واجبنـــــا نحو جيش مصر العظيم
خالد توحيد
12
125
لم أكن يومًا من أنصار مدرسة الترويج والدعاية لأى عمل أقوم به، واقتنعت عبر حياتى المهنية كلها، أن أفضل ما يتحدث عنك.. وعما تقوم به، هو نتاج العمل الذى تقوم، وقيمة، ووزن الذى تقدمه، وقدر أهميته، وأيضًا جودته.. ولذلك لم أجرؤ للحظة أن أتوقف عند أى محطة من المحطات المهنية التى عبرت عليها.. أيًا كانت ومهما كانت، رغم كثرة ما يستحق فيها من التوقف وتعريضه للضوء، ورغم الحضور الطاغى لما يمكنك الحديث عنه، والترويج له، ومنها مثلا أن تداوم على التذكير بأنك أجريت الحوار الرياضى الوحيد مع الأستاذ الراحل محمد حسنين هيكل، أو أن تجمع بين جائزة نادى دبى للصحافة وجائزة نقابة الصحفيين فى عام واحد عن موضوع واحد، لم تتناوله الصحافة.. لا من قبل ولا من بعد، عن الكرة وحرب يونيو 67، وقد حافظت على هذا الالتزام، ولم أتزحزح عنه خطوة واحدة، فى وقت أدمن فيه البعض الإفراط فى الحديث عن عبقرية ما يفعلون، وتفرد ما يقدمون، ولكن بقى فى النهاية تقدير الناس والميزان الحساس فى التقييم، والفرز، والتفريق بين ما يستحق وما لا يستحق.

اليوم.. أعترف بأننى سأخترق هذه القاعدة، ويشجعنى على هذا سببان.. الأول: أن الأمر الذى أفعل هذا من أجله، لا يخصنى بشكل شخصى، ويتعلق بالأهرام الرياضى، أى أن الجانب الذاتى يكاد يكون منعدمًا تمامًا،  

والثانى: هو ارتباط الاستثناء بمسألة مهنية بحتة يتعين التوقف عندها، حتى لا نكون من بين من يتوجه إليهم الاتهام بأن الصحافة والإعلام لا تهتم باللعبات الأخرى، وأننا نعى واجبنا ورسالتنا وما ينبغى أن نفعله من أجل هذه اللعبات، وفوق هذا وذاك أن المسألة تتعلق بفريق نجح فى تحقيق إنجاز قارى كبير،

بإحراز لقب أندية أفريقيا فى الكرة الطائرة، وهو نادى طلائع الجيش، وبات فى تقديرنا يستحق التكريم والاحتفاء والإشادة بما أنجز، فهو حق للفريق فى الأصل.. وواجب مهنى علينا فى الأساس، من هنا لم نجد أفضل من أن يكون بوستر هذا العدد لهؤلاء الأبطال.. حتى لا يكون الأمر قاصرًا على الكرة ونجومها، ولا أحد غيرهم.. نحن ندرك مسئولياتنا، ونمارس المهنية كما ينبغى، ومن حقنا أن نعلن عن هذا بكل فخر.

ومرة أخرى أسترجع آخر ما كتبت من سطور مقال الأسبوع الماضى، وأضعها كما هى من جديد.. والتهنئة واجبة للفريق أول صدقى صبحى القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والإنتاج الحربى، والجهد مشكور للواء دكتور مجدى اللوزى رئيس جهاز الرياضة بالقوات المسلحة، والتحية دومًا من القلب وكل التقدير لجيش مصر العظيم..

............................

 أملك ألف دليل على أن الرياضة لا يمكن أن تقتصر صناعتها وممارستها على النادى ولا على مركز الشباب.. ولا حتى المدرسة، بل يمكن أن يصبح الشارع ــ فى دولة تعيش ظروفنا الحالية ــ واحدًا من الروافد المهمة فى صنع تجربة رياضية جديدة تحقق ما عجزت عنه الأندية ومراكز الشباب والمدارس، وارجعوا معى بالذاكرة لمن عاشوا سبعينيات القرن الماضى وبداية الثمانينيات منه، كيف كان الشارع، وليس النادى.. ولا مركز الشباب،

هو الساحة التى أنجبت العشرات من المواهب، وكان أيضا المتنفس لملايين من الشباب كى يمارسوا نوعًا من النشاط البدنى، الذى يعد فى حد ذاته ــ وعلى الدوام ــ وسيلة تنفيس آمنة لطاقات جبارة قد تذهب فى هذا الاتجاه أو ذاك، إن لم تجد الوسيلة الصحية والصحيحة والآمنة للتخلص منها. نعم كانت الشوارع فى سبعينيات القرن الماضى.. خالية من كل شىء، حتى من المارة.. ولم تكن الأمور قد وصلت إلى ما نحن فيه الآن.. فلم تعد هناك شوارع بالمعنى المفهوم، بل مجرد ممرات ضيقة تقطعها السيارات فى صف واحد،

وسط سيارات أخرى متوقفة على الجانبين تمثل جراجًا مفتوحًا فى كل اتجاه، ورغم ذلك.. مازالت هناك مساحات كثيرة، يمكن أن تصبح مكانًا لائقًا لملاعب مفتوحة أمام من لا يملكون القدرة على الذهاب لأى ناد، ولا أى مركز شباب أيضا.. هناك ناس تعنى لهم القروش القليلة.. نعم قروش قليلة، الشىء الكثير، وهم رغم الاحتياج، ورغم ما لديهم من هموم.. ومتاعب، تتملكهم الرغبة ــ مثل كل البشر ــ فى ممارسة الحركة واللهو واللعب،

هذه النماذج ليست تملك القدرة على الانتقال من محيط الحى الذى يسكنون فيه، وقبل هذا وذاك.. هم لا يملكون أيضًا الإمكانية للاشتراك فى مركز شباب، ولو كان بجنيهات معدودات! قلت إن الشوارع ضاقت بالسيارات، وهذا صحيح بالفعل.. وموجود فى مناطق وسط القاهرة والأحياء المزدحمة بالسكان والحركة التجارية، ولكن هناك فى أغلب أحياء القاهرة الكبرى، ومحافظات مصر بالطبع، مساحات هائلة..

ومنها ما يقع بالأساس تحت الجسور، والكبارى، والطرق السريعة، ومنها الطريق الدائرى، وكذلك الممرات المائية، هذه المساحات تحولت فى غفلة من الرؤية والتخطيط والنظر للمستقبل والرغبة فى خدمة الناس، إلى أسوأ مشهد يمكن أن تتخيله، فقد صارت مقالب للقمامة، ومخلفات المبانى، رغم أنه كان من السهل جدًا أن تصبح متنفسًا لملايين من البشر، من خلال تمهيدها وتجميلها وتحويلها إلى ملاعب مفتوحة، وقد سبق

وكتبت عن هذا الأمر قبل عدة سنوات، وناشدت من يملكون القرار فى الأحياء، أو فى المؤسسة الرياضية إلى تبنى هذه الفكرة، وقد تبنوها بالفعل فى الأحياء، حيث تركوها لمافيا إلقاء القمامة ومخلفات المبانى فى المساحات الخالية حتى علا ارتفاع بعض هذه المخلفات إلى ما يقرب من مستوى عمارة بارتفاع ثلاثة أدوار!! لمن لا يصدق..

ولمن ترك الحال ليصل إلى هذه الكارثة، بكل ما فيها من قبح المنظر، وضخامة التعامل مع هذه الجبال المتراكمة فى كل مكان، أملك فى هذه اللحظة الدليل المادى على أماكن يمكن أن تقدم لنا اليوم مائة ملعب يحتاج إليها ملايين البشر.. هل هناك من يسمع من جديد؟!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق