أحمد الذى راهن عليه كثيرون للخلاص من حياتو
12
125
قد لا يعرف الكثيرون منّا أننا فى مصر تحديدًا لا نملك حق التساؤل عن إمكانات ومؤهلات أحمد أحمد وبداياته التى انتهت به رئيسًا جديدًا للاتحاد الأفريقى لكرة القدم

فقد سبق لنا أن قدّمنا للعالم كله الرئيس السادس للفيفا هو السير ستانلى راوس الذى أدار الاتحاد الدولى لكرة القدم منذ عام 1961 حتى عام 1974.. فستانلى راوس كان مجرد ضابط بريطانى يحب كرة القدم جاء إلى مصر مع القوات البريطانية وبقى فيها أثناء الحرب العالمية الأولى..

وحين نجح الصحفى المصرى الكبير إبراهيم علام عام 1916 فى إقناع المصريين والإنجليز ببدء بطولة كروية رسمية جديدة فى مصر هى الكأس السلطانية.. وبعدما أصبح إبراهيم علام هو السكرتير العام الذى يدير هذه البطولة.. ذهب ستانلى راوس إلى محل جروبى فى شارع قصر النيل وقابل إبراهيم علام الذى نجح فى إقناع ستانلى راوس باعتزال لعب الكرة كحارس مرمى ضعيف المستوى ليصبح أحد الحكام المعتمدين لإدارة مباريات بطولة الكأس السلطانية فى مصر..

وكانت نقطة فارقة وفاصلة فى مشوار ستانلى راوس حيث سافر بعدها إلى لندن لينال دراسات فى التحكيم ويصبح حكمًا دوليًا ويطول مشواره مع كرة القدم بعد اعتزال التحكيم حتى يصبح رئيسًا للاتحاد الدولى لكرة القدم. وأحمد أحمد أيضًا.. كانت هناك أكثر من نقطة فاصلة وفارقة فى حياته.. وقبل الحديث عن علاقته بكرة القدم.. يمكن التوقف أولاً أمام الشخص نفسه..

المولود قبل سبعة وخمسين عامًا فى إحدى قرى شمال غرب جزيرة مدغشقر.. ولا أحد حتى الآن يعرف القصة الحقيقية والكاملة لاعتناقه الإسلام الذى أدى إلى غضب وثورة عائلته وقبيلته كلها فابتعد عنهم واختار له اسمًا جديدًا هو أحمد.. ومن الواضح أن عائلته رفضت أن يحمل لقبها فأضاف أحمد كلقب إلى اسمه الأول ليصبح أحمد أحمد..

لا أحد أيضًا يعرف هل جرى ذلك قبل دراسة الحقوق أم بعد نيل شهادته التى قادته لمواصلة الدراسة فى إحدى الجامعات الفرنسية.. لكن من الواضح أنه عنيد للغاية ومسكون بالطموح والإصرار فلم يعد من فرنسا إلى بلاده مجرد شاب جامعى مغضوب عليه من أهله إنما واصل خطواته العملية التى قادته لأن يصبح عضوًا بالبرلمان ونائبًا لرئيس البرلمان.. وقبلها مديرًا لمكتب وزير الصيد والموارد المائية.. ومديرًا للتنمية الاجتماعية بوزارة السكان فى مدغشقر..

وعضوًا بالاتحاد الدولى للسينما والتليفزيون الأرضى. وقد يبدو كل ذلك لا علاقة له بكرة القدم ورئاسة الاتحاد الأفريقى لكرة القدم.. لكنها خطوات قد تشرح السمات الشخصية وتصلح تفسيرًا لمشوار أحمد أحمد مع كرة القدم.. فقد بدأ أحمد حكايته مع كرة القدم كلاعب متوسط الموهبة.. لعب لنادى أنتاناريفو ثم نادى سوتيما ماهاجانا..

وعلى الرغم من اختياره مرة لاعبًا فى منتخب مدغشقر فإنه لم يكن لاعبًا مميزًا أو قادرًا على لفت الانتباه وحصد الإعجاب.. وحتى حين مارس التدريب لفترة قصيرة مع نادى سوتيما لم يكن أيضًا من المدربين الموهوبين القادرين على قيادة اللاعبين وإدارة المباريات وتغيير نتائجها وحصد البطولات.. وكان أحمد من الذكاء بحيث يدرك أن رهانه الأساسى ليس هو لعب كرة القدم أو تدريبها..

إنما إدارتها.. فقرر أن يتفرغ للإدارة الكروية والرياضية.. نال شهادة الماجيستير فى الإدارة الرياضية وخاض دورات تدريبية كثيرة فى علوم الإدارة والتسويق الرياضى.. وهو الأمر الذى انتهى به أولاً نائبًا لرئيس اتحاد كرة اليد فى مدغشقر ثم نائبًا لرئيس اتحاد كرة القدم ثم رئيسًا للاتحاد عام 2003..

وبعد سنتين فقط يصبح أيضًا رئيسًا للجنة الأوليمبية فى مدغشقر.. وبقى أحمد يجمع بين منصبى رئاسة اتحاد كرة القدم ورئاسة اللجنة الأوليمبية فى مدغشقر منذ عام 2005 وحتى عام 2011..

وبعدها اكتفى بكرة القدم فقط حيث كان أيضًا عضوًا بالمكتب التنفيذى للاتحاد الأفريقى لكرة القدم.. وكانوا يطلقون عليه العضو الصامت.. فلم يكن يشارك فى حوارات أعضاء المكتب التنفيذى للكاف أثناء لقاءاتهم واجتماعاتهم الرسمية وحتى الودية.. وكان الجميع يرون ذلك عاديًا وطبيعيًا ومتوقعًا أيضًا باعتباره بينهم قادمًا من مدغشقر كدولة لا تملك تاريخًا طويلاً فى كرة القدم.. دولة لم تملك أصلاً اتحادًا لكرة القدم إلا عام 1961 ولم تنضم للكاف إلا عام 1963 بعد عام واحد من انضمامها للفيفا..

ولم يسبق لمنتخب مدغشقر المعروف باسم باريا الذى هو أشهر أنواع الجاموس هناك أن تأهل لنهائيات كأس العالم أو حتى نهائيات كأس الأمم الأفريقية.. ومن قبيل المفارقات أن الانتصار الكروى الأكبر فى كل تاريخ مدغشقر كان الفوز على المنتخب المصرى بهدف نظيف عام 2004 فى تصفيات كأس الأمم الأفريقية.. ثم تصبح مصر نفسها هى الداعم الأكبر لرئيس اتحاد الكرة فى مدغشقر ليصبح فى عام 2017 رئيسًا للاتحاد الأفريقى لكرة القدم.

ورغم أن الكرة الحديدية هى اللعبة الأكثر شعبية فى مدغشقر بعد أن تعلمها الناس هناك أثناء الاحتلال الفرنسى لجزيرتهم.. ورغم عدم امتلاك كرة القدم فى مدغشقر للمكانة والجماهيرية والشهرة الطاغية مثلما هو الحال فى كثير من بلدان أفريقيا والعالم.. فإن مدغشقر تبقى صاحبة واحدة من أغرب حكايات كرة القدم فى تاريخها.. ففى ختام دورى موريشيوس قبل ثلاث سنوات.. كانت المباراة بين نادى إس أو ليميرنى ونادى إيه إس أديما.. وهما من أكبر وأشهر أندية الجزيرة..

وفوجئ مسئولو ولاعبو فريق ليميرنى باختيار اتحاد الكرة لحكم كان ظالمًا لناديهم فى مباراة سابقة.. فقرر مدرب الفريق الاحتجاج على هذا الاختيار بطريقة غير مسبوقة فى تاريخ كرة القدم.. واستجاب اللاعبون لتعليمات مدربهم.. فبدأوا المباراة بتسجيل هدف فى مرماهم.. وكلما عادوا بالكرة لمنتصف الملعب لاستئناف اللعب من جديد عقب الهدف.. عادوا وأدخلوا الكرة فى مرماهم من جديد.. حتى بلغت النتيجة 149/صفر.. وانتهت المباراة دون أن يلمس لاعبو أديما الكرة أصلاً رغم تحقيقهم هذا الفوز الكبير.. وقرر أحمد أحمد رئيس اتحاد الكرة فى مدغشقر منع فريق ليميرنى من المشاركة فى الدورى الممتاز فى الموسم التالى عقابًا له بعد هذه المباراة.. ولم يستجب أحمد أحمد لأى ضغوط سياسية أو جماهيرية للتراجع عن قراره..

مثلما جرى فى مواقف أخرى كثيرة أثناء رئاسته اتحاد الكرة فى بلاده.. كأنه كان يستعد ويكتسب مزيدًا من الخبرات والتجارب قبل أن يجلس على مقعد رئاسة كرة القدم فى كل أفريقيا وليس فى جزيرة صغيرة ليست عاشقة لكرة القدم. وبالتأكيد يعرف أحمد أحمد أن نجاحه الأسبوع الماضى فى انتخابات الكاف سيبقى أمرًا يثير الكثير من الأسئلة لمجرد أنه قادم من جزيرة صغيرة وليس من القوى الكبيرة والتقليدية على الساحة الكروية الأفريقية.. فهو الرئيس السادس للاتحاد الأفريقى لكرة القدم.. جاء بعد المصرى عبدالعزيز سالم الذى أسس هذا الاتحاد أصلاً بمساندة ودعم الرئيس جمال عبدالناصر عام 1957..

ثم المصرى أيضًا عبدالعزيز مصطفى الذى أدار الاتحاد من عام 1958 إلى عام 1968.. ثم السودانى عبدالحليم محمد حتى عام 1972.. ومن عام 1987 إلى عام 1988.. وقبله جاء الإثيوبى يدنكاتشيو تسيما من عام 1972 إلى 1987.. وبعد عبدالحليم محمد جاء عيسى حياتو عام 1988 ليصبح أول رئيس للكاف لا يأتى من الدول الثلاث التى أسسته أى مصر والسودان وإثيوبيا..

ويبقى حياتو رئيسًا للكاف ثمانية وعشرين عامًا حتى يأتى أحمد أحمد فى 2017 ويتولى مهمة إدارة كرة القدم الأفريقية ويصبح أول رئيس للكاف يأتى من جنوب القارة.. وحين سُئل أحمد أحمد بعد نجاحه عن أهم الأسباب والدوافع فى رأيه التى جعلته يطيح بالثعلب الكاميرونى العجوز.. قال كلامًا كثيرًا عن دول جنوب القارة التى أيدته بدعم من الملياردير تشيانجوا رئيس اتحاد الكرة فى زيمبابوى.. وعن مصر وحكومتها التى ساندته بشكل مؤثر فى أكثر من عاصمة أفريقية..

إلا أن أحمد أحمد بعد ذلك أكد أن الدافع أو السبب الرئيسى غير المباشر لهزيمة حياتو كان التغيير.. فرؤساء اتحادات محلية أفريقية كثيرة كانوا يطلبون التغيير وكانوا يرون أن قارتهم لابد أن تملك وجوهًا جديدة غير حياتو الذى جلس فوق مقعده كل هذه السنين الكثيرة والطويلة.. فالبقاء الطويل فى السلطة لابد أن يؤدى إلى الملل والترهل.. وإلى الفساد أيضًا.. وكان هذا دافعًا لأن يقرر أفارقة كثيرون منح أصواتهم حتى لمجهول قرر أخيرًا أن يتحدى حياتو ويخوض أمامه انتخابات رئاسة الكاف.. قال أحمد أحمد أيضًا إن العالم أصبح يعيش مؤخرًا رغبة جامحة فى التغيير لرؤية وجوه جديدة وأفكار جديدة..

ولم ينسَ أحمد أن يشير أيضًا إلى مسألة السن.. وأن كرة القدم الأفريقية باتت تحتاج إلى الاستراحة مؤقتًا من العواجيز.. وضحك أحمد وهو يقول للصحفيين إنه لم يكن لائقًا أن يدير إنفانتينو كرة القدم فى العالم وهو لا يزال فى الخامسة والأربعين من عمره بينما يريد حياتو أن يبقى يدير كرة القدم الأفريقية وقد تخطى الثانية والسبعين من العمر. لكن كان هناك تصريح آخر لأحمد أحمد.. أيضًا بعد نجاحه.. يستحق التوقف والمراجعة والتعليق أيضًا.. فقد قال إنه لا يؤمن بالسياسة فى كرة القدم..

وأنه بعدما أصبح رئيسًا للاتحاد الأفريقى لكرة القدم فلن يسمح لأى أمور سياسية بالوجود على مائدة اجتماعات الكاف وإدارة شئون اللعبة فى القارة السمراء.. وهو تصريح يبدو غريبًا لأنه يأتى من رئيس جديد لم ينجح إلا بفضل السياسة وليس كرة القدم.. فأحمد أحمد لم يجلس على مقعد رئاسة الكاف بفضل موهبته ومكانته الكروية وتاريخ طويل وقديم مع هذه اللعبة سواء فى بلاده أو على مستوى القارة.. لم يكن أحد نجوم اللعبة لاعبًا أو مدربًا ولم يكن رئيسًا لاتحاد صاحب بطولات وإنجازات..

هو باختصار رئيس كروى كانت السياسة وحدها وشكل مباشر جدًا وحاسم جدًا هى التى فتحت له أبواب الكاف عن آخرها.. فدول جنوب القارة وقفت معه لأنها أرادت إنهاء زمن سيطرة أفارقة الغرب على الكاف مع تهميش لبلدان الجنوب والشرق.. وكانت مصر تسانده بعد تهديد ومحاولة حياتو نقل مقر الكاف من القاهرة.. لم يكن المقر نفسه هو القضية لكنها صورة مصر ومكانتها التى كانت ستطالها الشكوك إن نجح حياتو فى نقل مقر الكاف..

ومن أصغى لخطاب الرئيس الإثيوبى فى افتتاح اجتماعات الكاف أول أمس سيدرك أن نقل المقر كان مخططًا له منذ فترة طويلة.. فإثيوبيا أرادت خطف المقر من مصر من باب الانتقام السياسى وتأكيدًا لمكانتها الأفريقية الجديدة.. فقررت مصر المشاركة فى إزاحة حياتو حفاظًا على مكانتها وصورتها ولهذا لم تهتم بترشيح أحد أبنائها رئيسًا للكاف لأن المنصب نفسه لم يكن همها وقضيتها.. وهكذا خاضت مصر حربًا سياسية من أجل أن يخسر حياتو المنصب وينجح أحمد أحمد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق