نجوم أضاعوا التاريخ
صلاح رشاد
12
125
أصعب قرار على لاعب الكرة هو أن يعتزل اللعب ويودع المستطيل الأخضر، خاصة إذا كان نجمًا لامعًا له حضوره وبصمته.. البعض يختار الوقت المناسب للحفاظ على التاريخ والمكانة، والبعض الآخر يعاند ويفضّل الاستمرار لفترة طويلة ويتناسى أنه يخصم من رصيده، وسرعان ما يدفع ثمنًا غاليًا يشعر به لكن بعد فوات الأوان.

عماد متعب وحسنى عبدربه وحسام غالى نماذج للنجوم الذين يعاندون أو بمعنى أكثر دقة يسيئون تقدير الموقف. متعب هو واحد من أفضل المهاجمين فى تاريخ الأهلى والكرة المصرية.. إنجازاته لا يختلف عليها اثنان، وبصمته لا ينكرها إلا جاحد أو غير منصف..

ولم يكن غريبًا أن يحظى بمكانة كبيرة فى قلوب جماهير الفانلة الحمراء، هذه المكانة كانت تتطلب منه وقفة حقيقية مع نفسه بعيدًا عن الهوى والحسابات الخاطئة، لكن متعب لم يفضل أن يقف مع نفسه هذه الوقفة المستحقة رغم كل ما يعانيه مع الفريق فى السنوات الأخيرة..

فقد سقط من حسابات كل المدربين الذين تعاقبوا على تدريب الأهلى فى السنوات الماضية سواء أجانب أو وطنيين، كانوا ينظرون إليه على أنه المهاجم العجوز الذى فقد هيبته وبريقه وتضاءلت قدراته التهديفية فى ظل تراجع لياقته البدنية كثيرًا عن سنوات شبابه الأولي، وهذا وضع طبيعى بعد أن اقترب من الخامسة والثلاثين من عمره،

كانت رسالة المدربين واضحة للنجم الكبير(لن تكون أساسيًا ولن تظهر داخل البساط الأخضر إلا لدقائق قليلة وعلى فترات متباعدة)، هذه الرسالة كانت تتكرر من كل مدرب لكن متعب كان يرد بالإصرار على البقاء ورغم أنه كان يرد أحيانًا داخل الملعب بأهداف رائعة وفى أوقات قاتلة لكن ظلت النظرة كما هى لم تتغير ولم يفكر أحد من المدربين أن يمنح متعب الفرصة كاملة ويراهن عليه مثلما كان فى عنفوان شبابه وعطائه، الزمن تغيّر والحسابات تغيرت والمردود البدنى تضاءل،

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير هو إصرار متعب على الاستمرار وكان رده أنه مازال قادرًا على العطاء، متناسيًا أن العبرة ليست بمدى القدرة على العطاء من جانب اللاعب، وإنما يجب أن يشعر بها المدرب، يجب أن يحس بأنه فى حاجة إلى هذا اللاعب، إلى موهبته وقدراته إلى شخصيته داخل الملعب ونجاحه فى مباغتة المنافسين، وجود هذه العوامل والقدرات فى اللاعب يحددها المدرب فقط، ولولا أن متعب له رصيد كبير داخل جدران القلعة الحمراء لتعرض لموقف درامى يسحب من رصيده ويهز كيانه وتاريخه..

ومن أجل هذا الرصيد فضلت الإدارة أن تجدد له لموسم جديد هو الأخير بلا شك للمهاجم المخضرم فى الملاعب. نفس هذا الرصيد هو الذى سمح لحسنى عبدربه بالبقاء مع الإسماعيلى حتى الآن.. قيصر الدراويش الذى لطالما تغنت جماهير الفانلة الحمراء باسمه لم يعد قادرًا على إسعادها، ولم يعد فى استطاعته صناعة الفارق للإسماعيلي، هذه حقيقة يلمسها القاصى والداني.. فاللاعب الذى أجرى عملية الرباط الصليبى 3 مرات لم يعد قادرًا على أن يصول ويجول.. خذلته اللياقة..

وخذلته الظروف والإمكانات.. وفى هذا المناخ يصبح الاعتزال أفضل خاصة لنجم فى قامة عبدربه، لكن صغر سنه نسبيًا وإحساسه بأن الفريق فى حاجة إليه جعله يستمر، وقد تجاوبت الإدارة الجديدة بقيادة إبراهيم عثمان مع مشاعر اللاعب صاحب الشعبية الكبيرة فى قلعة الدراويش فتم تمديد عقده لموسمين مقبلين، لكن ما أبعد الفارق بين حسنى زمان والآن..

إنه حاليًا صورة باهتة ضبابية لا بريق فيها ولا جاذبية، وهكذا يدفع نجوم كبار ثمنًا غاليًا لحب البقاء.. هذا الحب الذى يشبه الدبة التى قتلت صاحبها، فالرهان على العقل فى هذه الأوقات أفضل كثيرًا من التمسك بالعاطفة التى تنال من قدر النجوم وقيمتهم فى نهاية المطاف. ولا يختلف الأمر بالنسبة لحسام غالى.. لم يعد من العناصر الأساسية فى الأهلى بل حتى أن حسام البدرى يفضل الاعتماد على أحمد فتحى كثيرًا فى خط الوسط إلى جوار حسام عاشور وذلك رغم إصابة وابتعاد السولية..

وليس سرًا أن نقول إن الأهلى تأخر فى تجديد عقد غالى ومتعب لأسباب فنية وتراجع لأسباب جماهيرية وخوف من المنافس الزمالك. نجوم آخرون كانوا أكثر ذكاء تعاملوا مع هذا الموقف الصعب بعقلانية رفضوا الاستسلام للعاطفة الجياشة، عاطفة البقاء فى الملاعب تحت ظلال الشهرة والنجومية.. لم ينخدعوا بكلمات معسولة من هنا أو هناك..

فاللياقة البدنية انخفضت والقدرات الهجومية لم تعد مثلما كانت فى الماضى البعيد، ففضلوا الاعتزال وهم فى قلب النجومية، متمتعين بالرصيد والقبول والحضور مثل محمد بركات ومحمد أبوتريكة.. كلا النجمين كان ومازال يمتلك شعبية جارفة فقبل 4 سنوات أعلن بركات اعتزاله ورغم أنه كان قد تجاوز الخامسة والثلاثين فإنه كان يحتفظ بقدرة عالية على العطاء، لكنه لم يستسلم لهذه القدرة التى كانت قد وصلت إلى محطتها الأخيرة بالإضافة إلى أنه كان قد شعر بالملل و"الزهق" على حد قوله،

وكانت مذبحة بورسعيد فى فبراير 2012 قد وضعت حاجزًا بينه وبين الاستمرار فى الملاعب، وبعد ضغوط من مدرب الأهلى فى ذلك الوقت مانويل جوزيه عاد اللاعب الزئبقي، لكن قرار طى صفحة الملاعب كان قد صدر من داخله فكانت عودته قصيرة الأجل، وفضل بركات اعتزال البساط وهو فى قمة توهجه.. وعلى نفس المنوال سار رفيق دربه فى الإنجازات والبصمات محمد أبوتريكة الذى اعتزل عام 2014 وكان الفريق الأحمر فى حاجة إلى لمساته السحرية وشخصيته القيادية، وكانت العروض المغرية من أندية عربية تحاصره لكن أبوتريكة كان أكثر انشغالاً بالحفاظ على اسمه وتاريخه،

البقاء لبضعة أشهر أخرى لن يضيف إليه جديدًا لكن الرحيل فى قمة النجومية والتوهج هو الإضافة الحقيقية، كان عينه على التاريخ وليس على شيكات برصيد ستسحب لاشك من الرصيد. السحب من الرصيد يهز كيان النجوم الكبار.. وعندما يشعر بعضهم بأن هذا الرصيد فى خطر، يبادرون على الفور فى اتخاذ القرار الذى ينقذهم من السقطات ويحفظ لهم مكانتهم فى قلوب الجماهير.. قبل أن تنقلب عليهم وتتحول هتافات الإعجاب إلى صيحات استهجان..

وكان حازم إمام (الثعلب الصغير) نموذجًا للنجم الذى يحرص على مكانته فى قلوب عشاقه.. وعندما هتفت جماهير الفانلة البيضاء قائلة (كفاية ياحازم) فى شهر أغسطس من عام 2007 كان الرد من حازم حازمًا وقاطعًا (حانت لحظة الاعتزال) ولم يتراجع حتى بعد أن حاولت الجماهير أن تسترضيه.. فقد كان الثعلب الصغير أذكى من أن يستسلم للعاطفة فى هذه الأوقات المصيرية..

لقد وصلت الرسالة الأولى وتعامل معها بعقلانية، وكان يعلم أن التراجع سيسحب من رصيده يومًا ما، فكان حريصًا على ألا يأتى هذا اليوم لتظل المكانة كبيرة والنجومية حاضرة حتى بعد الاعتزال.

حمدى نوح نجم الإسماعيلى والمقاولون الأسبق يرى أن اختيار توقيت الاعتزال مهم جدًا خاصة بالنسبة للنجم الذى له شعبيته ومكانته فى قلوب الجماهير، مشيرًا إلى أن هناك أسماء كثيرة أحسنت التعامل مع هذه اللحظة المصيرية أبرزهم محمود الخطيب والراحل طه بصري.

ويشدد نوح على أن النجم ليس مثل اللاعب العادى لذلك يجب أن يتعامل مع قرار الاعتزال بمنتهى الذكاء والعقلانية، لأن له تاريخًا وشعبية يجب أن يحافظ عليهما، ولن يتسنى له ذلك إلا باختيار الوقت المناسب الذى يعزز مكانته عند الجماهير ولا يسحب رصيده فى قلوبها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق