عن مستقبل أحلم به..
خالد توحيد
12
125
خلال حضورى للمؤتمر العلمى الدولى السابع عشر، الذى نظمته كلية التربية الرياضية بالهرم، والذى وافق الاحتفال باليوبيل الذهبى لعلم النفس الرياضى فى مصر والدول العربية، ورائده الدكتور محمد حسن علاوى، كان من السهل أن أكتشف من جديد إلى أى مدى تشهد الرياضة فى العالم..

والمنطقة العربية أيضا، حالة من الحراك والتفاعل والتقدم، الذى بات يضعها فى مكانة رفيعة تزيد قيمتها يومًا بعد يوم، وكانت هناك الأبحاث والدراسات التى تجعلك تتوقف عند الأرقام المذهلة، والحقائق الجديدة، والقفزة العلمية الهائلة، التى تتبدى ملامحها، وتنعكس صورتها على الواقع اليومى فى كل مكان، وكل حدث. توقفت كثيرًا فى أغلب المحاضرات، عند تفاصيل ما يجرى فى الدنيا من حولنا، وإلى أين وصلنا وأين نقف بالضبط عبر متابعة ومعرفة ماذا يحدث عند الجانب الآخر،

وتعالوا نعترف بأننا كنا نتجه بأنظارنا دومًا إلى دول الغرب، باعتبارها ظلت تحتكر ــ ومازالت ــ سطوة العلم والعلوم، وقواعد التقدم، وكنا نعتبر أن ما يأتينا منهم ــ وهذا حق ــ هو ما ينبغى أن يلفت الانتباه، ويستحق الاهتمام، وتحديدًا فى الرياضة، التى تتسم بقدر هائل من الحداثة والتقدم على جميع المستويات ومنها التقدم العلمى، ويكفى أن نعرف أن الدول الخمس الأعلى اهتمامًا بالأبحاث العلمية، والأعلى إنفاقا عليها

هى الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وألمانيا، وأستراليا، وروسيا، وهى فى ذات الوقت الدول الأكثر تقدمًا والأكثر ثراءً، وفى هذا المؤتمر، لم يكن هذا هو السبب الوحيد لصنع الدهشة، والإبهار، إنما كان يكفى أن أتوقف عند بعض الحقائق، والمعلومات، والأرقام، التى تم عرضها فى سياق تقرير عن الرياضة فى دبى بدولة الإمارات العربية المتحدة، لتكون سببًا فى إدراك مدى ما تحقق من قفزات هائلة على مستوى دول المنطقة العربية والشرق الأوسط، الأمر الذى يجبرك على التساؤل: وأين نحن؟ وما الذى يمنعنا من أن نكون أصحاب مثل هذه النماذج الجديدة؟!

ثلاثة أرقام فقط هى التى سأتوقف عندها.. وحدها تكفينى، لنكتشف كيف أصبحت الرياضة بهذا القدر من الأهمية والضرورة!؟ وكيف أنها أصبحت عنصرًا من عناصر الدخل القومى، حتى لو لم يكن حجم إسهامها ضخمًا أو كبيرًا، إنما يكفى أن تكون حاضرة، تؤدى دورًا إيجابيًا على كل المستويات.. اقتصادية، واجتماعية، وصحية، أما أن تكون سببًا للجدل والصخب والضجيج والأزمات والمشكلات، فهذا ما كنا وسنبقى نرفضه، ليس فقط لكونه حالة غير متكررة فى العالم كله تقريبًا، ولكن لأنه يمثل أيضًا مضيعة للوقت والجهد والمال.. وهو العبث بعينه.

فى الحديث عما حققته الرياضة فى دبى.. نكتشف أن المدينة تحتضن كل عام أى كل 360 يومًا.. ما يقرب من 300 حدث رياضى، أى أن المدينة تشهد كل يوم تقريبًا حدثًا رياضيًا مختلفًا، ناهيك عن حجم البطولات الدولية الكبرى، التى يأتى إليها صفوة نجوم العالم ومنها على سبيل المثال التنس، نعم 300 بطولة وحدث رياضى فى العام، إذن ما هو العائد الذى يتحقق منها؟

بعيدًا عن العوائد المعنوية والصور الذهنية التى تصنعها المدينة عن نفسها فى عيون العالم.. إذ يتحقق ماديًا عائد يقرب من 2 مليار ونصف المليار دولار، أى 2500 مليون دولار.. هذا الرقم ليست له علاقة بكرة قدم، ولا الصراع بين هذا النادى أو ذاك، وليس فيه أيضًا صفقات للاعبين أجانب البعض منها مزيف،

والكثير منها مريب ولا يستحق ما تم دفعه فيها بالدولار واليورو، بل ويحيط بالكثير منها روائح كريهة، وعمولات، ويلزم كثيرٌ من هذه الصفقات مقاعد البدلاء تمهيدًا لرحيلها قبل أن يجف حبر عقودها. وحين تعرف أن الرياضة التى صنعت 300 حدث وبطولة ومسابقة، وحققت عائدًا قدره ملياران ونصف المليار دولار، هى نفسها التى جلبت مليون زائر للمدينة، وهى نسبة معتبرة تعد تعبيرًا حقيقيًا عن معنى السياحة الرياضية.. لا يمكن أن تتقدم الرياضة المصرية، نحو مثل هذه الآفاق الرحبة، إلا حين تنفتح على تجارب العالم، معتمدة على العلم والخطط المدروسة، وعلى نماذج ناجحة جرى تطبيقها فعليًا، وخضعت لعمليات تصويب وتعديل ومراجعة حتى صارت متكاملة الأركان، محققة كل العوائد والنتائج المطلوبة من الرياضة

.. سواء كانت عوائد اقتصادية ــ وهى المعيار الأهم للنجاح ــ أو عوائد معنوية، تخص الوطن، أو عوائد فنية تتعلق بالنتائج، والأداء، والميداليات، والبطولات كل هذه العوائد تحديدًا تعد نتيجة وليست مقدمة، بمعنى أن إصلاح هياكل الرياضة، ووضع الرؤية المستقبلية لها، ورسم خطط تعكس هذه الرؤية،

والعمل على تنفيذ هذه الخطط من خلال كوادر مؤهلة علميًا، وفق أعلى المعايير المهنية دون مجاملة أو محسوبية أو حسابات شخصية، هو الذى يفضى بنا إلى الأداء العالمى الراقى، والنتائج المرجوة على مستوى كل المنافسات الرياضية فى الألعاب المختلفة، خاصة تلك التى سيتم التركيز عليها، حيث لا يوجد فى العالم كله، ولا حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، من يلعب كل الرياضات مثلما هو الحال فى مصر!! متى تتحول الرياضة المصرية إلى مصدر للدولار واليورو.. وليست منفقة لهما؟

متى تدعم الأحداث الرياضية والبطولات الحركة السياحية وتسهم فى زيادة عدد الزائرين لمصر؟ متى نستضيف كل يوم بطولة أو مسابقة أو حدثًا رياضيًا لتصبح هذه البقعة الرائعة على الخريطة معبرة عن أهميتها وقيمتها؟ أخيرًا.. متى نتحرر من هذا العبث الذى نراه كل يوم من هجوم على التحكيم، والانشغال بتوافه الأمور، والاستغراق فى التعصب والانحياز لهذا بالنادى أو ذاك.. فهذه ليست الرياضة، ولو كانت كذلك لكان أدعى أن يفعلها من هم أكثر منا تقدمًا، ولكنهم لم يفعلوا.. ربما لأنهم تجاوزوا هذه المرحلة قبل عقود، أو لعلهم لم يمروا عليها من الأصل!

خالد توحيد

Sharaf_khaled@hotmail.com

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق