فى مصر.. اللعب رغم أنف تفجيرات الإرهاب
عماد محجوب
12
125
قبل عدة سنوات أعطى وزراء الداخلية العرب ظهرهم للقاهرة وهى تتحدث عن خطورة الإرهاب والتطرف الدينى أثناء اجتماعهم فى تونس، وقال أحد الأشقاء (على كل حكومة أن تبحث عن حلول لمشكلاتها مع شعوبها) وقبل ثلاث سنوات استنكرت أوروبا والولايات المتحدة تفويض المصريين لقائدهم (عبدالفتاح السيسى) لمواجهة قوى الإرهاب.. ومع توالى الوقت حدث كل ما حذرت منه مصر وعانت أوروبا وأمريكا والعالم كله من شرور الإرهاب وتأكد أن الذى حضر العفريت لم يعُد قادرًا على مواجهته أو إبعاد خطره عنه.. ودفع الغرب ثمن المغامرة غاليًا.. وبقيت مصر تحاربه من خلال الكرة ومباريات الدورى:

ارتجت مصر بعنف التفجيرات التي وقعت صباح أحد السعف في كنيسة ماري جرجس بطنطا وقبل أن تفيق من الصدمة وقع الانفجار الثاني في الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية بعدها بساعتين ونصف، وخلفت الجريمتين قرابة الـ50 شهيد وأكثر من 110 مصابين وجرحي.. وهدأت الأنفس قليلاً بعد توصل جهود البحث إلي الجناة..

وقبلها تواصلت مسيرة الحياة.. في أنحاء وسط وسط إجراءات أمنية صارمة.. واستكملت مباريات الدورى العام رغم الأحزان والآلام وبرزت الشارات السوداء علي صدور وأذرع اللاعبين..

وأكثر من ذلك استقبلت الإسكندرية ذاتها أهم المباريات وأكثرها حساسية وجماهيرية بين الأهلى البطل وبين زعيم الثغر (الاتحاد السكندرى) علي بعد كيلومترات من موقع الانفجار الهائل الذي خفت آثاره بفضل تعامل الأمن وحرس الكنيسة بصرامة مع الإرهابي الانتحاري محمود حسن مبارك وهو لاعب كرة قدم سابق مركز شباب الحجيرات بمحافظة قنا، والذي انعزل مع مجموعته الإرهابية منفردين وبعيدًا عن الجمع المحيط بهم في القرية أو محل إقامته بالسويس أو في عمله، وأنه ينتمي إلي جماعة يقودها عمرو سعد عباس من مواليد قنا ومهاب مصطفي السيد قاسم (الزيتون ـ القاهرة) وتسعة عشر متهمًا آخرين أكثرهم من الصعيد، وينتمون فكريًا لجماعة الإخوان المسلمين، وأن الخطة كانت تهدف إلي التفجير المتزامن للكنيستين..

إلا أن الاحتياطات الأمنية بالإسكندرية عرقلت الانتحاري محمود حسن ثم منعته من الدخول ففجر نفسه خارجها في حين أفلت الإرهابي محمود البغدادى إلي داخل كنيسة طنطا.. وأنه يعتنق تفكير الدواعش وأنه يحكم بكفر والده لأنه يعمل بجهاز الشرطة وتوفي قبل عدة أشهر، وكان قد أقام زاوية بقرية الحجيري مركز قفط ليصلي فيها مع مجموعته ويصطحبهم أيضًا للعب الكرة بعيدًا عن أقرانهم، ويذهب بهم بعيدًا للتدريب علي السلاح وأعمال التفجير في الصحراء والمناطق الجبلية النائية حتي اختفي قبل عدة أشهر..

تفاصيل العملية الإجرامية أعطت مصر قوة لدي الرأي العام وأجهزة الأمن في أنحاء العالم وحيث شهدت عواصم أوروبا عمليات مماثلة سقطت فيها أعداد هائلة من الضحايا وكثير منها استهدف ملاعب كرة القدم مثلما حدث في فرنسا وأيضًا ألمانيا مؤخرًا قبل مباراة بروسيا دورتموند وموناكو.. لم تؤثر العمليات الإرهابية فى الدورى..

استمرت المباريات وحتي المواجهات الأفريقية وبالتحديد مباراة سموحة مع بيدفيست بطل جنوب أفريقيا والمصري مع كمبالا سيتى الأوغندى حضرت فيها الجماهير والتي يسعي الجميع لإعادتها مرة أخرى إلى المدرجات.. فحتي التفجيرات لم تمنع إقامة البطولات.

.. تغيرت نظرة العالم لمعركة مصر ضد الإرهاب في ضوء ما تكشف حول أبعاد الحرب الوحشية علي أرض سيناء بأقصى الشمال ومركزها جبل الحلال الذي تحصن به أكثر من 15 ألف انتحارى بأحدث تقنية في العالم لأعمال القتل وسفك الدماء والتفجير باستخدام الأحزمة الناسفة المصنوعة من السي فور وهي مادة أشد فتكًا من التي.إن.تى مائة مرة أي أنه يكفي أن يحمل الإرهابي عدة كيلوجرامات لكي يدمر حي بأكمله وهي مادة تنتجها أمريكا وإسرائيل فقط (حتى الآن).

.. استحقت مصر احترام العالم واعترافه بأنها صمدت وحدها زمنًا طويلاً علي مخططات الإرهاب وحققت نجاحات مذهلة وكسبت أرض كبيرة، وطردت التفجيريين من جبل الحلال رغم انزلاق بعضهم إلي الوادي والدلتا والصعيد ولعبت الكرة رغم الحزن والألم لسقوط ضحايا أبرياء لا ذنب لهم. (روبرت فيسك) وإرهاب الملاعب .. التداخل بين كرة القدم والسياسة أصبح شديدًا ونافذًا حتى أخذ الكاتب البريطانى الأشهر "روبرت فيسك" إلى كتابة مقال فى الإندبندنت عن الإرهاب والساحرة المستديرة قال فيه: إن الهجوم الذى استهدف حافلة فريق بروسيا دورتموند الألمانى يذكر العالم بأن الكرة أصبحت هدفًا للإرهابيين يؤكدون من خلالها أنهم أقوياء إلى درجة بث الخوف الكبير فى الشعوب وجذب أقصى انتباه إعلامى (القفز فوق شعبية اللعبة) ويرى (فيسك) أنه خلال الخمسين عامًا الأخيرة أصبحت اللعبة الأشهر جزءًا مركزيًا من الهوية القومية الألمانية (وغيرهم الأغلبية من شعوب الأرض وفقًا لرؤيتنا) ولم تغِب هذه الحقيقة عن آلاف المقاتلين الأجانب الذين جذبهم تنظيم داعش فى سوريا وغيرها،

وبعضهم كانوا من مشجعى الكرة فى أوروبا وقد وظف مخططو العمليات الإرهابية هذا الهوى فى هجماتهم بداية من التفجير الأول خلال سلسلة استهدفت باريس فى نوفمبر 2015 (بالقرب من استاد دوفرانس) حيث يلعب المنتخب الفرنسى أمام ألمانيا وانتهت إلى قرابة الـ200 قتيل ومصاب فقط لأن التشديدات الأمنية منعت الانتحارى من إلقاء المزيد من الضحايا إذا ما وصل إلى المدرجات.

.. وأضاف "فيسك": أن حدائق باريس حيث تُلعب الكرة أصبحت مكانًا لتجنيد المتطرفين، وقد أثبتت التحقيقات أن منفذى هجوم (شارل إبدو) 2015 التقوا لأول مرة ونظموا أنفسهم فى ملاعب الخماسى لكرة القدم، كما أسهمت اللعبة فى تكوين الإرهابى الأبرز عالميًا (جون) والذى ظهر فى فيديوهات إعدام الضحايا وبينهم المصريون فى ليبيا بالخنجر واللكنة الإنجليزية لكونه بريطانيًا من أصول عربية كويتية (ويدعى محمد عوازى) وهو أحد كبار مشجعى مانشستر يونايتد وكانت جماعة تلتقى بشكل دورى لممارسة الكرة وجذب أعضاء جدد فى غرب لندن.. بل إن المسئول السابق عن مراجعة قوانين مكافحة الإرهاب (ديفيد أندرسون) لفت نظره أن الشباب العائد من مواقع الحروب الدموية أكثر حديثهم عن المنتخب الإنجليزى لكرة القدم أكثر من تجاربهم مع الموت..

رغم أن التنظيم تعتبر الكرة حرامًا، إلا أنه لعبها بجماجم ورءوس الضحايا، كما نفّذ أكثر عملياته شراسة فى ملاعبها، ففى مارس 2016 فجر انتحارى نفسه وسط مدرجات استاد بغداد وأودى بحياة ثمانية عشر وأصاب أكثر من 30 شخصًا، وبعد شهرين هاجمت الدواعش تجمعًا لمشجعى ريال مدريد على مقهى (50 ميلاً من بغداد) وأطلقوا الرصاص فقتلوا 16 وأصيب أكثر من 20.

ولم يتخلَ "فيسك" عن عدائه للعرب وانحيازه الصهيونى الفاضح فأنهى مقاله بالإشارة إلى الهجوم على البعثة الإسرائيلية فى دورة ميونيخ الأوليمبية 1972 وإلى التفجير الإرهابى فى دورة أتلانتا 1996.. ولم يكلف خاطره لتشير إلى الحقيقة الراسخة وهى أن الإرهاب ضيعة الاستعمار الذى غرس السرطان الصهيونى فى المنطقة، ثم حاول تنفيذ مخطط إعادة تقسيمها واصطنع لذلك الدواعش وأعدهم وسلحهم وخطط لهم عملياتهم ووفر لهم جيوب التمويل.. وأكثرها بأموال عربية.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق