الآن، بدأت نزعتهم إلي الاختيار والانحياز تتجه اتجاها آخر، وهناك بعض الدول شجعت علي صرف الشباب عن السياسة إلي الاهتمام بنوادي الكرة والصراعات فيما بينها، لأنها تدرك ـ وهو إدراك سليم ـ أن الانحياز نتيجة للاختيار والتعصب لشيء والانتماء له بشكل أو بآخر والوقوف بجانبه والدفاع عنه، غريزة اجتماعية ضرورية ومطلوبة.

<< لم تصبح أهلاويا ولا زملكاويا رغم أنك كنت قريبًا من قمة السلطة السياسية في مصر بعد الثورة.. وكان جميع المسئولين أصحاب انتماء وأصحاب انحياز.. وتردد أن الرئيس جمال عبدالناصر كان أهلاويا والمشير عبدالحكيم عامر زملكاويا..

كيف؟

ــ أنا أظن أن جمال عبدالناصر كان مهتما بالأندية أو بالرياضة من وجهة النظر السياسية، وأن هذا جزء مكمل وضروري لبلد يتصارع سياسيا مع قوي كثيرة في عدة مجالات بما فيها مجال الرياضة، ومجال الرياضة كان المجال الخير الذي يمكن أن تتواجد الصراعات فيه، وبالتالي كان عبدالناصر يهتم بمن يعبر المانش، وبمباريات الكرة في أفريقيا، وكان ينظر لها كسفارات في واقع الأمر غير ذلك أنا لا أتذكر أنني سمعته أنه يأخذها كمسألة ناد ضد ناد.

<< وانحيازه لناد معين؟

ــ أنا لم أشعر بأن له انحيازا واضحا.. انحيازاته في واقع الأمر كانت متجلية في أشياء أخري مختلفة، أما عبدالحكيم فقد سمعت أنه منحاز للزمالك.

<< وما هي رياضته المفضلة؟

ــ الرئيس عبدالناصر كان يمارس رياضة المشي، ولعب التنس مرات، وكان يعوم كنوع من الترفيه في الإجازة.

<< يقال إن تحديات هذه الفترة جعلت المسئولين يعطون كل وقتهم للعمل ولم يكن هناك مجال للرياضة فهل هذا صحيح؟

ــ بشكل أو بآخر، نعم، وفي حالة جمال عبدالناصر مثلا كانت حياته كلها داخل مكاتب وداخل غرف، أو بين الناس، وربما كان هؤلاء الناس يفرضون عليه نوعا من الرياضة دون إرادته عندما كانوا يصافحونه ويحتضنونه، وهذا كله جهد بدني، وأذكر أنني رأيته في بعض المرات وكان جسمه كله مجرحًا من كثرة ما أمسك به الناس.

<< من لقاءاتك الكثيرة مع زعماء وقادة العالم.. هل تري أنهم يحرصون علي ممارسة الرياضة؟

ــ أنا لم أر أحدا لا يمشي مسافات طويلة.. حتي أينشتاين علي سبيل المثال كان يهوي المشي للغاية، وأذكر أنني عندما كنت أتكلم معه أوائل عام 1953 جلسنا معا لفترة قليلة، وفجأة قال لي: "هيا نمشي معا"، ومشينا في المتنزهات المحيطة ببرنستون لأكثر من ساعة وربع الساعة، لكنني لم أر إنسانا كسلانا مثل كيسنجر، فأقصي ما يفعله هو الذهاب لعمل مساج، وهو لا يريد أن يمارس الرياضة بل يريد أن يتربص أحد فيه، وكان يعشق مشاهدة مباريات كرة القدم.

....................... حالة نقاء وصف الأستاذ هيكل رياضة السباحة بأنها رياضة جميلة يستطيع من يمارسها أن يفكر في أشياء كثيرة.. وهو يقول عندما تنزل الماء تجد نفسك تشعر بحالة نقاء.

أقدم عضو رقم عضوية الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في نادي الجزيرة تحمل رقم 600 وهو يعد من أقدم أعضاء النادي حاليا وقد جاء اشتراكه في نادي الجزيرة عندما كان رئيسا لتحرير مجلة "آخر ساعة"، وكان الإنجليز في ذلك الوقت مازالوا يتولون إدارة النادي.

رياضة وحشية الأستاذ هيكل قال إنه يشعر بحالة من الحساسية من رياضة الملاكمة، وهو يراها رياضة وحشية، ورغم ذلك هناك من يحبونها.. لأن مثل هذا الأمر ـ في رأيه ـ خاضع للأمزجة والإيقاع النفسي لكل إنسان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق