الأزمة ليست جريشة.. وإنما فضيحة الرياضة وأخلاقياتها
عماد محجوب
12
125
طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لبحث تداعيات الأزمة التى فجرها الحكم الدولى المصرى جهاد جريشة بعدم احتساب ركلة جزاء صحيحة وواضحة للزمالك فى مباراته أمام المقاصة.. وقد تداعت المؤسسات الدولية لبحث نتائج الفضيحة الكارثية واستمرت فى انعقاد دائم حتى إشعار آخر لضمان استقرار الأوضاع قبل الانزلاق إلى حرب عالمية شاملة.

.. العالم لا يفكر ولا يشغل باله بالعبث الذى يدور فى عالمنا الافتراضى (مع ملهاة كرة القدم) التى تدار بقدر من السذاجة يُخرج الساحرة المستديرة عن جمالياتها وفنونها ويحولها إلى أداة صراع وحرب وتأليب الناس على بعضها بلا معنى أو قيمة حقيقية لأن الرياضة تسهم فى الارتقاء بالأخلاقيات وترتفع بالأمم والشعوب وهى جزء من ملامح التحضر وانتصار الإرادة والتفوق.. الرياضة دعوة للسلام.. كيف حولناها إلى قنبلة موقوتة شديدة الانفجار وسط الزحام الشديد؟!

.. الفضائيات والصحف والمنتديات.. وشبكات التواصل الاجتماعى مشتعلة بتوابع الأزمة وذهب البعض مع لقطات من التاريخ القريب والبعيد لإثبات أن الزمالك ارتكب أخطاء أكبر ولم تحتسب عليه ركلات جزاء كثيرة جدًا وأنه حصل بموجبها على عدد هائل من النقاط (يتجاوز 19 نقطة) خلال الموسم الأخير.. فى حين عرض الفريق الآخر لعدد كبير (أيضًا) من الفيديوهات التى توضح أن الفضيحة لها جذور فى عمق الزمن وأنها كانت دائمًا متعمدة ضد الأبيض ولمصلحة الأحمر وبها حقق الجزء الأوفر من بطولاته.. ودخل أنصار الأهلى المعركة بعرض مشاهد مؤثرة تعبر عن الظلم الذى تعرض له فريقها على مدى عقود.

. وتناسى البعض ما حدث مع فريق طنطا المكافح.. والنصر للتعدين المظلوم فى واقعة خروج محمد عواد من مرماه لمنع الكرة بيده دون طرد أو حتى احتساب للخطأ، ووسط المعارك الضارية تأكدت عدة حقائق وهى أن الكذب البيّن هو أحد أبرز أسلحة الفرقاء، وأنهم جميعًا يوظفون الوقائع واللقطات حسب الأهواء رغم أنهم جميعًا يتفقون على أن خطيئة أحمد سامى مدافع المقاصة كانت تستوجب احتساب ركلة جزاء للزمالك (بدون طرد اللاعب) وذهبت الأغلبية إلى أن الحكم (جهاد جريشة) لم ير اللعبة وأنه رقم واحد فى مصر ومشهود له بالكفاءة والنزاهة والدليل أنه وقع فى أخطاء مماثلة لذات اللعبة أى أن لديه مشكلة فى التركيز أثناء التدافع فى الكرات الثابتة حول منطقة الجزاء لأنه يحدد مكان الخطأ ويأذن باللعب قبل أن يتمركز فى المكان المناسب لرؤية ما يحدث داخل منطقة الجزاء، وإذا قلنا إنه أضر بالأهلى أكثر من مرة فهذا يعنى أننا نهون من المشكلة..

ونكون فى ورطة إذا قلنا إن تأثير الغلطة هو فقدان الزمالك نقطة واحدة بفرض تعادله بركلة الجزاء فى حين يرى الزملكاوية أن الخمس وعشرين دقيقة الباقية كانت كافية للفوز بأكثر من هدف أمام فريق لا يفعل شيئًا سوى الدفاع.. .. يبدو أن الحالة المصرية كانت فى حاجة لغلطة جريشة حتى تأخذنا بعيدًا عن أحداث رياضية أخرى تدور على الساحة الأفريقية والتحضير للانتخابات المقرر لها الثامن عشر من مارس ويهتز فيها مقعد مصر فى الفيفا ويطرح البعض خطة نقل مقر الكاف من القاهرة..

وأيضًا النتائج الصادمة لمنتخب الشباب والتى تشكل فضيحة لآلية اختيار الأجهزة الفنية وإهدار عشرات الملايين على الحبايب والمحاسيب فى بلد حباها الله بوفرة من المواهب فى كل الأجيال وكثرة من المنحرفين والفاسدين حولوا قيم الرياضة إلى تجارة وتربح.. كما استراح مسئولو الزمالك للخطأ واختبأ الجميع خلفه، لأن التعادل يعنى تراجع فرص المنافسة على بطولة الدورى، التى وعدت الإدارة بحصدها بعد أن استثمرت فيها حوالى 150 مليون جنيه ودعمت الفريق وأصبحت تراه الأقوى والأعظم والأجدر بحصد البطولات..

والتطلع إلى دورى الأبطال ثم كأس العالم للأندية وهو طموح مشروع، ولكن الخطأ الأكثر فجاجة أن نخفى وراء خطأ جريشة خطايا أكبر.. .. الزمالك استفاد (مثل غيره) من أخطاء التحكيم واكتوى بها أيضًا مثل كل الأندية وربما بدرجة أقل لأن البعض يخشاه أكثر، خرج فائزًا على المصرى بهدف وتغاضى الحكم عن احتساب ضربتى جزاء كانت كافية لخروجه مهزومًا وخسارة النقاط الثلاث.. ولم ير الحكم ثلاث ضربات جزاء صحيحة ارتكبها لاعبو الزمالك ضد لاعبى طنطا بل وطرد أحدهم ليفوز الأبيض بثلاث نقاط لا يستحق منها نقطة واحدة.. ولكن الخطأ وارد وموجود،

وفى أرقى دول العالم وأكبر البطولات وأكثرها شهرة وأندية استثماراتها تتجاوز المليار دولار وتحدث بها كوارث لا يراها الحكم.. وتمر وتغير نتائج ولا أحد يكفر بالرياضة وأن الخطأ البشرى جزء من جماليات اللعبة وسحرها.. ولم يسع أحد فى إسبانيا، أو إيطاليا أو بلاد الإنجليز إلى توظيف خطأ الحكم وخسارة مباراة فى كأس العالم لكى يسب بلدًا.. أو يتطاول على أمة..

ولا يتجاوز فى حق آحاد الناس وليس فقط رموز الرياضة.. ولم يتسبب خطأ (مهما كبر) فى اقتحام الألفاظ النابية للبيوت إلا هنا فى مصر، وبها يتندر الأشقاء العرب بفعل التلوث السمعى والبذاءات التى تطال الرموز الذين كانت الدنيا تشير إليهم بكل الاحترام وتستعين بخبراتهم فى بلادها. .. ويبقى محمد حلمى وجهازه فوق صفيح ساخن لحين إشعار آخر.. وسيخطئ الحكام فى مصر والعالم وستزداد فجاجة الخطأ بفعل ارتقاء تقنية التصوير والمراقبة بكاميرات أشكال وأنواع وأبعاد تفوق قدرة الألف عين.. بدليل أن حلمى ذهب ليتأكد من ركلة الجزاء قبل أن يطير فى الهواء صارخًا..

ولابد من تطوير أساليب إعداد الحكام ورفع كفاءتهم ولا بأس من الأخذ ببعض التقنية المساعدة ومع ذلك ستبقى الأخطاء، ولكن علينا فى كل الحالات أن نتحلى بروح الرياضة وقيمها.. أخطأ جهاد جريشة.. وبعده سيخطئ آخرون.. وبعد 100 عام ستتواصل الأخطاء.. ولا يجب إيقاف جريشة لإرهاب الآخرين فتزيد أخطاؤهم بفعل الخوف من الخطأ أو أن يلقوا بالخطايا على الضحايا الذين يواجهون الزمالك أو ينافسونه،

وعندها سينهار الأبيض ولن يحصل أيضًا على البطولات لأنه لن يصلح أخطاءه الإدارية والفنية ولن يطور مستوى لاعبيه بعد أن تحول أكثرهم إلى موظفين أو أشباح تتحرك على الأرض كما كانوا فى مباراتهم أمام مصر المقاصة. .. تأهلت فرنسا لنهائيات المونديال على حساب إيرلندا بكرة وضعها تيرى هنرى بيده فى المرمى ولم يرها الحكم أو أو أبدى أسفه بعد المباراة، وحصلت إنجلترا على كأس العالم 1966 بهدف جيف هيرست لم تتجاوز فيه الكرة خط مرمى ألمانيا التى كانت متقدمة 2 ــ 1 ثم انهارت للتعادل غير الشرعى..

كما سجل "لامبارد" هدفًا لإنجلترا أمام ألمانيا ذاتها فى كأس العالم 2010 ولم يحتسب وخرجت من البطولة.. وخسر الأهلى دورى الأبطال 2010 أمام الترجى بهدف "إنرامو" التى طار عليها ووضعها بيده ورآها كل من فى الملعب، وسجل مارادونا فى 1986 هدفًا بيده وجع قلب الإنجليز وأخرجهم من البطولة، ولم تنقلب الدنيا وبعدها اعتذر اللاعب لعلى بن ناصر فى وطنه تونس. ..

سجلت إسبانيا هدفين فى مرمى كوريا الجنوبية بكأس العالم 2002 (أكد العالم كله صحتهما) وألغاهما الدولى المصرى (وقتها) جمال الغندور ليصعد البلد المنظم لدور الأربعة..

وبعدها ألغى الإكوادورى بيرون موريتو هدفًا صحيحًا لإيطاليا (فى البطولة نفسها) ثم منح الميدالية البرونزية لكوريا الجنوبية فيما اعتبر فضيحة كاملة الأركان إلا أنها لم تترك أثرها على سير الأحداث والبطولات باعتبارها خطأ بشريًا فادحًا وكبيرًا ربما يزيد عليه خطأ لاعب ووضع الكرة فى مرمى فريقه أو أن يلعب المدرب بتشكيلة تفقد فريقه بطولة أو مباراة.. وبين نوادر الكرة والتحكيم فى دورى أبطال أوروبا الحكم النرويجى "توم ريتينج" الذى رفض احتساب 3 ضربات جزاء صحيحة لمصلحة تشيلسى واحتج النجم "بالاك" وتم إيقافه رغم اعتراف العالم بصحة احتجاجه..

ولكن فى مصر لا أحد يستطيع أن يحاسب البذىء والمنفلت.. فلا تتحدثوا عن عودة الجماهير للمدرجات قبل أن تعلموا عناصر اللعبة قيمة وكيفية احترام القوانين واللوائح وأخلاقيات الرياضة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق