الحوار يتواصل مع فهمي عمر (2): عاقبت عفت وزيوار ورفضت وساطة البقال
عماد محجوب
12
125
الاستماع إلي الخال فهمي عمر يثير دائمًا الشجون برخامة الصوت ودقة المعلومات.. وأيضًا كثرتها ولأن أحاديث الذكريات تأخذنا إلي المستقبل وتدلنا إلي طريق النجاح في شتي نواحي الحياة.. ومن باب أولي رقي الإعلام وارتقاء الرياضة:

.. في الحلقة الثانية من حوار الرائد الإعلامي الكبير مع "الأهرام الرياضي" نواصل الإبحار مع التعليق الرياضي الذي صنع شعبية كرة القدم في مصر والوطن العربي حتي تحولت إلي صناعة يدور في فلكها الملايين وتضخ فيها استثمارات بعشرات المليارات سنويًا.. وهو منحني خطير يشير إلي انسحاب اللعبة وتحولها من معشوقة مئات الملايين من البسطاء حول الأرض إلي سلعة تسيطر عليها مؤسسات وهيئات متعددة الجنسيات فضلاً عن المافيا.. وحتي لا تختلط الصورة نعود مع الأستاذ إلي رحلة البدايات.

<< تألمنا لرحيل الثنائي الرائع حمادة إمام ومحمود بكر وكلاهما شكل قامة ممشوقة في عالم الساحرة المستديرة زمنًا.. وبقي أزمانًا أمام الميكروفون وعلي الشاشة مبدعًا.. فكيف كانت رحلتهما؟

ــ كلاهما حقق بطولة الدوري وتألق مع المنتخب الوطني والعسكري.. كما كانا ضابطين بالقوات المسلحة وتمرسا كثيرًا في سلك الإدارة الرياضية في ناديي الزمالك والأوليمبي ولديهما فهم عميق وخبرات هائلة في اللعبة وجماهير الكرة تعرف قدرهما وقيمتهما وما ينطقان به يخرج من مخزون خبرات ومعرفة ومعلومات وبالتالي لا يحتاج إلي سجع ركيك وتكرار لنهائيات الحروف في موضعها وغير موضعها لاصطناع موسيقي صاخبة تمتزج بالصراخ والعويل. .. جاءني من يفاتحني في إلحاق حمادة بالإذاعة فقلت يدخل الاختبار.. وجاءني ودون أن أعطيه أي انطباع تابعته بدقة ونجح في ثلاث أو أربع دقائق وأمرت بإيقاف التسجيل دون أن نكمل الاختبار لأن كل شيء كان واضحًا أداءً وأسلوبًا ومفردات وصوتًا.. ثم جاء محمود بكر وقبلها كان عقيدًا بالقوات البحرية ولديه انضباط والتزام فضلاً عن خفة الظل.. واعتمدته اللجنة في ذات اليوم ومثلما حدث مع حمادة طالبتهما بالحضور في اليوم التالي لبدء مهمة التعليق عبر أثير الإذاعة.. وكان لكل منهما (رحمهما الله) أسلوبه الخاص وطعمه المميز دون أن يقلد أي معلق آخر.. والالتزام بالأداء النموذجي المطلوب بدون صراخ علي هدف جاء أو فرصة ضائعة علي طريقة التعليق الإنجليزي الرصين، وكانت أسماؤهما ونجوميتهما محل إقناع وثقة الجماهير.

<< كيف تقيّم مدرسة كل منهما؟

ــ حمادة إمام المعلق شديد الشبه باللاعب الماكر الساحر الذي يصل إلي المرمي ويسجل ببساطة ويسر دون أن يستطيع أحد الإمساك به في غلطة أو هفوة أمام الميكروفون، كما كان لاعبًا ملتزمًا ومهذبًا لا يعترض علي حكم أو يرتكب خطأ شديدًا أو قاسيًا ضد منافسه وكذلك في التعليق والتحليل مهذب ورائع متميز حتي وهو ينتقد أو ينتقد بلا إساءة. .. وتميز بكر بأسلوبه المتزن ومعلوماته.. فكان المعلق الأول الذي يجيد قراءة طريقة اللعب من اللحظة الأولي وهو يعلن التشكيل، ويقدم للمشاهدين سيناريو الشوط كاملاً وأهم الأخطاء ونتائجها وأيضًا توقع التغييرات وغير ذلك من أخطاء الأجهزة الفنية وصولاً إلي النتيجة.. أما طرائفه في الخروج عن النص أحيانًا بكلام مفيد يشكو أزمة أو خطأ في الأجهزة المعاونة ويعرض من خلال الميكروفون لمتاعب الناس باحثًا عن حل لها مع المرور وأجهزة الأحياء والمحافظات وصولاً إلي خفة ظله وهو يداعب اللاعب أو المدرب بأسلوب مهذب وبلا إساءة وهي مزايا وخصائص لا يحق لأحد تقليدها لأن المبدع يجب أن يكون مجددًا لا مقلدًا..!

<< توسط لديك عبده البقال لرفع العقاب عن علي زيوار في واقعة شهيرة وبعدها شددت علي الراحل أحمد عفت في خلافه مع الكابتن لطيف؟

ــ دعنا نعد إلي عِبَر التاريخ في التعامل والإدارة والبحث عن القيمة.. فقد كان علي زيوار قامة راسخة في عالم كرة القدم فهو مدير الكرة الوحيد في التاريخ الذي كانت الجماهير تقف له احترامًا لقوة شخصيته.. أكثر من 30 ألف مشجع في خشوع وترانيم هادئة لتهتف باسمه.. وكنت أغلق الميكروفون حتي لا يتسرب الصوت إلي الملايين عبر الإذاعة.. وذات يوم جاءني للاختبار مرة واثنتين.. ثم في ثالث مرة.. وبعد عمل اللازم تم اعتماده، وانعكست شخصيته القوية علي أدائه وإقناعه بصوت متميز.. وفي إحدي المرات ارتكب خطأ لفظيًا (عندما قطع أحد اللاعبين الكرة بمؤخرته) ونطق كلمة بالعامية وكنت جالسًا إلي جواره.. ولم أنظر إليه، أو أشعره أنني سمعت الكلمة الخارجة لكي يكمل المباراة ولا يتأثر بالخطأ ونفقده للأبد، وكتبت تقريرًا بالواقعة وتركته بمكتب الأستاذ عبدالحميد الحديدي في مساء اليوم نفسه ولم يكن موجودًا.. وذهبت صباح اليوم التالي للقائه حيث يصطحب زوجته إلي عملها بإحدي المدارس قرب باب اللوق ثم يتناول القهوة ويتصفح الجرائد قبل أن يتجه إلي مكتبه بالإذاعة، فدخلت عليه وأخبرته بالواقعة وكيف نخرج من الورطة فسألني وهل قطع اللاعب للكرة بهذه الكيفية تعتبر مخالفة لقانون اللعبة.. فابتسمنا وأدرك أن المقصود شد أذن الكابتن زيوار.. فلم أكلفه بمباريات ثلاثة أسابيع متواصلة (وكان هذا غريبًا عليه) فجاءني عبده البقال (كشاف الأهلي الأشهر) وكان صديقًا وحبيبًا لكل الوسط الرياضي وقابلته بترحاب ثم طالبني بالعفو عن زيوار.. فواصلت إبعاده لعدة أسابيع ليعلم أنه لا وساطة في العمل وأن الخطأ لا يقبل التكرار ثم عاد وواصل تألقه وكان ــ رحمه الله ـ قريبًا من قلبي ونفسي وأحدث حالة من الإمتاع لدي جماهير الكرة خاصة وهو يقدم لها الرائع والخطير محمود الخطيب من بداياته ومعه حققت الكرة نقلة علي المستطيل الأخضر وعبر الميكروفون أيضًا.

<< شددت عليه لأنه ينتمي إلي المعسكر الأحمر بالمخالفة لانتمائك للأبيض؟

ــ ضحك الأستاذ وأجاب: تعلم أن هذا غير دقيق لأن الخطأ نفسه وقع فيه الراحل علاء الحامولي وتم عقابه أيضًا بذات الكيفية.. أما إذا أردت التدقيق فإليك ما حدث مع الراحل أحمد عفت الذي دخل غاضبًا علي الكابتن محمد لطيف في التليفزيون وقال له بصوت مرتفع: "أنا مش واخد حقي ولا أعلق علي مباريات إلا فيما ندر" وفي اليوم التالي جاءني: "صباح الخير يا خال.. أنا لي أسبوعين لم أعلق" فقلت له وكمان أسبوعين تلاتة من عندي يا عفت عشان تعرف كيف تخاطب الكابتن بتاعك.. وكيف تحترم قيادة العمل.. اذهب واشكوني إلي رئاسة الجمهورية.. إذا شئت وريني شطارتك ولا تدخل مكتبي مرة ثانية.. فأسرع إلي الكابتن لطيف وقبل رأسه وهو يرجوه أن يتوسط له عندي كي أسامحه.. وعفوت عنه لأن القيم والاحترام والالتزام أساس العمل الإعلامي والتعليق علي الأحداث الرياضية ومباريات الكرة علي نحو خاص لأنها تؤثر مباشرة في سلوكيات الملايين من الجماهير التي كانت تجلس بجوار بعضها في أمان وحول الملاعب في بعض الأحيان بلا خوف أو قلق.. الآن أصبحت الدماء تسيل ويتساقط الضحايا بفعل التعصب الذي يعود جزء كبير منه إلي خطايا الإعلام والمعلقين..!

<< لديكم نظرة نقدية رافضة للجديد في هذا المجال؟

ــ فقاطعني بالإجابة: لا أحد يستطيع أن يرفض الجديد والتغيير لأنه سنة الحياة.. ولكننا نرصد الظواهر المحيطة بنا.. الدولة وكبار المسئولين تخشي من عودة الجماهير للمدرجات بعد حالة الغليان والفوران في شتي الملاعب بدون سبب أو منطق أو مبرر ولكي نقرب الصورة للأذهان.. راجع التعليقات علي المباريات القديمة.. وانظر كيف كان لطيف يغضب ويثور لهتاف "شيلوا الرف" ويعتبره منتهي سوء الأدب والأخلاق وقمة التجاوز والانحراف وقارنه بالألفاظ النابية التي اقتحمت البيوت في السنوات الأخيرة.. قبل أن تسيل الدماء في ملعب بورسعيد ثم استاد 30 يونيو.. استمعوا إلي صوت الراحل حسين مدكور الذي كان ضابطًا بالقوات المسلحة أيضًا في الخمسينيات واختطفناه إلي الإذاعة، وكان تربويًا يعرض للقيم والأخلاقيات باعتبارها جزءًا أصيلاً من ثقافة وفكر كرة القدم وهي دعوة للمحبة والصداقة والسلام مع كل الزملاء بمختلف الألوان.. وبرع علي نحو خاص في المنافسات العربية فكان ودودًا مع الأشقاء مقربًا بين الشعوب بلا نعرة التعصب والصراخ لأنه يؤمن بوحدة الوطن وشعوبه مصيرًا ومستقبلاً.. فأين هذا مما رأيناه وعايشناه.. وكان معلقونا قمة في القيمة وهم يتناولون المباريات الأفريقية يعرفون جيدًا أسماء المدن وثقافة شعوبها وأهم المدن والموقع الجغرافي وتعداد السكان والنشاط الاقتصادي.. وبعد ذلك تسألني عن الأجيال الجديدة؟.. لقد سألت أحدهم في اختبار للمعلقين عن عاصمة أوغندا ولم يستطع الإجابة.. وآخر لا يعرف موقع تشاد.. بل وأحدهم لا يعرف أسماء ثلاث مدن في السودان الشقيق..!

< في الحقة الأخيرة يعرض الأستاذ والمؤرخ الإعلامي فهمي عمر لما يدور خلف ميكروفون الجزيرة وما رآه بعينيه.. ورأيه في عصام الشوالي وزملائه.. وأيضًا رؤية للمعلقين المصريين هناك.. وللخمسين الذين قررت اللجنة التي ترأسها مؤخرًا حتمية إبعادهم ومنعهم من التعليق.. إلا أنهم مازالوا يلقون بسمومهم في عقول الناس بأمر الشركة الراعية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق