جحا يحكم الرياضة المصرية
ياسر ايوب
12
125
قرر جحا وولده السفر وجمعا أمتعتهما وبدأ الاثنان مشوارهما فوق ظهر حمارهما.. وعندما دخلوا أول قرية فوجئوا بالناس يستاءون من هذه القسوة التى تجعل الرجل وابنه وأمتعتهما فوق ظهر الحمار المسكين

فبقى جحا فوق ظهر الحمار مع الأمتعة ونزل الابن يمشى بجوار الحمار.. وعند القرية الثانية سخر الناس من هذا الأب القاسى الذى يجعل صغيره يمشى على قدميه كل هذا المشوار.. فنزل جحا وركب الابن وحده فوق ظهر الحمار.. فبدأ الناس فى القرية الثالثة يسخرون من هذا الابن العاق الذى يجلس مستريحًا ومسترخيًا فوق ظهر الحمار تاركًا أباه المسكين يسير على قدميه..

فنزل جحا وابنه وقررا السير على الأقدام تاركين الأمتعة فقط فوق ظهر الحمار.. فضحك الناس فى القرية الرابعة من هذين الساذجين اللذين يملكان حمارًا ولم يركب فوق ظهره أحدهما أو كلاهما مكتفين بحمل الحمار للأمتعة فقط.. وهنا تختلف الروايات.. ففى رواية منها قيل إن جحا وابنه سارا وهما يحملان الحمار نفسه فوق رأسيهما فاتهمهما أهل القرية الخامسة بالخبل والغباء.. بينما فى رواية أخرى نجد أن جحا حين وصل مع ابنه إلى القرية الخامسة ذهبا إلى السوق مباشرة وباعا الحمار.

وأنا بالتأكيد أعتذر عن هذه الحكاية الطويلة عن جحا وولده وحماره.. لكننى رأيتها مهمة وضرورية قبل الحديث عن مهمة ومحنة ومتعة وقسوة وغرابة إدارة شئون الرياضة فى مصر.. فنحن لا نزال نحاول أن نعرف وأن نفهم وأن ننجح أيضًا كيف يمكن أن ندير الرياضة فى بلادنا.. فالحكاية ليست حكومة ووزارة ووزيرًا للرياضة.. ليست أيضًا لجنة أوليمبية أو لجنة شباب ورياضة برلمانية.. إنما هى حكاية فكر وفلسفة ورؤى لا نزال عاجزين عن امتلاكها بشكل حقيقى وكامل..

فنحن الدولة التى لعبت كرة القدم وأسست لها أندية ونظمت لها مسابقات وبطولات وشكلت منتخبها الرسمى وشاركت به فى دورة أوليمبية عام 1920 قبل أن تمتلك أساسًا اتحادًا مصريًا لكرة القدم.. ونحن الدولة التى تركت مهمة أول إدارة فيها للرياضة للخواجة بولاناكى الذى أسس فى الإسكندرية الاتحاد الرياضى المختلط عام 1910.. وحين أحست الدولة بالحرج من إدارة خواجة الرياضة فيها قررت إسناد الأمر الرياضى إلى لجنة تابعة لوزارة المعارف العمومية..

وفرح الناس وقتها بهذا الانتصار رغم أنه يصعب جدًا معرفة الفارق السياسى والوطنى بين أن يدير الرياضة المصرية خواجة سكندرى يونانى الأصل.. وأن يديرها خواجة إنجليزى فى وزارة المعارف اسمه المستر سيمبسون.. ولا أزال إلى الآن عاجزًا عن فهم التناقض الذى هو طبع أصيل فينا وكيف رفضنا بمنتهى الثورة والانفعال المشاركة فى أى بطولة كروية ينظمها الاتحاد الرياضى المختلط برئاسة بولاناكى حماية لمصريتنا ووطنيتنا مع أننا فى العام التالى كنّا فى غاية السعادة حين دعانا صحفى إنجليزى اسمه ميدويل للمشاركة فى مسابقة كروية جديدة كانت هى الكأس السلطانية.

ثم إن بولاناكى هذا الذى ثرنا عليه باعتباره ليس مصريًا كان نفسه هو الذى عهدنا إليه بتأسيس اللجنة الأوليمبية المصرية بل وقررنا أن يكون هو ممثل مصر ومندوبها الدائم لدى اللجنة الأوليمبية الدولية.. وحين اضطررنا رغمًا عنّا للإبقاء على هذه اللجنة الأوليمبية من أجل صورتنا الرياضية أمام العالم..

قررنا بمنتهى البساطة أن تصبح لجنة صورية وتكون رئاستها مجرد جائزة ملكية للأمراء والنبلاء ثم جائزة رضاء وتقدير من الرئاسة بعد ثورة يوليو.. وحين تم الاستغناء عن المستر سيمبسون الإنجليزى وقررنا تشكيل لجنة أهلية للرياضة بعيدًا عن الإنجليز.. أصبحت لجنة لا قيمة حقيقية لها أو احترام بل ولم تبقَ تابعة لوزارة المعارف وانتهى بها الأمر للتنقل بين عدة وزارات وكانت فى بعض أوقاتها تابعة لوزارة الشئون البلدية والقروية.. وفى عام 1962 قررنا أخيرًا أن الرياضة يمكن أن تكون وزارة مستقلة لكن تحت اسم وزارة دولة للشباب.. وأصبح محمد طلعت خيرى وزير الدولة للشباب..

وبعد سنتين لم تعُد وزارة دولة إنما وزارة للشباب.. ثم أصبحت وزارة دولة مرة أخرى.. وحين رفع أحد المحامين دعوى قضائية على الحكومة عام 1974 لأن عبدالحميد حسن لم يكن قد بلغ السن الدستورية للوزارة.. تقرر إلغاء الوزارة من أساسها وأصبحت المجلس الأعلى للشباب والرياضة.. ونتيجة لخلاف شهير وعميق بين الدكتور كمال الجنزورى والدكتور عبدالمنعم عمارة تم إلغاء المجلس الأعلى.. وحين أرادت الدولة مجاملة الدكتور علىّ الدين هلال وتعويضه عن وزارة التعليم..

عادت وزارة الشباب مرة أخرى.. وفجأة أصبح هناك مجلسان قوميان أحدهما للرياضة والآخر للشباب.. ثم تحول المجلسان إلى وزارتين.. ومؤخرًا تم صرف النظر عن الوزارتين ودمجهما فى وزارة واحدة للشباب والرياضة. وهناك أمثلة وحكايات أخرى كثيرة لا أود إزعاجك بها لكنها كافية جدًا لتبرير اختيارى لشخصية جحا أبدأ بها هذا الكلام العابر عن إدارة الرياضة فى مصر.. وأظن أنك بدأت توافقنى بعض الشىء على اختيار جحا لإدارة الرياضة فى مصر..

ولست أقصد بهذا الاختيار أو التشبيه الإساءة والسخرية من أى أحد والتقليل من قيمته واحترامه.. والكاتب المفكر الكبير عباس محمود العقاد شرح بالتفصيل فى كتابه الرائع (جحا الضاحك المضحك).. أنه ليست هناك شخصية حقيقية واحدة اسمها جحا.. إنما هو رمز اخترعه أكثر من شعب ومجتمع للسخرية من أوضاع غريبة وغير مفهومة أو مبرّرة..

وإذا كان من شعائر الحج أن نرمى الجمرات على إبليس ونحن نلعنه ونرجمه باعتباره المحرّض لنا على خطايانا وذنوبنا وآثامنا التى جئنا لنتوب عنها ونتخلص منها.. فإن جحا فى أيام حياتنا هو الشاهد الذى نقذفه بسخريتنا باعتباره تجسيدًا لكل فوضى صنعناها بأيدينا وكل ضعف أو فشل أو ارتباك وعجز وقلة حيلة.. ولم أختر حكاية جحا وولده والحمار لأبدأ بها هذا الكلام لمجرد أنها حكاية تعجبنى.. ولكن لأنها حكاية كثيرين جدًا ممن يديرون الرياضة فى مصر اليوم..

سواء كانوا وزير الرياضة.. أو رئيس لجنة الشباب والرياضة فى البرلمان.. أو رئيس اللجنة الأوليمبية المصرية.. أو رئيس اتحاد الكرة.. وبقية رؤساء الاتحادات والهيئات الرياضية فى مصر.. فعلى سبيل المثال هناك الآن قانون جديد للرياضة جرى إعداده وانتهت صياغته ولم يبقَ إلا مناقشته فى البرلمان تمهيدًا لإقراره ويصبح قانونًا ساريًا وجديدًا للرياضة فى مصر.. وفى كل يوم تجد الكثيرين الذين يلومون الوزير لعدم صدور هذا القانون.. يضغطون عليه ويعايرونه بالبطء أو العجز عن إصدار هذا القانون.. وبدوره بدأ الوزير يستشعر الحرج فيمارس كل ما فى وسعه من جهود وضغوط لسرعة إصدار القانون وخروجه إلى النور..

وحين سيصدر القانون.. ونبدأ فى اكتشاف ما به من ثغرات وثقوب.. سينقلب هؤلاء الذين كانوا يضغطون على الوزير ليسرع فى إصدار القانون ويبدأون فى السخرية من الوزير الذى تعجّل فى إصدار القانون دون تمهل ودراسة كافية.. كما أن الكثيرين الآخرين الذين عاشوا السنة الأخيرة تقريبًا وهم يرجعون سبب كل أزمة أو مشكلة أو جريمة رياضية إلى عدم صدور قانون الرياضة.. سيصمتون تمامًا حين يصدر القانون الجديد ويكتشف الناس أن الأسباب الحقيقية لمعظم أزماتنا وأوجاعنا الرياضية ليست هى قانونًا قديمًا أو جديدًا ولا علاقة لها أصلاً بمواد أى قانون..

والذى لن يسكت من هؤلاء سيتحول للتأكيد على أن القانون الجديد هو سبب كل الأزمات والكوارث.. إنهم نفس أهل القرى التى عبرها جحا فى رحلة سفره وجعلوه مرة راكبًا ومرة ماشيًا ومرات كثيرة حائرًا حتى اضطر فى النهاية لحمل الحمار أو بيعه فى السوق.. ولست هنا أدافع عن الوزير أو أى مسئول آخر.. ولكننى فقط أتمرد على فكرة قديمة ودائمة بأن مجتمعنا مجتمع ملائكى لا يخطئ ولا ينفعل ويتسرع فى قراراته وأحكامه..

فالمشكلة قد تكون فى أحيان كثيرة هى المجتمع قبل أن تكون مشكلة المسئول الحكومى أو الأهلى معينًا أو منتخبًا. وسهل جدًا أن يعارضنى أى أحد الآن قائلاً إنها مشكلة المسئول أولاً وأخيرًا.. وأن المجتمع من حقه أن يقول ما يشاء وقتما يشاء وبالأسلوب الذى يناسبه ويرضيه.. وأن المسئول عليه أن يقوم بالأمر الصحيح دون الإصغاء لما يقوله الناس سواء كانوا يتكلمون عن جحا أو الوزير أو رئيس اللجنة أو رئيس الاتحاد.. وهذا كله كلام صحيح نظريًا..

لكن على أرض الواقع يختلف الأمر تمامًا.. فليست هناك مشروعية لأى مسئول رياضة فى مصر إلا ما يقوله عنه الناس والإعلام.. فنحن حتى إذا عجزنا عن محاسبة وزير خارجية أو داخلية أو اقتصاد أو تعليم أو صحة إلا أننا نملك معايير ومفاهيم يمكن الاستناد إليها للحكم بفشل هؤلاء الوزراء أو نجاحهم.. أما فى الرياضة فليست لدينا أى معايير على الإطلاق.. فنحن منذ مائة سنة لم نعرف بعد ما هو دور ومفهوم ووظيفة المسئول عن إدارة الرياضة وعلى أى أسس نحاسبه إلا أهواءنا وانفعالاتنا وظنوننا ومطالبنا.. وبالتالى يصبح أى مسئول رياضى فى بلادنا هو أكثر المسئولين حرصًا وخوفًا مما يقوله الناس والإعلام..

وهذا يجعلنى لا أبالغ مطلقًا ولا أتجنى على أحد أو أنتقص من قدره واحترامه إن قلت إن جحا لا يزال يدير الرياضة فى مصر.. جحا لا يزال يدير وزارة الرياضة طالما لم يتفق المصريون بعد على دور هذه الوزارة وواجباتها ومسئولياتها وحدودها أيضًا.. حتى إن هناك الآن تفكير فى فصل الوزارة من جديد لتصبح هناك وزارة للرياضة وأخرى للشباب.. ولا يزال جحا يحكم اللجنة الأوليمبية المصرية.. وسيبقى يحكمها طالما لا تملك هذه اللجنة استقلالها الحقيقى والواقعى ولا تملك مواردها..

وسيبقى جحا فى هذه اللجنة حائرًا يحاول إرضاء الوزير الذى يملك السلطة والمال وإرضاء الإعلام الذى قد يقلب عليه الدنيا وإرضاء الناس بالإضافة إلى محاولته إرضاء الاتحادات ورؤسائها.. ولا يزال جحا يحكم اتحاد الكرة الذى منذ تأسيسه تعاقب عليه أكثر من ستين مجلس إدارة أكثر من نصفها مجالس معينة ومؤقتة وإذا أضفنا المجالس المنتخبة المطعون فى انتخاباتها فسيقل عدد المجالس الطبيعية التى أكملت مدتها فى هدوء وسلام عن عشرة مجالس إدارة..

ولا يزال جحا فى الجبلاية حائرًا بين إرضاء جمهور الكرة الضخم فى مصر والمتوحش أحيانًا.. وإرضاء الجمعية العمومية وأنديتها.. وإرضاء الوزير وحكومته.. إلى جانب التعامل مع المختلفين مع الاتحاد وقضاياهم أمام مختلف المحاكم.. ومثلما عجزنا طيلة مائة سنة عن معرفة كيف يمكن أن تدار الرياضة فى مصر..

عجزنا أيضًا طيلة عشرين عامًا أو أكثر عن معرفة الحدود الفاصلة بين سلطة مصر الوطنية على مؤسساتها الرياضية وسلطات الهيئات الرياضية الدولية كاللجنة الأوليمبية الدولية والفيفا.. وإلى أن يتم حسم كل ذلك.. فسيبقى جحا يحكم الرياضة المصرية.. وسنبقى نحن نسخر من جحا بينما فى الحقيقة هو الذى يسخر منا طيلة كل هذه السنين.

رابط دائم: 
كلمات البحث:
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق