إسلام ناصر لاعب الدراجات.. عاش مرفوع الرأس.. ومات بطلاً إلى النهاية
عماد محجوب
12
125
الراحل إسلام ناصر بطل مصر وأفريقيا حُلم لم يكتمل ولكنه رسالة واضحة لإعادة شحذ همم الإيمان بأن الحياة كلها حدث عابر.. غادرنا البطل وهو على القمة وفى ريعان الشباب.. وترك أسرة يأكلها ألم الفراق وخطيبة لم ترتد ثوب الزفاف.. وتخبط الخلائق فى البحث عن متهم بالتقصير أو الإهمال.. وربما التواطؤ مع مرض عضال أنهى المسيرة فى آخر لفة على المضمار..

.. 23 عامًا هى عمر إسلام ناصر.. وفى بنى سويف كان مولده، وعلى أرض جنوب أفريقيا لفظ أنفاسه الأخيرة.. وما بين البداية والنهاية رحلة كفاح بطولى، استهوته الدراجات منذ الصغر وعشقها حتى أجاد لغتها وبرع وسبق فيها بشكل لافت وواضح ألقى به إلى السباقات على الطرق وأيضًا المضمار، وقطع عشرات ثم مئات الكيلومترات..

وتأكد المراقبون أنه مشروع بطل رائع.. انضم إلى نادى طلائع الجيش منذ عام 2009.. وزاد كرم الله عليه فقفز مع الإنجازات والبطولات المحلية والقارية، وأصبح اسمه كلمة السر فى المنافسات، وزاده الفوز ارتباطًا بأهله وأسرته، فوضع جهده وعائده تحت تصرفهم.. بارًا بكل من أسهم فى وجوده متواضعًا مع أهل بلدته وقريته.

خيم الحزن على جهاز الرياضة بالقوات المسلحة وكلف أربعة من القادة بإنهاء الترتيبات وتصاريح الدفن واستقبال الجثمان فى المطار ومرافقة الراحل إلى مقابر أسرته.. العقداء حسام حامد، طارق الدرمللى، أسامة غريب والرائد عمرو رشاد المشرف على الدراجات..

وأصر والد اللاعب على فتح الصندوق ورفع الأغطية المتعددة ليلقى نظرة الوداع على نجله فأخذوه وشقيق البطل الراحل (فارس) بعيدًا عن الجمع الذى تجاوز الألف قادمًا من بلدته وأنحاء شتى من أسرة اللعبة، وبينهم مئات الدراجات التى حضرت براكبيها لاستقبال البطل الذى غاب عن منصة التتويج فى نهاية السباق..

وأطل الأب على ولده وكان كما عهده نائمًا فى سلام وفى وجهه نور يستشعره القلب وانهمر الدمع ووضع قبلات على جبين الابن البار وقال كلمته الأخيرة "هتوحشنى يا نور عينى" وتبعه فارس فقال لأخيه "لا إله إلا الله.. مع السلامة يا بطل" وغابت أمه بعد أن هدها النبأ الفاجع.. وانهارت خطيبته وقد أحاطت بها الأسرة والأهل..

.. وغاب الاتحاد وممثلوه فقد سرت همهمات حول اتهامات بالتقصير وبوادر الأزمة الصحية خلال معسكر المنتخب (قبل عام تقريبًا) فى سويسرا أنه لم يكن يجب أن يشارك فى السباقات أو أن يعتزل أو يكتفى بسباقات الطريق ويبتعد عن المضمار.. وكلها ترهات وتسريبات تتصل بأهواء البعض ولأغراض انتخابية كما أكد مسئولو الاتحاد عبر وسائل الإعلام (وخلال مؤتمرهم الصحفى الأحد الماضى) لأن شكوى اللاعب فى سويسرا كانت من دوخة أو إغماءة، وسبقتها نوبات من الصداع عبر الجهد فى السباقات، وهو ما يشير إلى أشياء أخرى بعيدة عن القلب، ومع ذلك عاد اللاعب وخضع لفحوصات كاملة خلال ثمانية أشهر وتم منعه من المشاركة فى البطولات والمنافسات..

.. استدعى العقيد أسامة غريب اللاعب فور عودته من سويسرا، وسأله عن الحالة التى فاجأته والتشخيص وأرسله إلى كل الجهات الطبية وأعد ملفًا كاملاً بحالته، ولم يكتف بتأكيد سلامته، فذهب اللاعب إلى أكبر المراكز العلمية لاستشارتها وأرسله الاتحاد لإعادة الفحص والعلاج من الصداع المتكرر حتى أكد لهم اللاعب أنه فى تمام الصحة وحمل إليهم التقارير الطبية التى تؤكد سلامته، كما حرص مسئول جهاز الرياضة عند كل فحص على التأكيد أن هذا اللاعب يبذل جهدًا خارقًا فى رياضة الدراجات ومعها يصر الأطباء على أنه سليم ولائق..

وهذا يعنى أن التجهيزات ومعدات الفحص أقل تقدمًا من مثيلاتها فى الخارج بما كان يستوجب أن يرسله الاتحاد إلى أكبر الدول المتخصصة للتأكد من سلامته تمامًا، خاصة أن الجهات السويسرية عندما علمت بهوية اللاعب وعمله أخطرت الاتحاد الدولى للعبة، ودون أن يشير صراحة إلى وجه الخطورة ولكنه طالب فقط برعاية اللاعب وعلاجه من الصداع وأسباب الإغماءة وأن يحصل على قسط وافر من الراحة.. وبعد الأشهر الثمانية نفد صبر اللاعب وأكد للعقيد أسامة غريب "لو هأموت.. مش هأبطل سباق.. الدراجات هى كل حياتى".

.. البعض ذهب إلى مواضع الهزل فى القول بين لاعب سباقات المضمار وسباقات الطريق وأن الأولى تعتمد على السرعة الفائقة، والثانية تعتمد على التحمل والسير لمسافات تقترب من الـ200 كيلومتر فى أوضاع متغيرة من استواء الطريق والصعود والهبوط والمنحنيات وغير ذلك من المتغيرات التى تعطى اللاعب فرصة أكبر لتغيير الضغط على الأجهزة الحيوية فى الجسم، فى حين أن سباقات المضمار تشكل ضغطًا واحدًا على ذات الأجهزة..

وهو قول ظاهره يخالف باطنه لأن العالم كله يشهد مشاركة الأبطال فى كل أنواع السباقات دون تفرقة وإن كان هناك لاعب يتميز أكثر فى هذا النوع غير ذاك.. والبطل الراحل (إسلام ناصر) خاض السباقات المحلية والدولية على النوعين من الأرضيات (مضمار ـ طريق) وحقق البطولات الكثيرة جدًا وتوج مصريًا، عربيًا، أفريقيًا حتى قبل السفر الأخير بأسابيع.

.. فارس ناصر شقيق البطل الراحل أكد لـ"الأهرام الرياضى" أن إسلام بطل من يومه، وهو قصة كفاح وعزيمة وإرادة، يتميز بالأخلاق والتربية والتواضع.. إسلام هو الاحترام.. حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن ظلمه.. أما نادى طلائع الجيش وجهاز الرياضة فلهم الشكر والتقدير على وقفتهم معه طوال حياته وحتى مماته.. عملوا كل شىء لإسلام، وساندوه عندما حولوه (فى الاتحاد) للتحقيق بسبب احترافه بأحد الأندية لفترة محدود ووقف معه جهاز الرياضة وتصدى لمن أرادوا معاقبته.. وفى الأخير تصدروا المشهد خلال جنازته وكانوا معنا إلى النهاية وفى الجنازة وبين أهلنا فى البلد. .. رحل إسلام ناصر

.. وعلى وجهه ابتسامة لا تغيب عن مخيلة كل من رآه.. جمع فيها بلاغة الكلمات عن الرضا بما أنجز فى حياته القصيرة.. وبما يرى من آيات الله.. ولأنه يدرك أنه بالفعل قد فاز برضا الله وحب الناس ودعوات والده وإخوته وكل محبيه.

رحم الله البطل الطيب.. إسلام ناصر. عزاء القائد العام .. حمل اللواء مجدى اللوزى رئيس جهاز الرياضة تعازى الفريق أول صدقى صبحى القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى لأسرة البطل الراحل، وأكد لهم أن إسلام كان مثالاً وقدوة فى خدمة وطنه ورفع علم بلاده فى المحافل الدولية، وقد صدمنا برحيله، ولكن حسبه أنه ظل بطلاً ومتفوقًا حتى مشهد النهاية.. وستبقى أسرة اللعبة بالقوات المسلحة على ذكرى إسلام وأخلاقه وسلوكه..

وقرر الاتحاد الأفريقى منح اللاعب الميدالية الذهبية للسباق حيث تصدر الجولتين الأولى والثانية، وتقدم فى الثالثة إلى نهاية السباق بخطوات ثم توقف ليدور بعينيه وكأنه يلقى نظرة الوداع على المضمار والحضور قبل أن يقع ويفارق الحياة. العالم فى وداع البطل .. توجه إلى بنى سويف حشد هائل وغير مسبوق من أسرة اللعبة لتقديم واجب العزاء لأسرة الفقيد وشاركت وفود أوروبية أبرزهم من سويسرا والسويد وألمانيا وفرنسا وعرب من السعودية والإمارات والبحرين لاعبين وحكامًا ومدربين بعضهم رافق الجثمان من جنوب أفريقيا إلى القاهرة إلى مثواه الأخير..

كما احتشد أكثر من 200 لاعب بدراجاتهم لاستقبال البطل فى مطار القاهرة ومرافقة الجثمان فى رحلته الأخيرة وقد حملوا صوره ولافتات تزكى بطولاته وأخلاقه التى سبق بها وكان نعم القائد والأخ والصديق لكل من عرفوه وأحبوه. غاضبون من الاتحاد .. غضبة أسرة اللاعب من الاتحاد تعود أولاً إلى مشكلة سابقة للاعب مع أحد المسئولين أثناء احترافه لفترة قصيرة بالخارج،

وثانيًا إلى تأخر عودة الجثمان من جنوب أفريقيا، والتى سرب فيها أحد الأشخاص زعمًا بأن الاتحاد قصد التأخير حتى تنتهى البطولة وكان الأولى بهم أن يعيدوه فى رحلة خاصة عقب الوفاة مباشرة بدلاً من أن يوضع جسده فى الحفظ ثلاثة أيام.. وهو زعم مرده أن ظروف الطيران ويوم الإجازة هى التى تحكمت فى عودة إسلام، أما المشاركة واستكمال البطولة فلم يكن لها مذاق وتركت لحالة اللاعبين واستعدادهم..

أما الحملة التى استهدفت علاقة اللاعب الراحل بالاتحاد فترجع إلى بعض الأشخاص الذين بدأوا المعركة الانتخابية على جثة اللاعب البطل وتوزيع الاتهامات الكاذبة.. أما الإقرار الذى وقعه فقد تم بناء على طلب اللجنة المنظمة ولأنه كان مصرًا على المشاركة والفوز بالميدالية الذهبية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق