من تونس 77 إلي الجابون 2017 سفريات الهزيمة.. حكاية بلا نهاية
عماد محجوب
12
125
كل شيء يعود إلي الهدوء.. راحت السكرة وجاءت الفكرة، عشنا حُلمًا لطيفًا، خسرنا بطولة الأمم الأفريقية أمام الكاميرون.. انهزمنا 1/2 ليس لأننا الأسوأ فنيًا ومهاريًا.. لأن ما قدمناه في الشوط الأول أكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا الأحسن وتقدمنا بهدف محمد النني وبه رد اللاعب اعتباره.

ومن المدرجات تسللت إلي الملعب نغمات الاحتفال المبكر بالبطولة التي باتت مضمونة أو بالأحري هي أصلاً في أيدينا.. ولها أرسلنا كريمة المجتمع محمولة في الطائرات للعودة بالكأس ومعهم الوزير وكبار الضيوف، الذين عرف اللاعبين بوجودهم والتقوا بعضهم لشد الأزر والمساندة الوهمية، والغريب أنهم سافروا بالمجان علي حساب وطن يئن وربما يعلنون خلال ساعات عن متبرع بالتكلفة، أو أن السفر كان علي طائرات بعض رجال الأعمال..

وهي عود لذي بدء.. وكأننا لم نتعلم من دروس الماضي القريب ولا حتي البعيد. .. نسينا طائرات الخرطوم في مباراتنا أمام الجزائر، وضمت ذات الكوكبة الوزير وأصحابه والنائب ورجاله وغاب هذه المرة بعض الفنانين ونجلي مبارك وحضر ممثلوهما من إعلاميين ونواب وأصحاب الأعمال.. وإلي كل هؤلاء ذهبت الأنظار وتطايرت منهم وعنهم الأنباء والأخبار والمتابعات.. وارتفعت نبرة الثقة وإغداق الألقاب والاستعداد للتصريحات ورسائل التهانى..

كل هذا ذهب للاعبين وبعد أن سجل الننى.. وانتهي الشوط بدأت خيالات وصور الاحتفالات، وتراجعت روح الكفاح الذي تميزت به طوال مشوار البطولة، وغاب سر القوة والتفوق في مباريات لم نكن نستحق الفوز فيها إلا أننا حصلنا عليه بنداء تسعين مليونًا في نفس واحد "يارب" يشق عنان السماء، ليذهل الدنيا والرجال علي أرض الملعب يحاولون ويكافحون.. النني سجل هدف رد اعتباره في مواجهة الفشلة والجهلاء، ولم ينتظر والده إلي نهاية المباراة فكتب أنه حلُم بهدف ابنه، ولم يشر إلي النتيجة في رؤياه..!

.. كيف للمسئولين والشخصيات الوهمية أن تواصل خطيئة القفز أمام الإعلام والكاميرات لتسرق فرحة شعب يحاول أن يتجاوز آلامه وظروفه القاسية بلحظات سعادة مع انتصار كروى، والأكثر إيلامًا أنهم يكررون ذات الأخطاء ولا يسبقهم إليها أحد.. تأخرنا بالأمل ووضعناه في استاد أم درمان.. وقبلها بسنوات.. في عام 1977 أيضًا، ولم تكن الطائرات الخاصة متاحة أرسلنا العبارات كاملة إلي شواطئ الشقيقة تونس وعليها ذات الكريمة من المسئولين..

وذات الوزير وأيضًا كبار المدربين وبينهم "هيديكوتي" (الأهلى) وزكي عثمان (الزمالك).. لمساعدة الجهاز الفني (وهو هزل لا علاقة له بالكرة) ولكنهم سافروا علي العبارة وكنّا نحتاج فقط إلى التعادل مع تونس لنصعد بدلاً منها إلي نهائيات كأس العالم بالأرجنتين، وعاش لاعبونا أجواء الفرح والاحتفالات وضرب مصطفى يونس شقلباظ فسجل التوانسة هدفهم الأول، ثم انتهت المباراة 4/1 وعادت العبارة بمن عليها في هدوء وصمت الجنازات.

استعادت مصر تضامن والتفاف الأشقاء من المحيط إلى الخليج معها وحولها عبر البطولة.. تشجيع جنونى فاق التوقعات من كل العرب داخل القارة وفى كل العواصم التي تجمع المصريين ومظاهراتهم مع إخوانهم العرب. .. وقبل أن يجرفنا تيار الأحزان يجب أن نتدارس أحداث تسعة عشر يومًا خاض خلالها الفراعنة ست مباريات متصاعدة ومتناهية القوة، وأثبت بها رجالنا أنهم أهل للثقة والمحبة والاحترام الذي حصلوا عليه من الجماهير،

ولابد من الشد علي أيديهم والجهاز الفني بقيادة هيكتور كوبر الذي ظهر أكثر من واقعي وتفوق ميدانيًا في الشوط الأول من مباراة التتويج، ولكنه لم يسيطر علي حالة الانهيار في الثاني، لأنه ذهب مع اللاعبين إلي عالم الاحتفال وكسر النحس، وغير ذلك من الخزعبلات التي كثر الحديث عنها، وصولاً إلي "بدلة" رئيس البعثة المطعون في شرعية وجوده بالاتحاد والذي يحظي بالحفاوة والتكريم دون أن تتأكد نزاهته وسلامة سمعته وذمته المالية،

وكان يأمل في الكأس ليلقي به وجه التكريم والتشريف وربما يطلب عفوًا شاملاً يضم أخته وربما شقيقه الهارب بالمليارات المنهوبة.. ولا بأس من الحديث عن عودة "الأسطورة" عصام الحضري ليختتم حياته بالملاعب ضمن صفوف ناديه الذي هرب منه بالغش والتدليس.. ألم نفهم يومًا وطوال تاريخنا الرياضي وربما السياسي أن النوايا السيئة تفسد العمل الصالح..؟!

.. لدينا خطوط وخطوات واضحة نحو الأمل والمستقبل لأن أولادنا بخير وقدموا جهدًا رائعًا ونتائج كبيرة ونجحوا في تجاوز التوقعات الخرقاء لمحللي الفضائيات وأصحاب التكهنات والنظريات سواء الذين هاجموا بعض الاختيارات، حتي كشف عمرو وردة عن حجم موهبته وانتصر لتوقعات المدرب الذي خاض في الأدغال الوعرة ووصل إلى المباراة النهائية رقم 13 في مسيرته، والتي تتواكب مع مرور 60 عامًا علي نشأة الاتحاد الأفريقي في مصر (فبراير 1957)، ليكون جزءًا من أدوات القارة السمراء وسعيها نحو التحرر من الاستعمار وقسوة الرق والعبودية واستنزاف الثروات..

وها هي أفريقيا تقدم للكرة العالمية أعظم المواهب وتغلب البشرة السمراء وتبدع في كل الملاعب.. ومن أسف أن يتجه الصهاينة إلي غزونا عبر كرة القدم، فبعد علم بنجينللي لاعب غانا في كأس العالم 2006، وبعد 10 سنوات جاءتنا بلد "نوكروما" الزعيم الثائر بمدرب إسرائيلي (إفرام جرانت) لقيادة منتخبها في مواجهة مصر.. وشاءت إرادة الله وجهد أولادنا أن نقهره ونكسره في تصفيات كأس العالم، ثم منافسات أمم أفريقيا ليخرج منها بخفي حنين وهو مطأطئ الرأس كسير النفس.

.. والآن علينا أن نعيد ترتيب الأوراق وبسرعة وأن نكون أكثر التصاقًا وقربًا من الأشقاء الأفارقة، وأن نلعب معهم كثيرًا وفي توقفات (الأجندة الدولية) للإبقاء علي قوة مصر الناعمة، وزيادة ترابطها حتي لو كانت علي ذات الملاعب القاسية أو الوحشية.. وليكن هدفنا واحدًا هو مباراتا أوغندا ذهابًا وعودة لنضع قدمينا في ثبات داخل دائرة نهائيات كأس العالم في روسيا 2018..

وهو هدف أسمي وأكبر وأعظم من الكأس الأفريقية التي حصلنا عليها سبع مرات وخسرنا الثامنة بفعل الطائرات إياها وكوكبة المشهورين إياهم في كل زمان وعهد ونظام. فزنا بعلم مصر في كل بيت.. والتفاف الأسر في البيوت حول أغنيات تؤكد حب الجميع لهذا الوطن.. ربحنا عشرات الملايين في الساحات والميادين وعلي وجوههم الفرحة والسعادة والأمل في الغد وكلهم إحساس بالأمان والفخر ببلدهم.. حصلنا علي سعادة نستحقها وإن كانت قد نقصت "حتة" وعبرة في عين طفل، ولكنه سيظل محتفظًا وممسكًا بالعلم الذي اشتراه أبواه، وسيذكر دومًا الألوان التي وضعها علي وجهه أثناء المباراة..

وليعلم أولادنا أن القادم أفضل وأن مصر قادرة وأنها تجاوزت أعظم التحديات بين 2011 وحتي الآن.. وبقيت خطوة نقطعها بإذن الله في كمبالا ثم القاهرة لحصد 6 نقاط لنصل إلي المونديال ونعوّض الخسارة أمام الكاميرون التي أضاعت 7 ملايين دولار علي اتحاد الكرة، وأكثر منها بالمليارات عبرات وأحزان..

كل هذا يعود إلينا أضعافًا مضاعفة خلال الصيف المقبل فقط بدون طائرات الكبار ورحلات رجال الأعمال والمسئولين والنواب و"بدلة" الهوارية وشلة المنتفعين وعندها تكون أفراح مصر أكثر إشراقًا وتمتد أسابيع وشهورًا أكبر من عمر المسابقة وبها نحقق النقلة الحقيقية ونسترد الريادة كاملة والسيادة بحق والمكانة اللائقة بين الكبار، مصر لم تخسر.. وإنما هي فرحة منقوصة.. والقادم أكبر وأحلى بإذن الله.. بس أنتم قولوا يارب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق