هل تنتهي عقدة الخواجة؟
صلاح رشاد
12
125
الفترة الأخيرة أثبتت أن الرهان علي المدرب الأجنبي خاسر، بعد أن أصبح جزءًا من الأزمة التي تعانيها الكرة المصرية وليس جزءًا من النهوض والارتقاء بها.. وجاءت النهاية الدراماتيكية للهولندي مارتن يول مع الأهلي لتؤكد أن الخواجة لم يعد مقبولاً ولا مرغوبًا فيه.

جاء مارتن يول وسط زخم إعلامي يؤكد أنه مدرب عالمي وسيصنع الفارق للأهلي وستظهر بصمته سريعًا علي الفريق وأن وجوده سيحقق طفرة غير مسبوقة للفريق الأول بالقلعة الحمراء

.. لكن سرعان ما تبدد هذا الزخم بعد أن أثبت الرجل أنه متواضع القدرات وأن اسمه الكبير في عالم التدريب لم يكن له وجود حقيقي علي أرض الواقع.. ففي الأمتار الأخيرة من مسابقة الدوري تراجع الفريق فنيًا وكاد يتفلت اللقب من بين يديه لولا الفوز الصعب علي الإسماعيلي قبل نهاية المسابقة بجولتين، والذي تواكب معه تعادل الزمالك مع المصري الأمر الذي أتاح الفرصة للأهلي لكي يحسم اللقب، ولولا ذلك لدخل الفريق في قلب المعاناة،

وربما كان فقد الدرع في نهاية المطاف.. ثم توالت الانتكاسات في عهده بعد أن وضح أنه لا يجيد قراءة الملعب ولا يُحسن اختيار لاعبيه ولا يقرأ منافسه جيدًا، كل ذلك انعكس علي أداء ونتائج الأهلي، فخسر نهائي الكأس أمام الزمالك نتيجة أخطاء فنية واضحة وكسب الأبيض الرهان بمدرب وطني واعد هو مؤمن سليمان، كما فشل الأهلي في التأهل إلى الدور قبل النهائي في دوري رابطة الأبطال الأفريقي، مما أصاب الجماهير الحمراء بحالة من الغليان،

وكان من الضروري أن تقرأ إدارة الأهلي هذا المشهد جيدًا وتبادر بإقالة المدرب الذي حقق فشلاً ذريعًا، لكن عجز الإدارة عن رؤية المشهد والتعامل معه بواقعية جعل الأمور تتفاقم والأزمة تأخذ أبعادًا مأساوية عندما اقتحم الجمهور أرض الملعب في أحد التدريبات واعتدي علي بعض اللاعبين.. وكان هذا التصرف خاطئًا بكل المقاييس ومرفوضًا من جميع الوجوه،

خاصة أنه تسبب في ردود فعل سيئة تمثلت في إصرار الهولندي مارتن يول علي الرحيل ليس لإحساسه بأنه فشل فى مهمته وإنما لأنه بات خائفًا علي حياته بعد هذا التصرف الأرعن من جانب بعض الجماهير

.. رحيل الرجل بهذه الطريقة المأساوية كارثة حقيقية ليس علي الكرة المصرية فقط، وإنما علي سمعة مصر أيضًا خاصة أن مارتن سيتكلم في الصحف الهولندية وسيتحدث عن الإرهاب الجماهيري الذي كان سببًا في رحيله، وكان من الممكن تفادي هذه الكارثة قبل وقوعها لو نظرت الإدارة إلى المشهد بواقعية شديدة،

واقتنعت بأن المدرب بالفعل متواضع وأنه لا يمتلك أي تعاطف جماهيري بل أصبحت في حالة عداء معه، ولكن الحسابات الخاطئة من جانب الإدارة كانت من أهم أسباب هذا الرحيل الدراماتيكي الذي سيؤثر بكل أسف علي سمعة مصر وليس الكرة المصرية وحدها. تجربة البرتغالي بيسيرو مع الأهلي والتي سبقت مارتن يول كانت في طريقها إلى الفشل أيضًا، خاصة أن الرجل لم يكن مقنعًا وكانت هناك علامات استفهام كثيرة حول أداء الفريق في عهده القصير، وقد تنفست الجماهير الصعداء بمجرد رحيله المفاجئ لحصوله علي عرض لتدريب بورتو البرتغالي.

تجارب الزمالك الأخيرة أيضًا مع المدرب الأجنبي كانت فاشلة وكان البرتغالي فيريرا الاستثناء الوحيد عندما نجح في قيادة الفريق للفوز بالدوري والكأس في الموسم قبل الماضي، لكنه لم يستمر.. وفي نفس الوقت لم يفضل الرحيل بشكل لائق حفاظًا علي مكانته عند جماهير الزمالك وإنما رحل من الأبواب الخلفية أو بمعني أكثر دقة هرب إلى قطر وتولي تدريب السد القطري، فيريرا كرر سيناريو مواطنه باتشيكو الذي هرب من تدريب الزمالك أيضًا بصورة سيئة،

بحجة هجوم رئيس النادي عليه بعد الهزيمة من إنبي في الموسم قبل الماضي. النتائج السيئة كانت عنوان البرازيلي باكيتا مع الزمالك أيضًا في الموسم الماضي فتمت الإطاحة به وعندما جاء الاسكتلندي ماكليش وسط زخم إعلامي، توقع الكثيرون أن يحقق مردودًا إيجابيًا لكن النتائج السيئة كانت حليفة مما جعل الإطاحة به أمرًا لا مفر منه، وهو نفس مافعلته إدارة الاتحاد السكندري في الموسم الماضي أيضًا عندما أطاحت بالبلغاري مالدينوف بعد هزيمة الفريق الثقيلة من الإسماعيلي بخماسية

.. ولم تتعظ إدارة النادي وأصرت علي الاستعانة بالأجنبي فتعاقدت مع البرتغالي ليونيل بونتس الذي لم يكن أفضل حالاً من سابقه ولم تعرف النتائج الجيدة نسبيًا طريقها إلى زعيم الثغر إلا من خلال مختار مختار الذي مازال مستمرًا في مهمته مع الفريق، خاصة بعد أن أعاد للاتحاد الاستقرار الفني الذي كان مفقودًا.

محمد أبو العز مدرب المنتخب الوطني الأسبق يري أنه قد آن الأوان لطي صفحة المدرب الأجنبي خاصة أن تجاربهم مع الكرة المصرية في السنوات الأخيرة أثبتت فشلها ولم يقدموا المردود الإيجابي الذي يتناسب مع المبالغ المادية الكبيرة التي يتقاضونها. ويشير أبو العز إلى أن عقدة الخواجة لم يعد لها مايبررها في ظل وجود الكوادر الوطنية في مختلف الأندية القادرة علي أن تترك بصمة حقيقية إذا توافرت لها الفرصة المناسبة والمناخ الجيد. ويعترف بأن مشكلة المدرب الوطني الحقيقية تكمن في أنه يرتضى أن يكون الطرف الأضعف في الحلقة، فيوافق علي العمل بدون عقد بحجة الانتماء للنادي،

وفي عصر الاحتراف لا توجد مثل هذه الأمور العاطفية وإنما توجد حقوق وواجبات متمنيًا أن يتشدد المدرب الوطني في المطالبة بحقوقه حتي يتسني له العمل في أجواء أفضل بدلاً من أن يظل أسيرًا للحساب بالقطعة. ويشير إلى أنه في إحدي المرات التي درّب فيها الترسانة أصر علي أن يكون هناك عقد ومن خلاله استطاع الاستغناء عن 8 من اللاعبين الكبار، وأتاح الفرصة لمجموعة من الناشئين نجحت بعد ذلك في ضبط إيقاع الفريق لفترة طويلة. ويتفق أحمد عبد الحليم نجم الزمالك الأسبق مع محمد أبوالعز في ضرورة طي هذه الصفحة تمامًا وإلغاء فكرة الاعتماد علي المدرب الأجنبي،

خاصة أن النماذج التي تأتي إلى مصر ليست مشغولة بتحقيق إنجاز أو ترك بصمة، وإنما مشغولة بجمع المال وإعادة تدوير نفسها بحثًا عن عرض أفضل في منطقة الخليج. ويؤكد إن إنجازات الكرة المصرية غير المسبوقة ظلّت مرتبطة دائمًا بالمدرب الوطني مع وجود استثناءات قليلة جدًا بالنسبة للمدرب الأجنبي لا يمكن الركون عليها أو التوقف عندها، مشيرًا إلى أن الأهلي هو الذي صنع أسطورة البرتغالي جوزيه وليس العكس، بدليل أن الرجل فشل في كل تجاربه بعيدًا عن الأهلي، ونفس الأمر ينطبق علي الألماني تسوبيل الذي فاز بالدوري مع الأهلي وعندما تولي تدريب الجونة قاده إلى الهبوط لدوري القسم الثاني.

ويشير أحمد عبد الحليم إلى أن المناخ الجيد داخل الزمالك في الموسم قبل الماضي هو الذي أتاح الفرصة للبرتغالي فيريرا للفوز ببطولتي الدوري والكأس، رغم أنه كان عاطلاً عندما جاء إلى النادي مشددًا علي أن تواضع مستوي المدربين الأجانب الذين جاءوا إلى مصر في الفترة الأخيرة لم يكن مفاجأة بالنسبة له،

خاصة أنه عمل في منطقة الخليج ويعرف فكر المدرب الأجنبي وأهدافه من التدريب في أي دولة بالوطن العربي. ويقول إن الرهان علي المدرب الوطني هو واجب الوقت شريطة أن تكون هناك عدالة وشفافية في الاختيارات وأن تكون الكفاءة هي الفيصل وألا تكون الدائرة محصورة علي أسماء بعينها. أما حلمي طولان المدير الفني السابق لسموحة فيشير إلى أن عقدة الأجنبي ستستمر طويلاً وأن مايحدث علي أرض الواقع في الوقت الحالي مجرد وضع مؤقت لا يمكن القياس عليه، خاصة أن إدارات الأندية الشعبية الكبيرة تري أن الرهان علي الأجنبي أفضل في ظل الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها المدرب الوطني سواء من الجماهير أو الإدارة أو حتي اللاعبين،

بالإضافة إلى أن المدرب الوطني يتعرض أحيانًا لمؤامرات وضرب تحت الحزام من زملائه المدربين داخل النادي مما يجعل مهمته صعبة وقدرته علي النجاح عسيرة. ويشدد طولان علي أن من حق المدرب الوطني أن يحصل علي فرصته كاملة خاصة أنه بات يمتلك الخبرة والعلم، لكن هذا لن يتسني له إلا في حالة اعتماد المنهج العلمي في إدارة المنظومة الكروية بصفة عامة، وهذا الأمر مازال حلمًا صعب المنال لذلك سيظل المدرب الوطني في موقف ضعف.

ويشير إلى أن النتائج ليست هي الفيصل في الحكم علي المدرب وإنما فلسفته في التدريب ورؤيته وبصمته وقدرته علي النجاح في فرق متوسطة المستوي، فمن الممكن أن تكون النتائج الجيدة لوجود لاعبين متميزين في كل المراكز ومناخ رائع وفرته الإدارة، وفي مثل هذه الظروف تصبح النتائج الجيدة أمرًا طبيعيًا ولا يمكن من خلالها الحكم علي المدرب ومستواه لأن المناخ العام ساعده علي النجاح. ويقول محمد عمر رئيس قطاع الكرة بنادي الاتحاد إن الوقت أصبح مناسبًا للاعتماد علي المدرب الوطني خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد لكن بشرط حسن الاختيار وعدم ترك الأمور للسماسرة الذين أفسدوا الكرة المصرية خاصة غير المعتمدين منهم وما أكثرهم.

ويشير عمر إلى أن إتاحة الفرصة للمدرب الوطني لا يجب أن تكون مجرد قرار وإنما منظومة عمل متكاملة بمعني أن يجد دعمًا حقيقيًا من الإدارة ومساندة من الجماهير وصبرًا عليه إذا ساءت النتائج، لكن المشكلة أن هذه العوامل لن تتوفر جماهير الأندية الشعبية تفقد ثقتها سريعًا في المدرب الوطني ولا تحب الصبر عليه مما يجعله في موقف لا يحسد عليه. ويقول إن مطالبته بحصول المدرب الوطني علي فرصته ليس انحيازًا،

وإنما واجبًا تفرضه الظروف خاصة أن الوطني الأقرب إلى النجاح لأنه الأعرف بقدرات وإمكانات اللاعبين المصريين والأقدر علي التعامل معهم نفسيًا بالصورة التي تمكنهم من استنفار كل طاقاتهم. ويرفض عمر تمامًا الطريقة التي رحل بها مارتن يول من الأهلي ليس لأنها غير رياضية فقط وإنما أيضًا لأنها تسيء إلى سمعة مصر في وقت عصيب وحساس، متمنيًا أن تعي الجماهير هذه الأمور ولا تطلق لغضبها العنان لأن العواقب تكون وخيمة علي الجميع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق