صراع القرن
محمد مصطفي
12
125
عبر مائة عام هى عمر الصراع الكروى بين الأهلى والزمالك، تحولت المنافسة التى شهدت تنافسًا على هزيمة الإنجليز لإرضاء النزعة الوطنية لدى الشعب المصرى ضد الاحتلال البريطانى لمصر إلى صراع على النقطة والبطولات والاستحواذ على خيرة اللاعبين:

بدأت المنافسة بين القطبين الكبيرين عندما كون إبراهيم علام سكرتير نادى السكة الحديد فريقًا من اللاعبين المهرة لمقابلة فرق الجيش الإنجليزى، وهزمها عدة مرات، كما أنشأ حسين حجازى فريقًا لكرة القدم سماه "حجازى 11" وكان ينافس الفرق الإنجليزية فى الساحات والميادين ومحافظات مصر، وهكذا كانت البداية، فقد ظهر فى مصر فريقان قويان يلعبان نفس اللعبة التى اخترعها الإنجليز فى العصر الحديث وينافسان الإنجليز عليها بل ويهزمانهم،

ويرضيان عامة الشعب المصرى الذى يطمح فى هزيمة المحتل الإنجليزى فى أى مجال. ضم حجازى أغلب لاعبى فريقه للنادى الأهلى، وأخذ إبراهيم علام أغلب لاعبى فريقه وضمهم لنادى المختلط (فاروق ثم الزمالك فيما بعد)، ولأن الفريقين أقوى الفرق المصرية فقد اتفق قائدا الفريقين على إقامة مباريات بينهما، وكانت أول مباراة يوم 9 فبراير 1917، ومن هنا بدأ التنافس بين الكبيرين والذى تحول لصراع شديد. اشتد الصراع عندما انتقل حسين حجازى إلى المختلط سنة 1919، فقد كان حسين حجازى ملقبًا بـ"أبوالكرة المصرية"، صاحب شعبية طاغية، وعندما انتقل للمختلط انتقل وراءه بعض من مشجعى الأهلى حبًا فيه، فهم يرونه بطلًا يهزم الإنجليز من ناحية،

ومن ناحية أخرى فهو اللاعب الذى لا يبارى، بينما استمر باقى مشجعى الأهلى على تشجيعهم له لأنهم يرون الأهلى أول ناد أسسه المصريون، بينما المختلط أسسه الأجانب، وأصبحت مباريات الفريقين تحمل الكثير من الحساسية، والطريف أن حجازى الذى انتقل بين الأهلى والمختلط مرتين ومرة للسكة الحديد كان يأخذ وراءه مشجعيه، بل ويفوز فريقه بالبطولات وهذا الأمر زاد من الحساسية،

فقد فاز معه المختلط بأربع بطولات قبل أن يتركه وينتقل للسكة الحديد عام 1923 لأنه عاشق للعبتى البليارد والبريدج ومقر المختلط لا يوجد به مكان للعبتين، ولعب للسكة الحديد موسما حصل معه على بطولتين، ثم عاد للأهلى عام 1924 ليفوز معه بالبطولات قبل أن يعاقبه الأهلى عام 1928 لرفضه تسلم جوائز المركز الثانى بعد خسارة الأهلى أمام الترسانة فى كأس السلطان حسين، فيقرر العودة للمختلط وأخذ معه بعض لاعبى الأهلى. لكن هذه المرة ظهر نجم محمود مختار التتش،

وجاء أول لقاء بين المختلط بقيادة حجازى والأهلى بقيادة التتش الذى قاد مجموعة من صغار الأهلى بدلا من المنتقلين مع حجازى للمختلط، وفاز الأهلى على المختلط وغضب جمهور حجازى وكاد يعتدى على التتش حبًا فى حجازى لكن حجازى منع الجمهور من ذلك وكان العنوان الكبير للمقابلة "الأهلى هزم حجازى"، ومع التتش انتهت سطوة حجازى مع البطولات، فمنذ انتقاله الأخير للمختلط عام 1928 وحتى اعتزاله الكرة عام 1931 فاز الأهلى مع التتش بست بطولات بينما فاز المختلط مع حجازى ببطولة واحدة فقط، وهكذا كان لحجازى فضل كبير فى زيادة شعبية الناديين بل والكرة المصرية،

فمع انتقال حجازى لأحد الناديين تنتقل معه بعض الجماهير وتبقى جماهير تشجع الفريق الذى كان فيه حجازى، وكان انتقال حجازى يثير غضب الجمهور من الفريق المنتقل إليه حجازى. لم يكن انتقال حسين حجازى وحده سببًا فى زيادة حدة المنافسة، بل انتقل أيضا لاعبون آخرون كانوا هدافين، فعبدالكريم صقر الذى بدأ ناشئًا فى الأهلى وأحرز له 11 هدفًا فى مرمى المختلط، انتقل للمختلط وأحرز له خمسة أهداف فى مرمى الأهلى، كما انتقل مصطفى كامل من الأهلى الذى أحرز له سبعة أهداف فى مرمى المختلط إلى لمختلط وأحرز معه ثمانية أهداف فى مرمى الأهلى،

وهذا زاد من الخصومة. فى الأربعينيات أخذ الصراع شكلًا آخر بدخول حزب الوفد ممثلًا فى فؤاد سراج الدين وزير الداخلية وعضو النادى الأهلى وقتها ثم عضو مجلس إدارته، والقصر ممثلًا فى محمد حيدر باشا وزير الحربية ورئيس الزمالك منذ عام 1923 وحتى قيام ثورة 1952، فقد تلقى النادى الأهلى دعوة للعب مع الأندية الفلسطينية ورفض حيدر باشا وكان رئيسًا لاتحاد الكرة ورئيسًا للمختلط فى نفس الوقت، ونصح فؤاد سراج لاعبى الأهلى باللعب بعيدًا عن مظلة الأندية والاتحاد فسافروا تحت اسم "نجوم القاهرة" ومعهم اثنان من لاعبى المختلط، فأصدر حيدر باشا قرارًا بإيقاف اللاعبين،

وقرر الأهلى عدم لعب بطولة الكأس التى اقتربت، وتدخل الملك وتم رفع الإيقاف لكن الأهلى خسر نهائى الكأس بستة أهداف وشعرت جماهير الأهلى أن حيدر باشا رئيس الاتحاد ورئيس المختلط هو السبب فى الهزيمة وزادت الخصومة. وفى الخمسينيات شهد الصراع تحولًا نتيجة أزمة مباراة الترام الشهيرة فى أبريل 1955، فقد احتج لاعبو الترام نتيجة فوز الأهلى 3 ــ 2 معتبرين أن هناك خطأ لمصلحة حارس مرماهم، ورفضوا استكمال المباراة فأطلق حسين إمام صافرته منهيًا المباراة،

وقرر الاتحاد إعادة المباراة ورفض الأهلى وألغى الاتحاد المسابقة وكان باقيًا على نهايتها أسبوعان والصراع على أشده بين الأهلى والزمالك للفوز بالدورى، وشعرت جماهير الفريقين بالظلم، فالأهلى يشعر بأن الاتحاد أضاع منه بطولة، والزمالك شعر بأنه كان قريبًا من الفوز بالدورى للمرة الأولى فى تاريخه، وكانت هذه المباراة من أسباب اللجوء للتحكيم الأجنبى فى لقاءات الفريقين. فى الخمسينيات ألغى اتحاد الكرة لائحة الانتقالات التى كانت تسمح بانتقال اللاعبين فى نهاية كل موسم،

وأصدر لائحة تمنع الانتقالات إلا بموافقة الأندية مع تحديد موسم للانتقالات كل أربعة مواسم، ومعه زادت حدة الصراع، ففى موسم الانتقالات يشتد الصراع بين الفريقين، وكانت أزمة انتقال لمعى لاعب المنصورة ذروة صراع الانتقالات من الخمسينيات وحتى منتصف التسعينيات، ففى 1966 حاول الأهلى ضم لمعى ودخل الزمالك منافسًا،

وتدخل طلعت خيرى وزير الشباب وسعد زايد محافظ القاهرة لنقل لمعى للزمالك مجاملة منهما للمشير عامر، ورفض لمعى وهدد باعتزال الكرة فاستدعاه محافظ الدقهلية وسأله عن رغبته واختار الأهلى وانتقل إليه. لم تكن المنافسة القوية خارج الملعب فقط، فقد شهد تاريخ الناديين أربع مباريات تم إلغاؤها قبل انتهائها نتيجة شغب اللاعبين والجماهير،

البداية فى مباراة الفريقين يوم 18 مارس 1966، وتقدم الزمالك بهدفين ولم ترض الجماهير عن النتيجة واقتحمت الملعب وكتب نجيب المستكاوى فى الأهرام "يوم أغبر فى تاريخ الرياضة المصرية"، وتكرر الأمر فى 24 ديسمبر 1971، عندما احتسب الحكم الدولى الديبة ضربة جزاء للزمالك ضد مروان حارس الأهلى أحرزها فاروق جعفر وتسبب مروان فى أزمة ألغت المباراة، وتوقف الدورى ثلاث سنوات، وفى التسعينيات يوم 24 يونيو 1996 تقدم الأهلى بهدفين واحتج لاعبو الزمالك ولم تستكمل المباراة، وفى التاسع من أبريل 1999 وبعد دقائق من بداية المباراة طرد الحكم الفرنسى مارك باتا لاعب الزمالك أيمن عبدالعزيز،

وانسحب الزمالك من المباراة، وكانت هذه المباريات سببًا فى تأجيج مشاعر جماهير الناديين. فى التسعينيات وبداية الألفية الجديدة اشتد الصراع بين الكبيرين على اللاعبين، وكلما انتقل لاعب من أحد الناديين للآخر أو ينتقل لاعب من فريق ثالث يريده أحد الناديين للنادى الآخر تزداد حدة الصراع، وبدأ برضا عبدالعال فى منتصف التسعينيات، عندما انتقل من الزمالك للأهلى، وكانت أشهر الانتقالات التى أثارت السخونة والصراع انتقال التوأم حسام وإبراهيم حسن من الأهلى للزمالك،

كما أثيرت أزمات فى انتقالات لاعبين آخرين منهم محمد ناجى جدو ومؤمن زكريا وعمرو سماكة ومحمد عبدالله ورامى سعيد وهانى سعيد ومصطفى جعفر وعمرو زكى وسعيد عبدالعزيز، وتحولت مواسم الانتقالات صيفًا وشتاء لتصبح مجالًا للتنافس القوى، فمن من الفريقين يظفر بلاعبين أكثر من الآخر؟. ولا ننسى قضية بطل القرن، هذه القضية التى أشعلت الصراع بين الناديين وكلما يخمد يشتعل من جديد، عندما اختار الاتحاد الأفريقى لكرة القدم فى نهاية عام 2000 النادى الأهلى بطلًا للقرن وفق معايير وضعها فى يناير 1994، وعند إعلان الأهلى بطلًا للقرن ثارت ثائرة جمهور الزمالك ومسئوليه فهم يرون فريقهم الأجدر باللقب. ويبقى أن هذه المنافسة التاريخية بين الفريقين جعلت من لقائهما ضمن أقوى عشرة ديربيات فى العالم،

فبعيدًا عن التنافس على الفوز بالبطولات، ترى بعض جماهير الناديين أن الفوز على الفريق الآخر بمثابة البطولة، وتعتبر بعض جماهير الفريق الخاسر للدورى الفوز بالمباراة تعويضًا لها عن الفوز بالبطولة وسببًا فى إفساد فرحة جمهور البطل ببطولته... ويستمر التنافس والصراع إلى ما شاء الله.

رابط دائم: 
كلمات البحث:
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق