فتحي نصير يفتح صندوق ذكرياته (1 ــ 2): الفريق مرتجي أدخلني التاريخ
محمد البنهاوى
12
125
عندما ذهبت إليه في منزله وجدته محتفظًا بجميع ذكريات السنين الطويلة.. يتحدث بشوق وحماسة عن رحلته مع الكرة.. لكن الحديث يختلف حينما يذكر اسم الخطيب فالصوت يرتفع والابتسامة تعلو وجهه.. إنه فتحي نصير أحد مدربي الأهلي الكبار الذي يفتح في الجزء الأول من حوارنا معه صندوق ذكرياته المليء بالأسرار والحكايات.

<< في البداية لماذا لم تستكمل مشوارك الكروي واعتزلت مبكرًا قبل تصعيدك للفريق الأول؟

كنت طالبا بكلية التربية الرياضية، ولعبت لناشئي الأهلي وتدرجت في صفوف الفريق، حتي جاءت نكسة 1967، وتوقفت الكرة في مصر وأصبت وقتها بقطع في الغضروف، ولم يكن هناك علاج أو جراحات كما يحدث حاليًا، حيث كان يتم اللجوء للجبس، وسحب الدم باستخدام حقن لتخفيف الورم وهو ما يعني أن العلاج قد يستغرق سنوات، ووقتها استدعاني الراحل الكبير عبده صالح الوحش، وطالبني بالاعتزال والاتجاه للتدريب، وقال لي إنك ستكون سابق عصرك لأنك أصغر مدرب في مصر حيث كان عمري 19 عاما.

<< وهل وافقت علي طلبه؟

كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي، لأنني كنت أتمني الاستمرار في الملاعب، لكن توقف الدوري بسبب النكسة جعلنا لا نعلم متي سيعود، واقتنعت بوجهة نظر الكابتن الوحش الذي اصطحبني للراحل مصطفي حسين (أبوالأشبال) وطالبه بضمي لمدربي الناشئين عام 69، وساعدني الوحش في أن أكون رئيس قسم كرة القدم بالثانوية الرياضية، وكنت المسئول عن اختبار المواهب المتقدمة للثانوية الرياضية.

<< وهل تذكر أول جيل اختبرته وهل ضم أسماء لامعة من نجوم الكرة؟

بالطبع كان يضم نجوما كبارًا أبرزهم فاروق جعفر ومحمود الخواجة وغانم سلطان وإكرامي ومصطفي يونس ومصطفي عبده ومحمد صلاح وأبوليلة وأخيرًا محمود الخطيب.

<< قال الخطيب إن لك فضلا في اكتشافه في تلك الفترة فما هي قصته معك؟

في العام الثاني للاختبارات في الثانوية الرياضية، وبعد دقيقتين فقط علي بداية المران لفت نظري ولد صغير يتمتع بمهارة فنية فذة ولمسات سحرية، فأوقفت المران وطالبته بالخروج منه والجلوس علي الدكة، وأكملت باقي المران لانتقاء الأصلح، وفي وسط المران طلب مني العودة للمشاركة لكنني رفضت، وبعد نهاية المران وجدته يكاد يبكي حيث كان يظن أنني رفضته لأنني أخرجته من الاختبار، فذهبت إليه ووجدته حزينا وسألني لماذا أخرجته من الاختبار ولم أمنحه الفرصة، فسألته عن اسمه فرد باسمه كاملًا محمود إبراهيم إبراهيم عبدالرازق الخطيب، فابتسمت وقلت له إنك قبلت في الاختبار يا خطيب والتحقت بالثانوية الرياضية وكان ذلك عام 70.

<< وكيف جاء انضمامه للأهلي؟

الخطيب لمع بشدة في دوري المدارس بالثانوية الرياضية مع باقي لاعبي جيله، لكنه كان يري أنه مظلوم إعلاميًا فزميلاه فاروق جعفر والخواجة يحرزان أهدافا مع الزمالك وتنشر صورهما وأسماؤهما في الصحف، في حين أنه كان يلعب لنادي النصر ولا تسلط عليه الأضواء، وهو ما جعله يشعر بالغيرة، فوجدته يتحدث إليّ ذات يوم ويؤكد لي أنه يحلم باللعب للأهلي، لكن المصادفة كادت تجعله ينضم للإسماعيلي في هذا التوقيت.

<< كيف حدث هذا؟

كان وقتها فريق الإسماعيلي يقيم بالقاهرة بسبب النكسة، وسمع عنه أميرو، وطلب انضمامه ليلعب مباراة ودية، فلعب شوطا ثانيا مع ناشئي الإسماعيلي، وتألق وشاهده طومسون مدرب الإسماعيلي فطالب بانضمامه فورًا للفريق الأول، وأغراه طومسون بأنه سيكون لاعبًا بالفريق الأول ولن يلعب للناشئين، وكان الخطيب محتارا في ذلك الوقت، فذهب لقريبه علي الشيوي وكان مدربا للترسانة فنصحه بالانضمام للأهلي، وبالفعل ذهب للأهلي رغم أنه كان قريبا جدًا من اللعب للإسماعيلي، وكانت لي الكثير من الذكريات معه.

<< وما هي أبرز هذه الذكريات؟

الخطيب هو من دفن والدي، فكنت في السودان وقتها، وتوفي والدي، ولم يكن هناك تليفونات لكي يخطروني وعلمت بالخبر من التليفزيون، وحينما علم الخطيب قام بجميع مراسم الجنازة ودفن والدي وتقبل العزاء بنفسه في غيابي وهو موقف لن أنساه، كما أن الخطيب هو من زفني بسيارته.

<< الكثيرون يقارنون بين موهبة الخطيب وأبوتريكة فهل تتفق معهم؟

بالطبع لا.. أبوتريكة لاعب جيد لكنه لم يقترب حتي من موهبة الخطيب، فالخطيب في مكانة خاصة لم يقترب منه أحد، والجيل الحالي ظلم بعدم مشاهدة الخطيب، وأنا لم أشاهد لاعبا مصريا بموهبته، وكنت أتمني لو تواجد الخطيب في عصر الاحتراف لأنه كان سيلعب في أكبر الأندية العالمية مثل ريال مدريد.

<< وهل لمع الخطيب سريعًا وتأقلم مع الأجواء في الأهلي؟

الخطيب ولد نجمًا وسأحكي لك موقفا جمعني بالراحل صالح سليم، حيث كان مديرًا للكرة وكنت مدربا لفريق الشباب وحسمنا البطولة قبل نهايتها بثلاثة أسابيع، وجاءني صالح وطالبني بأن ينضم الخطيب ومصطفي يونس للفريق الأول للعب مباراة ودية، ولم يكن هناك دوري بسبب النكسة، فتحدثت معه وأكدت أنه مدير الكرة ورأيه ينفذ لكنني طالبته بتركهما حتي يفوز فريق الشباب علي الزمالك لتكتمل فرحته، لكنه أصر وقتها علي انضمامهما فوافقت، لكن في اليوم التالي وجدت الخطيب ومصطفي يونس موجودين في النادي، واعتقدت في البداية أنهما ارتكبا جرمًا حتي يستبعدهما المايسترو وسألتهما لماذا لم ينضما للفريق الأول، فأكدا لي أنه هو من طلب منهما البقاء في النادي للعب مباراة الزمالك دون أن يرتكبا أي خطأ.

<< وهل شاركا في المباراة؟

بالفعل أشركتهما في التشكيل الأساسي لفريق الشباب أمام الزمالك، ومع أول دقائق في المباراة تقدم الزمالك بهدف، وكانت المباراة في ملعب التتش ونظرت إلي المقصورة فوجدت صالح سليم يبتسم ويوجه لي نظرة عتاب خاصة أنني حرمت الفريق الأول منهما وشعرت بخجل شديد وقتها، لكن فزنا في تلك المباراة 7/1، وسجل الخطيب أربعة أهداف وقتها، وكان العديد من الصحفيين يحضرون المباراة وذاع صيت الخطيب بسبب تلك المباراة.

<< ولماذا لم تسأل صالح سليم عن سبب تراجعه عن قراره؟

تحدثت معه وقالي لي إنه لم يرغب في التسبب في عدم اكتمال فرحة الأولاد بالفوز علي الزمالك بعد موسم شاق بعد التتويج بالدوري، وهو ما يدل علي حكمة هذا الرجل فبعد أن اتخذ قرارًا فكر فيه ثم تراجع عنه لمصلحة اللاعبين الصغار.

<< نعود إليك خضت مشوارًا طويلا مع المنتخبات الوطنية فمتي كانت البداية؟

عام 1971 طلبني الراحل الكبير محمد حسن حلمي "زامورا" وكان رئيس الزمالك ونائب رئيس اتحاد الكرة والمشرف علي المنتخبات، وضمني لجهاز الجندي في تدريب المنتخب الوطني وكانت أول بطولة كأس فلسطين في العراق وفزنا في النهائي بهدفي علي أبوجريشة وزيزو، ومكثت من عام 71 وحتي عام 1986 مساعدًا لجميع المدربين الأجانب للمنتخب الوطني طوال تلك الفترة.

<< وهل ظللت في الأهلي وقت تدريبك للمنتخب؟

لم تكن هناك أزمة في هذا الوقت في أن تجمع بين تدريب النادي والمنتخب، فكنت مساعدًا لشحتة وكرامر وهيدرجوت ونانكوفيتشي، وفي الأهلي عملت مساعدًا لهيديكوتي، وتخرج من تحت يديّ في الناشئين العديد من النجوم مثل الخطيب ومصطفي عبده وإكرامي وثابت البطل وزيزو وغيرهم.

<< قلت إن الفريق مرتجي أدخلك تاريخ الأهلي فكيف حدث ذلك؟

بالطبع هو صاحب الفضل الأول عليّ حينما كنت ضمن جهاز الفريق الأول وكنت مقبلا علي الزواج، ومن عادة النادي الأهلي أنه لا يقيم داخله أفراحًا، ووعدني الفريق مرتجي بأن أقيم فرحي داخل النادي كأول وآخر شخص يقام زفافه داخل القلعة الحمراء في التاريخ، بشرط أن نفوز بالدوري دون هزيمة، ولا أخفي عليك سرًا أنني كنت مرعوبا في الأسابيع الأخيرة رغم حسم لقب الدوري حتي لا نخسر أي مباراة، وكان آخر لقاء مع المصري في بورسعيد، وأول ربع ساعة سجل مسعد نور هدف المصري وظلت المباراة حتي الدقيقة 90 ونحن متأخرون في النتيجة وكدت أبكي، لكن من حسن حظي أن آخر كرة كانت ضربة ركنية وقلشت من علي قدم مدافع المصري ودخلت الشباك، وجاءني الفريق مرتجي بعد المباراة وقال لي أنا وعدتك وسوف تقيم زفافك داخل الأهلي، وعلمت منه أنه كان له هدف من هذا الوعد وهو تحفيزي لأقصي درجة حتي يحصل الأهلي علي البطولة وبدون هزيمة، بالإضافة إلي تحفيز اللاعبين لأنه كان يعلم حبهم لي.

<< وهل اختلفت مراسم الفرح داخل النادي؟

حدثت أزمة في البداية حيث كان معي مبلغ بسيط وأعطيته لوكيل فنانين لجلب مطرب يحيي الفرح لكنه أكد لي أن المبلغ قليل، ثم عاد وأعطاني المبلغ وقال لي إن أغلب الفنانين وافقوا علي الحضور مجانًا ليس بسببي ولكن حبًا في النادي الأهلي، وقام شطة بتصوير الفرح سينما فلم يكن هناك فيديو، وقام الخطيب بتوصيلي مع زوجتي بسيارته وأحيا باقي اللاعبين الفرح فكان احتفالًا بزفافي وفوز الأهلي بالدوري.

<< وما هو السبب لاستمرارك طوال تلك السنين في تدريب الأهلي والمنتخب؟

السبب أنني طورت نفسي منذ الصغر، فبدأت عام 1975، في الحصول علي دورات تدريبيه، وكانت في الإسكندرية وينظمها الاتحاد الأفريقي، وحصلت علي المركز الأول في هذه الدورة علي 120 مدربا، وهذه الدورة جعلتني محاضرًا للاتحاد الأفريقي عام 1990، بعد أن تم تعيين عبده صالح الوحش مديرا فنيا للاتحاد، وكان هناك أكثر من 30 مدربا مصريا تم ترشيحهم بجانب مئات من القارة الأفريقية، وتم اختياري لأنني حصلت علي دورة تدريبية قبلهم بـ15 سنة. << ولماذا تركت تدريب المنتخبات بعد عام 1986؟ طلب مني هيدرجوت أن أذهب معه لسلطنة عمان، ومكثت هناك ثلاث سنوات ونصف السنة، وقمنا بإعداد جيل من المواهب فاز بكأس الخليج، وهو إنجاز تاريخي لدولة مثل عمان لم يكن لها بصمة ملحوظة في كرة القدم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق