عميد الإعلام المصري والعربي.. فهمي عمر في حوار الذكريات مع "الأهرام الرياضي"
عماد محجوب
12
125
.. عندما تستمع إليه يأخذك صوته الرائع عبر خزائن الأسرار والكواليس التي صاغت أعظم لحظات ونجاحات الإذاعة مع الرياضة المصرية ويضيء في ذات اللحظة الطريق نحو المستقبل.. الخال فهمي عمر ليس مجرد رائد إعلامي وإنما هو موسوعة من القيم والأخلاقيات في التاريخ. الحوار مع الخال يستأهل بذل الجهد.. ولكنه اختار لنا شرفًا وتكريمًا خاصًا بزيارة "الأهرام الرياضي" والتجوال بداخلها وكأنه يتفحص الفارق بين الأجيال في محيط الصحافة والرياضة من تحاوره مع كثرة من الزملاء وسط حفاوة هائلة من رئيس التحرير ثم تجوال بين الأقسام إلي صالة التجهيزات وهو في حالة حوار دائم حول كثير من التفاصيل في إلمام رائع بالفنيات والأساليب ويستمع في إنصات واهتمام.. ويجيب في براعة ورشاقة ويستحضر التاريخ والأسماء والمعلومات والتواريخ في سهولة ويسر وعلي مدي يزيد علي الساعة جري الحوار:

<< الإعلامي القدير والرائد الإذاعي فهمي عمر.. هل فقدت مصر ريادتها وقدرتها علي صياغة الفكر والعقل.. وهل تطول غيبة الإعلام الرسمي؟

ــ مصر لم ولن تفقد مكانتها وتأثيرها في العقول والقلوب من المحيط إلي الخليج وتأثيرها سيظل باقيًا في محيطها الإقليمي والعالمي أيضًا.. وما نعيشه من تراجع علي كل المستويات وفي شتي الأنشطة إنما هو مجرد فترة لا أحسبها ستطول لأن مصر لا تغيب عن صناعة التاريخ وصياغة مستقبل الإنسانية من خلال موقعها في الريادة والقيادة بالفكر والإبداع.. والإعلام المصري في قلب الأحداث فقد ولد عملاقًا وفذًا في كل الاتجاهات ولديه ذخيرة من الخبرات الهائلة والكفاءات النادرة ويمتلك رصيد البدايات ومنه يستطيع أن يعيد بناء القواعد التي ينهض عليها ويقفز نحو المستقبل وينطبق هذا علي الإعلام وأيضًا الرياضة ومنه إلي شتي المجالات وتلك هي مصر التي لا يمكن أن تغيب. .. كل المظاهر ومشاهد التخبط ستزول وينتهي الصخب والضوضاء إلي الهدوء والاستقرار وستعلو قيمة الإبداع الحقيقي في العلوم والفنون وأيضًا الإعلام والرياضة لأن مصر دولة كبيرة ولها قيمة.. ولذا تتأثر بالهزة ولكنها دائمًا قادرة علي العودة أقوي مما كانت لديها فيض من المواهب والقدرات المتميزة.

<< ارتبط باسمك الإعلام والتعليق الرياضي والذي كان سببًا مباشرًا في شعبية كرة القدم المصرية وجماهيريتها الطاغية.. فكيف كانت البدايات؟

ــ ليس من الدقة أن نقول إن عام 1934 شهد بداية نقل الأنشطة الرياضية عبر أثير الإذاعة.. ولكن المقطوع به أن المهندس محمود بدر الدين هو رائد التعليق الإذاعي والذي جذب أسماع الملايين إلي الاهتمام ومتابعة كرة القدم وفهم قواعدها وكأنهم يشاهدونها من داخل الملعب.. ولا نستطيع أن نحدد تاريخ أول مباراة، ولكن المؤكد أن نهائي كأس الملك فاروق كان منقولاً علي الهواء.. وبعد الحرب العالمية الثانية في 1945 زارت مصر فرق مثل رابين النمساوي لتخوض مباريات كرة القدم أمام منتخبات تمثل القاهرة والإسكندرية وربما قطاعات أخري.. كل هذا قبل بداية مسابقة الدوري العام.. وكان التعليق خلالها يقدم الرياضة بقيمها النبيلة مع إزكاء الشعور الوطني والالتفاف حول فريق يمثل قطاع من شبابها.. وحققت التجارب الأولية للإذاعة نجاحًا هائلاً من خلال المعلق الأوحد محمود بدر الدين.

<< ماذا عن عمنا الكابتن لطيف؟

ــ في أواخر الأربعينات حصل المنتخب العسكري لكرة السلة علي بطولة وأدهش أوروبا بعروض رائعة وحصل علي المركز الثالث في بطولة العالم، وكان محمد لطيف ضابطًا بالقوات المسلحة برتبة المقدم ويسافر مع فرقها بحكم عمله بجهاز الرياضة، والنتائج الرائعة للفريق أجبرت المسئولين علي متابعة المباريات عبر دائرة تليفون حملت أيضًا صوت الضابط الشاب الذي أبدع وتألق وجذب اهتمام الناس إلي نجوم العالم المصريين: حسين منتصر، الرشيدي، طه الفرفواني، يوسف عباس، مدحت يوسف، يوسف أبوعوف، واليونانيين السكندرية الجدعان: كتاتاجو، زوزوهراري، لولو.. عرفتهم مصر كلها بصوت محمد لطيف دون أن يقدم نفسه أو تاريخه الطويل مع كرة القدم في كل عناصر لاعبًا وحكمًا وإداريًا بالزمالك والمنتخب.. وبقي علي حالته هذه حتي عام 1954 عندما تولي رئاسة الإذاعة الإعلامي محمد نبيل حماد وأخذ بها منحي جديد بنقل مباريات كرة القدم خاصة الأهلي والزمالك خارج القاهرة بمتابعة شوط للأحمر والآخر للأبيض لأن المباريات كلها كانت تنطلق في توقيت واحد وكانت الإذاعة تتابع النتائج هنا وهناك أولاً بأول فيما يتعلق بتغير النتائج أو إحراز أهداف، والمتابع يستمتع بالخدمة في كل الاتجاهات.. وفي هذا تألق الكابتن لطيف

. << كيف كانت البداية؟

ــ كنت أعرفه من خلال نادي الزمالك وأردت أن أطرح عليه فكرة التعليق علي كرة القدم إلي جانب السلة.. فقال أرجو وأتمني فهي لعبتي.. أما السلة فكانت بحكم العمل.. وبعدها انطلق لطيف، وكان دائم الاطلاع والقراءة والبحث في شتي المعارف والثقافات حتي يستطيع أن يملأ المساحة الزمنية وأن يكون دائمًا لديه الجديد والفريد من المعلومات دون أن يبتعد عن الأحداث التي تدور أمامه في الملعب وركز باهتمام رائع في قواعد اللعبة وقانونها وفنياتها وزاد كثيرًا في أخلاقيات الرياضة وقيمها.. وكثرت المباريات واتسعت دائرة نقل المباريات ومساحاتها الزمنية وتوزعت بين الملاعب والمحافظات، وأقبلت عليها الجماهير بقوة قائلة وغير مسبوقة مع الكابتن لطيف.

<< ما أهم مقومات نجاح المعلق الرياضي؟

ــ الفهم الواسع والإدراك العام والثقافة إذا أضفنا إليها النجومية في اللعبة علي المستوي الدولي مع الموهبة فإننا أمام حالة فاعلة وموثرة في المتلقي.. وذات يوم دخل إلي أحد معاوني "أحمد عبدالفتاح" وقدم لي شريط كاسيت عليه وصف وتعليق علي أحد المباريات بصوت ميمي الشربيني نجم الأهلي والمنتخب وبعد دقيقتين فقط أوقفت الكاسيت مبهورًا ومعجبًا بأداء الشربيني واعتمده فورًا ومعه حقق التعليق الرياضي نقلة هائلة في المستوي والأدوات من خلال غزارة المعلومات ودقتها وكل ما يتصل باللاعب والنادي، واستطاع أن يؤثر بقوة في كل المعلقين الآخرين ودفع بعضهم إلي التحضير للمباراة وترتيب ذهنه للمواقف المحتملة خلالها وحقق من خلال التعليق قدر رائع من النجومية علي المستوي المصري والعربي.

<< تردد كثيرًا أنك اعتمدت الراحل علاء الحامولي معلقًا دون اختبار في حين رفضت نجوم آخرين وأبعدتهم عن الميكروفون؟

ــ الواقعة صحيحة.. كنت جالسًا مع أسرة داخل نادي الزمالك في أحد أيام شم النسيم، وكانت هناك مباراة ترفيهية بين النجوم الكبار والشباب وسمعت عبر الإذاعة الداخلية صوت وأداء ووصف تفصيلي رائع للمباراة يلهب حماسة السامعين دون إسفاف ويقدم تحليل دقيق وقراءة للأفكار الكروية لدي اللاعبين.. فسرت باتجاه الصوت دون أن أعرف صاحبه.. ودخلت الملعب وأمسكت به.. علاء الحامولي نجم الزمالك والمنتخب متلبسًا بالميكروفون وقلت له: "يا ابن الإيه.. أنت نجحت في اختبار المعلقين.. قابلني غدًا في ماسبيرو". .. أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال فقد أخفق في الاختبار أمام الميكروفون أعز أصدقائي وأحبابي مثل المرحوم رأفت عطية وعباس لبيب لأنهم لم يصمدوا في اختبار الصوت أو لم يقنعوا.. وقدمت رأفت في مباراة للترسانة وترك مكانه ولم يعد إليه ثانية.. وكان المهندس عثمان أحمد عثمان من أعز أحبابي.. وجاءني خصيصًا ليحدثني عن أحد أبرز نجوم الدراويش "أبطال أفريقيا" ولكنه لم يكن يحمل مؤهلاً عاليًا.. فسألت المعلم هل تسمح بشخص غير مؤهل هندسيًا بالإشراف علي أحد مشروعاتك فرد علي: غلبتني، فأوضحت له أن المهمة تحتاج إلي قدر كبير من الثقافة والمعرفة حده الأدني المؤهل العالي وبعدها تستكمل الثقافة العامة والمعلومات التخصصية بالقراءة والاطلاع.. كل هذا لازمًا وضروريًا مع النجومية والخبرة الرياضية.. وبهذه المعايير قدمنا عبر الإذاعة ثم إلي الشاشة نجوم رائعين في قيمة الراحل العظيم عادل شريف (زوج السيدة سامية صادق) للتعليق علي التنس وكان واحد من البارزين علي مستوي العالم وجذب ملايين المصريين إلي الشاشة والميكروفون ببراعة ومعلوماته وهدوءه وأداءه المثالي.. فأين كل هذا مما نعيشه الآن؟!

<< تركز اهتمامكم علي القطبين ونجومها وغابت الأقاليم؟

ــ أدرك المغزي من السؤال.. فعندما زادت السخونة في المنافسات بحثنا عن معلقين محايدين.. فكان العميد إبراهيم الجويني والذي اكتشفه الإعلامي الراحل حافظ عبدالوهاب (مكتشف عبدالحليم حافظ والذي أعطاه اسمه) وكان وقتها يدير إذاعة الإسكندرية وخلالها استعان بالجويني ليعلق علي أنشطة ومباريات القوات البحرية بصوت رائع وأسلوب جديد ومذاق فريد ومعلومات لا نهاية له فقد انخرط في السلك الرياضي والكروي علي كل المستويات وخاض الأحداث وشارك في صنعها وكان حاضر الذهن بالمعلومة المدققة.. وأخذناه من الإسكندرية وحملناه المسئوليات الجسام وقام بها علي خير وجه، ورفع عن محمد لطيف كثير من الحرج رغم أنه لم يخطأ في الأصل ولكنه أصبح محملاً بأعباء كبيرة بحكم مسئوليته عن البرامج الرياضية في التليفزيون.. ومع ذلك بقي اعتماد المعلقين من خلال الإذاعة وهي التي تعدهم وتقدمهم للتليفزيون وتراقب أداءهم وتتابعهم وتعد التقارير وتوقع الجزاءات أيضًا وتقدم الملاحظات.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق