الأهلى والزمالك.. سجل وطن!
اشرف الشامي
12
125
ربما ليس صحيحا أن الدراما التى يتنافس فيها وجهان على مستوى واحد من الموهبة والإبداع والقوة هى فقط من ينتبه إليها المتفرجون.. وليس منطقيا أيضا أن كرة القدم ليست قوة ناعمة قادرة على التوجيه والتغيير لكن ربما يكون الصحيح والواقعى والمنطقى أن هناك ديربيات وكلاسيكيات صنعتها أسباب واختلافات ربما سياسية أو عقائدية أو اجتماعية وغيرها، وهناك ديربيات صنعتها حكايات من الوطنية والتنافس ومؤسسات صنعت وطنا من الحرية والمتعة والانتصارات لشعب يقوى ووطن يبنى!

نتكلم عن قطبى الكرة المصرية.. الزعيمين الكبيرين.. الأهلى والزمالك ومائة عام من المنافسة على حب الوطن.. المنافسة على قلوب ورضا المصريين.. مائة عام من تاريخ الوطنية منذ أول مباراة بينهما فى التاسع من فبراير عام 1917 حينما قررا بعد مفاوضات ومناقشات وشروط اللعب لتحديد الأقوى فتعادلا فى الفوز بالمباراتين لكن تبقى ذكرى اللقاء الأول شاهدة على أن المؤسستين كانتا ولا تزالان فى خانة الوطنية المصرية وكبرياء وانتصارات شعب..

المباراة أقيمت على ملعب الزمالك القديم والأول، حيث دار القضاء العالى حاليا ونقابتى المحامين والصحفيين.. وانتهت المباراة الأولى بفوز الأهلى بهدف وحيد أحرزه عبدالحميد محرم لاعب الأهلى الكبير.. وليس مهمًا من فاز ومن خسر لأن الفوز الأكبر كان لحلم شعب ووطن.. حكومات ومدرجات.. إنها أول مباراة فى تاريخ مصر بدون أجانب ولا برانيط ولا خبرة وتوجيهات ومدرجات خواجات وقد كانت شعلة الانتفاضة المصرية الوطنية الحقيقية فى وجه المستعمر البريطانى الغاصب وكبر الحلم حتى التحرر الكروى خلال وبعد ثورة 1919 حينما قرر الناديان الكبيران تهديد الإنجليز وأتباعهم فى القصر والحكومة بوقف النشاط الكروى حال تدخل أى أجنبى فى إدارة الكرة المصرية واختيار المنتخب الذى سيمثل مصر فى الدورة الأوليمبية بأنفرس عام 1920 وهو الموقف الذى كرره الكبيران ومعهما كل أندية مصر حينما قرروا تأسيس أول اتحاد وطنى للعبة عام 1921..

وأيضا هو الموقف الذى تكرر حينما رفض الناديان الإخوان فى حكم مصر ومعهما كل الأندية والمدرجات.. تاريخ طويل وحكايات أطول وأوراق أكثر لا تكتفى أبدا بمنح الزعيمين حقهما فى التسجيل والتأريخ لأحلام وطن حتى لو كانت فى كرة القدم.. تاريخ طويل بات جزءا ولا أروع من تاريخ مصر.. تاريخ كتبه نجوم كثيرون معروفون وآخرون مجهولون ولا يزالون.. ومائة عام من القدرة على المشاركة والتأثير والتغيير وصناعة الفرحة والكرامة والكبرياء..

مائة عام من المشاركة الحقيقية وليس الخيال الذى لجأ إليه الأديب العالمى جابريل جارسيا ماركيز الحائز على نوبل فى روايته مائة عام من العزلة والتى بالمصادفة أن أحداثها جرت أيضا على مدى عشرة عقود تماما كما الحال فى الأهلى والزمالك.. الرواية كانت فكرة خيالية عن بناء تاريخ لبداية ميلاد قرية جديدة تسمى بوكوندو وكانت تهدف إلى توصيل رسالة مفادها أن الزمن لا يسير فى خط مستقيم بما يعنى أنه كلما غادرت الأحداث ذاكراتنا أعادها الكون لكن فى شخصيات وأزمنة مختلفة..

هكذا كان القطبان الأهلى والزمالك فقد صنعا معا مشوار الوطنية والاستقلال الكروى ضد الاحتلال الإنجليزى وتشاركا فى أحلام المصريين وتخصصا فى تصدير الفرحة للمصريين على مدى عشرة عقود! ومثلما أخفى ليل رواية مائة عام من العزلة الكثير من المفارقات والمفاجآت والانتصارات والانكسارات

فى قصص الحب والنمو كان الأهلى والزمالك يمشيان مشوارًا طويلاً فى ليل الوطن وتخصصا فى تصدير دروس الوطنية الكروية وغيرها حيث كانا أقوى من الزمن والظروف ولم تتغير قناعتهما بتغير الأشخاص أو الرؤساء أو حتى الحكومات والرؤساء ولعل الجميع يعلم دور الاثنين أيام الثورة حينما قرر جمال عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة التوجه إلى المدرجات لمعرفة تأثير كرة القدم والكبيرين فى بناء وطن جديد ولد من رحم التحرر فى مباراة ومبادرة مشتركة لتسليح الجيش المصرى وكان ذلك فى أكتوبر عام 1955 من أجل تسليح الجيش المصرى..

ليكتشف الزعيم الراحل بأن مصر تملك سلاحين وناديين بحجم وشعبية ومكانة الأهلى والزمالك لا يجب بأية حال ألا يشاركا فى صناعة وطن ولا يجب أن يبقيا بعيدا هناك يمارسان ويتنافسان من أجل كرة القدم فقط وأنه من بات من الضرورى والمهم الاستفادة بقدراتهما وأحلامهما لما أهو أبعد وأكبر وأهم وهو بناء الوطن فمن يملك القدرة على تعبئة الشعب للمساهمة فى تسليح الجيش المصرى يكلك غيره الكثير. وعلى مدى مائة عام من الأحلام والواقع..

كانت الوطنية والتنافس وحب الفعل "فاز" قواسم مشتركة بين الزعيمين لكن لم تتخط حدود التنافس ولم تكن مواجهاتهما سوى منافسة كروية فى ديربى وكلاسيكو ولم يكن من بين مفرداتها أن تكون ديربيات قائمة على قطبية الأفكار ولا المعتقدات الدينية ولا الاختلافات السياسية بل كانت الوطنية هى الساس فى المنافسة المشروعة التى صنعتها قوة الفريقين وتأثيرهما فى المجتمع على مدار عشرة عقود رغم اختلاف الزمان والأماكن والشخوص لتبقى القيم العليا للوطنية والمبادئ هى من تحكم وتتحكم، لذلك فلم تكن تلك الرسالة التى نوقشت بجامعة السوربون قبل عقود دقيقة أو حقيقية..

الرسالة كان موضوعها: "الأندية فكرة سياسية إطارها رياضى وعنوانها وطنى" وجاء فى الرسالة أن سر التفاف الجماهير العربية حول الأهلى هو نشأته الوطنية، وأن الزمالك أصبح منافسا بسبب نشأته الأجنبية فى السنوات الأولى من عمره وهو تحليل أو رصد ليس فى محله ليس فقط لأن أول رئيسين للناديين كان أجنبيا لكن أيضا لأن قوة وقيم ونجوم وبطولات وانتصارات وإنجازات وجماهير الناديين هى من صنعت المنافسة بينهما وليس غير ذلك..

هذا التنافس الوطنى يخدم مصر بشكل مباشر فى قطاع المنتخبات الوطنية فعلى مدى العقود العشرة الماضية كان لاعبو الزمالك والأهلى هما الأكثر وجودا فى المنتخبات والأكثر مشاركة وربما الأكثر تأثيرا فى تحقيق الانتصارات وصناعة الإنجازات وتصدير الفرحة للمصريين خاصة فى العقود الثلاثة الأخيرة ليس ذلك فقط بل أيضا امتد إلى البطولات العربية والأفريقية والبطولات الدولية والكثير من الإنجازات والكئوس لتاريخ مصر الرياضى فى كل اللعبات وليس كرة القدم فقط وراجعوا سجل إنجازات وبطولات وكئوس كل اللعبات..

فالناديان الكبيران باتا زعيمين ليس فقط للمصريين فقط بل للعرب وفخر وافتخار للقارة السمراء ومن يسهم فى بناء وطن وتصدير الفرحة لشعب يستحق منا جمعيا الثناء والتكريم والاحتفال والاحتفاء.. الزعيمان مائة عام من الأحلام والوطنية!

رابط دائم: 
كلمات البحث:
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق