منتخب "الملحق".. بطل أوروبا 2016
12
125
مثلما تجرعت البرتغال من كأس خسارة لقب بطل يورو 2004 على ملعبها ووسط جماهيرها عادت لتثأر لنفسها وتدفع فرنسا للحصول على نفس المرارة وتحقق "المعجزة" بالفوز التاريخى والصعب على فرنسا بهدف مقابل لا شىء فى المباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية.

نحن أمام منتخب الملحق الأوروبى الذى لم يكن أحد يتخيل وجوده فى المباراة النهائية مطلقا رغم امتلاكه اللاعب الأفضل فى أوروبا والعالم كريستيانو رونالدو نجم ريال مدريد الإسبانى بعد البداية السيئة التى أعادت بها الذكريات إلى إيطاليا بيرزوت فى 1982 حينما حققت لقب بطل كأس العالم فى إسبانيا بعد أن تعادلت 3 مرات فى الدور الأول.

فعلتها البرتغال وتوجت بطلة لكأس الأمم الأوروبية بعد نهائى مثير وساحر فى 120 دقيقة ملتهبة بكت خلاله البرتغال فى بداية اللقاء عندما تعرض نجمها الأسطورى كريستيانو رونالدو للإصابة وفشل فى استكمال المباراة وخرج والدموع تهز العالم، لتنتقل الدموع فيما بعد إلى الشعب الفرنسى الذى وجد نفسه يعيش كابوسا مرعبا عقب خسارة لقب البطولة.

يدين المنتخب البرتغالى فى هذا المجد الكبير إلى مديره الفنى العبقرى فيرناندو سانتوس "بيرزوت البرتغال" الذى أصبح الأسطورة الحية والرجل الذى صنع المجد بعد الستين عاما حينما تسلم فريقا منهارا من المونديال السابق وخاسرا لأول مباراة له فى التصفيات وأعاد بناءه وبدأ فى رحلة الدفع بلاعبين شباب وغائبين منذ سنوات مثل ريناتو سانشيز وجواو ماريو وكواريزما، مع الإبقاء على الكبار من عينة رونالدو ونانى وباتريشيو وبيبى.

وأعاد فيرناندو سانتوس الذاكرة إلى الإيطالى الشهير إنزو بيرزوت بطل العالم فى عام 1982 الذى ألهب مشاعر الجميع بطريقة الدفاع الحديدى "جينتلى" ولكن مع بيبى هذه المرة، فريق يلعب كرة دفاعية ويغلق المساحات تماما ويلجأ إلى المرتدات وتسجيل الأهداف.

فى إيطاليا 1982 كان البطل التهديفى هو باولو روسى، ولكن سانتوس طور الطريقة وأصبح لديه أكثر من لاعب يجيد التسجيل فى المرتدات فتجد لويس نانى تارة وكريستيانو رونالدو تارة ثانية وكلاهما معا سجلا 6 أهداف، بالإضافة إلى ريكاردو كواريزما وريناتو سانشيز وأخيرا إيدر لوبيز بطل المباراة النهائية وصاحب الهدف التاريخى والذى منح به بلاده الكأس.

ويحسب لفيرناندو سانتوس أنه "ولد ليكون بطلا" فهو مدرب كان له تصريح مثير للجدل قبل انطلاق البطولة عندما قال: سألعب فى 10 يوليو وسأحتفل فى لشبونة، وهو تصريح تعرض بسببه لانتقادات كبيرة واتهموه بالفشل المبكر والغرور بسبب وقوعه فى مجموعة سهلة هى المجموعة السادسة فى الدور الأول وزاد الهجوم عليه عندما فشل فى الوصول إلى صدارة المجموعة وتأهل بشق الأنفس عبر الملحق بعد أن جمع 3 نقاط فقط.

ويحسب لفيرناندو سانتوس تقديمه فريقا هو الأعلى فى معدلات اللياقة البدنية، فالمنتخب البرتغالى الأكثر خوضا للمباريات من خلال معدل الدقائق بسبب خوضه وقتا إضافيا 30 دقيقة فى 3 مباريات خلال الأدوار الإقصائية حينما فاز على كرواتيا بهدف ريكاردو كواريزما فى دور الستة عشر أو عندما تعادل مع بولندا بهدف لكل منتخب ثم حسم اللقاء فى دور الثمانية عبر ركلات الترجيح قبل أن يحقق الفوز على فرنسا فى المباراة النهائية.

وأصبح رونالدو 31 عاما قائد البرتغال يملك فى جعبته أول لقب قارى كبير مع منتخب بلاده ليحقق ما فشل فيه أساطير كبرى مثل إيزيبيو ولويس فيجو وتفوق فى الوقت نفسه على غريمه التقليدى ليونيل ميسى نجم برشلونة الإسبانى وقائد المنتخب الأرجنتينى المعتزل الذى اتخذ قراره الشهير بالاعتزال الدولى عقب خسارته لقب بطل كوبا أمريكا مؤخرا، وبات رونالدو فى طريقه للحصول على الكرة الذهبية الرابعة فى رحلته الكروية ويصبح أكثر لاعبى أوروبا حصولا عليها متفوقا على ميشيل بلاتينى وماركو فان باستن وبيكنباور ويتحول إلى أسطورة أوروبا الأولى واللاعب الأعظم فى تاريخ القارة العجوز على الإطلاق.

رونالدو كان بطلا حقيقيا للبرتغال فى يورو 2016 حينما نجح فى تسجيل 3 أهداف فى مرمى المجر وويلز بالإضافة إلى صناعة 4 أهداف لزملائه سواء بتمريرات مباشرة أو خداع فنى.

وبعيدا عن تتويج البرتغال لأول مرة فى تاريخها بطلة لكأس الأمم الأوروبية، كانت المباراة النهائية وجبة كروية دسمة ومثلا حيا للكرة الجميلة رغم أن المنتخبين البرتغال وفرنسا استحقا الوصول إلى المباراة النهائية، لأن الاثنين لم يخسرا طيلة 6 مباريات فى رحلة الوصول إلى الملعب الكبير "حديقة الأمراء" بارك دى فرانس، سواء فرنسا التى أذهلت العالم بأسره عندما أطاحت بالكبير المنتخب الألمانى "بطل العالم" بهدفين مقابل لاشىء فى الدور قبل النهائى سجلهما جريزمان وأخرست كل الانتقادات التى لاحقت الديوك الزرقاء بسبب خوض 5 مباريات قبلها بدون ملاقاة منتخب من الصف الأول، ولا يوجد أقوى من بطل العالم "الألمان" للتأكيد على قدرة الفرنسيين وديديه ديشان فى الوصول للنهائى عبر رحلة فاز فيها 5 مرات وتعادل فى مباراة وحيدة.

نفس السيناريو بالنسبة إلى البرتغال التى أسهمت نتائجها فى الدور الأول وتأهلها عبر الملحق فى منحها فرصة وحلم الوصول إلى النهائى وليس الخروج من أول دور إقصائى، فهى تأهلت بصعوبة عبر اختيارها فى ملحق أفضل ثوالث بعد 3 تعادلات مع النمسا وأيسلندا والمجر لتجد نفسها بعيدة عن ملاقاة كبار القارة مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وإنجلترا وتبدأ رحلة الأدوار الإقصائية من خلال ملاقاة كرواتيا ثم بولندا ثم ويلز قبل تأديب فرنسا.

وعندما نتحدث عن 120 دقيقة نجد أن كل منتخب كان يملك مصادر قوة أملا فى الحسم. مصادر القوة لدى المنتخب الفرنسى التى اعتمد عليها ديديه ديشان المدير الفنى للديوك الزرقاء تمثلت فى مهارات فردية رهيبة يملكها نجمه الموهوب أنطوان جريزمان صانع الألعاب ورأس الحربة المتأخر الذى نال حرية كاملة فى الملعب "وخضع لرقابة لصيقة" من جانب المنتخب البرتغالى، بالإضافة إلى انطلاقات بول بوجبا وديمترى باييه من العمق،

إلى جانب منح ظهيرى الجنب مهام هجومية طالما كانت الكرة فى استحواذ الفريق الفرنسى داخل الملعب، ويضاف إلى ذلك الدعم الجماهيرى الكبير الذى ظهر فى مدرجات بارك دى فرانس منذ الثوانى الأولى للمواجهة.

فى المقابل لجأ فيرناندو سانتوس المدير الفنى للمنتخب البرتغالى إلى أسلوبه المعتاد فى البطولة وتحديدا منذ موقعة كرواتيا وهو تضييق المساحات وغلق دفاعاته مع اللجوء إلى سلاح المرتدات بدون رأس حربة صريح عبر استغلال سرعات أكثر من لاعب فى الانطلاق أمثال كريستيانو رونالدو قائد المنتخب ونجم ريال مدريد الإسبانى وريناتو سانشيز لاعب الوسط المحترف حديثا فى صفوف بايرن ميونيخ الألمانى ولويس نانى نجم فالنسيا الإسبانى الجديد وهو ثلاثى حسم الكثير من المباريات السابقة فى البطولة لمصلحة المنتخب البرتغالى، وهى طريقة "الطليان الشهيرة" فى الثمانينيات التى أعادها مرة أخرى إلى الحياة فيرناندو سانتوس برفقة المنتخب فى اليورو.

وتلك هى الخطط التى وضعها كل مدرب فى الغرف المغلقة وبدأت بها الدقائق الأولى من عمر اللقاء وسط آمال كبيرة فى ترجمتها إلى واقع داخل المستطيل الأخضر خلال 90 دقيقة. ومع انطلاق المباراة كان الوضع مختلفا وبدأ كل مدرب فى تلقى الصدمات، وكانت أولى صدامات اللقاء هى صدمة فيرناندو سانتوس الذى خسر أهم ورقة له بسبب الإصابة المفاجئة والمشهد الإنسانى الذى كان بطله كريستيانو رونالدو الذى تعرض للإصابة وقاوم وحاول العودة إلى الملعب ثم وجد الألم شديدا وغير قادر على الوقوف وليس فقط العدو وراء الكرة،

ليبكى رونالدو وتبكى مشجعات البرتغال وذهب له زملاؤه يقبلون رأسه فى مقدمتهم الكابتن الثانى لويس نانى وسط ابتسامات خفيفة من لاعبى فرنسا "ليس شماتة بقدر فرحة من زوال كابوس رونالدو"، وخرج النجم البرتغالى وسط تصفيق عشرات الآلاف الموجودين فى المدرجات وهو يبكى بحرارة فيما ذهب فيرناندو سانتوس ليغير كل شىء فى خطته، وقرر اللجوء إلى سلاح مرتدات العمق واستدعى ريناتو سانشيز محور الخطة الجديدة وطلب منه التمرير المستمر إلى نانى وليس رونالدو هذه المرة على أن يلعب نانى من عمق الدفاع الفرنسى أملا فى خطف هدف. فى المقابل أجرى ديشان تغييرا تكتيكيا داخل الملعب،

ومنح نجمه جريزمان أوامر بأن يؤدى دور رأس الحربة الصريح بجوار أوليفر جيرو مع اللجوء إلى سلاح العرضيات عبر انطلاقات يمينا ويسارا عبر لاعبيه باييه وبول بوجبا ولكن بوجبا تحديدا كان "مغرورا" فى الشوط الأول وفقد الكرة أكثر من مرة بالقرب من منطقة الجزاء، وخطف روى باتريشيو حارس مرمى المنتخب البرتغالى كل الآهات والإعجاب فى الشوط الأول عندما تصدى لفرصتين للثنائى جريزمان وسيسوكو ومنع الديوك الزرقاء من أن تصيح فى وجه البرتغال لينتهى النصف الأول بالتعادل السلبى. فى الشوط الثانى كان الوضع مختلفا..

كانت الخطورة من بين المنتخبين أكبر على المرمى سواء فرنسا التى أجرت تغييرا هجوميا بالدفع برأس حربة ثالث هو كينجسلى كومان أو البرتغال الذى لعبت بشكل أفضل على مرتدات مع تقدم جواو ماريو وسيلفا وسانشيز لدعم لويس نانى مع الارتداد السريع وأنقذ روى باتريشيو مرمى البرتغال من 4 فرص محققة من جريزمان وكومان وجيرو.. فى المقابل لعب هوجو لوريس دور البطولة فى إنقاذ فرنسا من هدفين فى فرصة واحدة عندما تصدى إلى كرة عرضية ذهبت للمرمى مباشرة من جانب لويس نانى،

ثم تسديدة جواو ماريو بدون تدخل من جانب مدافعى المنتخب الفرنسى مطلقا "انخلعت" معها قلوب الملايين فى فرنسا وانتهت المباراة بالتعادل السلبى بين المنتخبين ليلجأ كل منهما إلى الوقت الإضافى. ومع انطلاق الوقت الإضافى كانت البرتغال هى الأخطر والأفضل، بفضل التماسك البدنى رغم إجهادها البدنى الرهيب،

وحرمته العارضة من تسجيل هدف ثم ظهر فى الكادر إيدر لوبيز 28 عاما مهاجم ليل الفرنسى الذى طالما وتعود اللعب فى ملاعب بلاد النور وسدد كرة زاحفة أرضية قوية من خارج منطقة الجزاء فى الدقيقة 107 سكنت الزاوية اليمنى لمرمى هوجو لوريس لتبكى فرنسا كلها مع ضياع أحلام التتويج بطلة لليورو للمرة الثالثة ومرت الدقائق تباعا بدون جديد ليطلق الحكم صافرة النهاية معلنا فوز البرتغال على فرنسا بهدف مقابل لاشىء وتتويجها بطلة لأول مرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق