"الأهرام الرياضى" تشهد أخطر رحلة فى البرازيل حكاية ميدالية أوليمبية هزت "مدينة الرب"
سيد هنداوي
12
125
بكت الفقيرة السمراء رافاييلا سيلفا وهى تقف فوق منصة التتويج ليطوق عنقها بذهبية الجودو.. وبكى معها الجمهور الذى اكتظت به الصالة من البرازيليين الفقراء الذين ينتمون إلى مدينة الرب أو "حى الصفيح".

تلك الميدالية أحدثت دويا هائلا على مدار الأيام الأولى من الدورة.. ودفعنى الفضول إلى الذهاب إلى الحى الفقير أو "حى الصفيح" حتى أعرف كيف تعيش وتتدرب تلك الفتاة الذهبية.. بداية طلبت من أحد رفاق الرحلة من الإعلاميين الذهاب معى فرفض رفضا قاطعا خوفا من أن يحدث مكروه نحن فى غنى عنه خصوصا أن مثل هذه الأحياء هى منبع للقتل والسرقة والجريمة والاتجار فى المخدرات.. لم أرضخ لقرار الرفيق، ولا إلى نصائحه، واتجهت إلى أحد سائقى التاكسى الذى يرابض أمام الفندق حتى يلتقط "زبون"

.. وكنت أنا الزبون الذى ينتظره.. طلب مبلغا من المال عند التحرك مقابل الانتقال والحماية، وطلب منى عدم حمل أى شىء ذى قيمة وأن أفرغ جيوبى من أية أموال أو أوراق.. وعند الوصول إلى المكان بدأت مرحلة جديدة من المساومة.. فطلب ضعف المبلغ حتى يوفر لى الحماية ويعود بى من حيث أتينا فى سلام، وإلا تركنى وحال سبيلى ورحل هو دون رجعة

.. كان أمامى خياران إما التنفيذ والدفع أو الاستغناء عنه والبحث عن مخرج من المأزق الذى وضعت فيه نفسى.. وكان الخيار الأول هو الأصوب والأقرب إلى العقل والمنطق.. نزلنا معا حيث الدروب وعشش الصفيح وسط سفوح الجبال والصخور المحيطة بمدينة ريو دى جانيرو التى تجمع بين كل المتناقضات.. روعة الأماكن وجمال الطبيعة ونظافة الشوارع، وبين قمة القبح والعشوائيات أو الفافيلات كما يطلقون عليها والمتسولين ولصوص السرقة بالإكراه ومحترفى النشل والخطف والبلطجة وكل شىء تعرفه عن عالم الجريمة

.. أى أنك ترى مدينتين لا واحدة. طلب منى رفيقى "سائق التاكسى" الذى يتحدث البرتغالية، ويعبر عن نفسه بالإنجليزية بالكاد أن نشق طريقنا وفقا لرؤيته هو دون تدخل منى.. سرنا أكثر من ساعتين ولم نصل بعد.. تسلل الخوف إلى قلبى وارتعدت أوصالى واسترجعت ما قاله زميل المهنة بخطورة المجازفة، ومع كل هذا لم أبين له الشعور بالخوف ولا الإحساس بالرعب بل ظللت متماسكا وكأن من معى أحد الأصدقاء.. مشينا فى طريق محاط بالأشجار أحيانا وبالبنايات الشاهقة الارتفاع أحيانا

.. وكذلك بعشش الصفيح التى يسكنها فقراء المدينة أحيانا أخرى.. وأخيرا توقف التاكسى، ووجدت نفسى فى مكان عال، وأمامى "كومة" من البيوت الصفيح فوق منحدرات جبلية.. التقطت صورة واحدة.. فنهرنى السائق بلغة غير مفهومة وبحدة متناهية وطلب منى المحمول ليكون معه حتى نعود.. هبطنا من فوق الصخور، ومع كل خطوة نزول يرتفع إيقاع النبضات وكاد القلب يتوقف وأنا ألمح فى أعين أبناء الحى الغدر.. ولكن ما طمأننى أننى أعطيت لـ"البودى جارد" أى السائق الإتاوة التى طلبها

.. واصلنا الهبوط حتى الممر الضيق وسط مبانى المعدمين وعلى اليمين واليسار نرى المحال والمطاعم.. تنضح منها رائحة كريهة لا يمكن أن يتقبلها آدمى إلا من اعتادها.. دفعنى فضول المهنة أن أقف لأتحدث مع أحد ممن التقينا بهم فطلب منى السائق تنفيذ تعليماته بالحرف وإلا سيكون غير مسئول عن سلامتى.. لم ننته من الحديث إلا ووجدنا فتى أسمر رث الثياب.. ملامحه تعبر عن رغبة فى العنف، وعيونه يشع منها بريق ملحوظ وسط سواد بشرة الوجه، وربما القلب أيضًا

.. تحدث مع السائق بحدة ولهجة عنيفة ولم أفهم أو أقرأ سوى تعبيرات الوجه لأنه كان يتحدث بالبرتغالية ورد عليه السائق بلهجة تحمل العنف أيضا.. تسرب إلى نفسى الهلع.. فكرت فى الرحيل والاكتفاء بما شاهدت.. طلب منى التحرك دون توقف ولم يفسر لى فحوى الحديث ولا ماذا كان يريد هذه الفتى! واصلنا السير وسط "ثكنات" ضيقة.. متلاصقة.. قبيحة الشكل والمنظر لا يتعدى عرض أى منها المترين أو الثلاثة، أبوابها من الصفيح وسقفها أيضا من الصفيح.. تحدث معى إيميليو، وهو اسم السائق،

وقال: عند هطول الأمطار وكثيرا ما تهطل.. تبتل الثكنات والناس والأشياء وتظل على هذا الحال.. لا يحميهم شىء من غدر الطبيعة ـ حسب وصفه ـ سوى الرب. قاطعته لأستفسر عن اسم هذا الحى العشوائى الذى لم يبح به منذ وطئت أقدامنا ترابه.. قال مدينة سيداد دى ديوس أى (مدينة الرب)، التى قدمت للعالم أجمع رافاييلا سيلفا صاحبة الذهبية الأولى للبرازيل فى الأوليمبياد.. لم يأت أهلها إلى الملعب للوقوف إلى جوارها بل جاء بعض ممن يملكون المال ليكونوا عوضا عن الأهل والأحباب

.. هكذا قال إيميليو، وقال أيضًا إن السود هم دعائم المجتمع.. هم العمال الكادحون الذين تحملوا الكثير من أجل بناء البرازيل.. هم من أخرجوا خيرات بلادنا من المناجم.. وهم من يدافعون عنها لأنهم يعشقون ترابها. جال بخاطرى استفسار تجرأت على طرحه على إيميليو حول اتجاه السود إلى السرقة بالإكراه والخطف وكذلك القتل والاتجار فى المخدرات فقال: دعنى أوضح لك الأمر

.. نحن مثل الغرباء.. نعيش فى عشش صفيح كما ترى، ونأكل بالكاد ونغطى متطلبات حياتنا اليومية بالكاد أيضا، وأحيانا لا نجد العلاج عند المرض.. وحتى الموت نراه مشكلة!

مأساة بلورها إيميليو فى جمل غير مفهومة بـ"إنجليزية ركيكة" ليعكس مدى الصعوبة التى عاشتها رافاييلا وعائلتها في "مدينة الرب" أحد أفقر الأحياء فى البرازيل، الذى يبعد نحو عشرة كيلومترات عن القرية الأوليمبية، وزاد "الحارس الأمين" على ما سرده وقال إن رافاييلا البالغة من العمر 24 سنة لم ولن تنسى أصولها بعد التتويج بالذهب حيث سمعت ما قالته عبر محطات الراديو بأنها واثقة من أن أهالى المنطقة سيباركون لعائلتها، التى لا تملك المال للقدوم إلى الصالة وتشجيعها والعيش معها فى الحلم الجميل الذى كان يوما مستحيلا ولكن بات واقعا وحقيقة ملموسة

.. أهدى الميدالية لكل من انتقدونى وقالوا إننى أسىء لعائلتى، وأننى لا أمتلك القدرات التى تؤهلنى للفوز فى الأوليمبياد.. ووجهت سيلفا رسالة إلى أهالى منطقتها، بأن يتبعوا حلمهم، وقالت وفقا لرواية إيميليو: إذا كان لديكم حلم قاتلوا من أجله، وبإمكانكم تحقيقه.. والدى لم يكن يريدنى أن أتسكع فى الشوارع وأن أنغمس فى عالم المخدرات والجريمة.

وقفت صامتا أمام ما سرده إيميليو إلى مسامعى وطلبت منه الذهاب إلى عائلتها للتعرف عليها فقال بكل ترحاب، ولكن هل معك ما تدفعه؟

كفى إلى هنا وعلينا الرحيل قبل غروب الشمس لأن الخطر محدق علينا معًا وليس عليك وحدك!

تحركت معه دون أن أتفوه بكلمة.. وعدت إلى غرفتى حيث الفندق الذى أقطنه لأبحث عن شىء يخص تلك الفتاة فى صفحات ومواقع التواصل الاجتماعى.. فعرفت أنها وضعت وشما للحلقة الأوليمبية على ذراعها اليسرى وعليه أيضا كتبت رسالة باللغة البرتغالية تقول: الله فقط يعرف إلى أى حد عانيت وما فعلته للوصول إلى هناك. وعلمت أيضا بأنها بدأت فى تعلم الجودو وهى فى الثامنة من عمرها، فى مؤسسة رياكاو،

وهو مشروع اجتماعى فى الأحياء الفقيرة، ويقوم برعاية 1200 طفل وشاب، وهو المشروع الذى تأسس على يد فلافيو كونتى الفائز بالميدالية البرونزية فى أوليمبياد أثينا 2004.. ورافاييلا هى البطلة الأولى على مستوى البرازيل منذ 2013 وكذلك فى ريو دى جانيرو، وهى صاحبة الميدالية الذهبية أيضا فى دورة ألعاب بان أمريكا فى 2013. هنا.. انتهت حكاية فتاة "مدينة الرب".. واكتملت قصة الميدالية التى هزت أرجاء البرازيل والأوليمبياد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق