حكاية أندية مصر مع سلاطينها وملوكها ورؤسائها ورؤساء حكوماتها (1)
ياسر ايوب
12
125
لم تكُن سابقة أولى ولن تكون أخيرة حين ذهب المهندس شريف إسماعيل رئيس الحكومة لافتتاح كل المشروعات الإنشائية الجديدة فى نادى الزمالك.. فالزمالك كنادٍ كبير جدًا يستحق أن يذهب إليه ويحتفل معه بنجاحاته وإنجازاته أى رئيس للحكومة ورئيس للدولة أيضًا.. والتاريخ الرياضى المصرى شاهد دائم على هذه العلاقة المتبادلة طوال الوقت بين أندية مصر وحكامها وكبار مسئوليها.. علاقة شديد التعقيد حافلة بالغرائب والألغاز والأسرار ومحاولات لا تنتهى للتفسير والفهم.. وبالتأكيد ستبقى زيارة المهندس شريف إسماعيل للزمالك دعوة لمعاودة قراءة هذا التاريخ الجديد والاقتراب أكثر من حقائق وتفاصيل هذه العلاقة بين من يحكمون ومن يلعبون فى مصر.. خاصة أنه تاريخ فاض بالأخطاء والمعلومات الناقصة وباتت فوضى تحتاج إلى كثير جدًا من التمهل والهدوء والمراجعة والترتيب.

وقد يكون من الضرورى جدًا وقبل الالتفات إلى زيارات الحكام والمسئولين الكبار لأنديتنا.. أن نتوقف أولاً أمام أول اهتمام سياسى رسمى فى تاريخ مصر بالرياضة.. وكان ذلك بالتحديد مساء أحد أيام عام 1916 حين ذهب الصحفى الكبير إبراهيم علام إلى بيت المستر ميدويل نائب رئيس تحرير جريدة الإيجيبشيان ميل.. حيث كانت سهرة حضرها كثير من الضباط والقادة الإنجليز المهتمين والمسئولين عن الأنشطة الرياضية لجيوش الحلفاء فى مصر.. وفى تلك السهرة عرض إبراهيم علام على الجميع فكرة بدء مسابقة أو بطولة كروية مصرية تشارك فيها الأندية المصرية وأيضًا الفرق العسكرية البريطانية..

كان إبراهيم علام يريد بفكرته الاستقلال عن الاتحاد الرياضى المختلط برئاسة بولاناكى وأن تشارك الأندية المصرية فى بطولة كروية مستقلة لا تخضع لهذا الاتحاد وتتمتع بحماية حتى تنجح وتستمر.. وفى نفس الوقت لم يكُن القادة والضباط الإنجليز ليرفضوا هذا الترفيه الكروى المنظم الذى بالتأكيد يحتاج إليه جنود وضباط الجيوش المشاركون فى الحرب على أرض مصر.. وفى اليوم التالى..

ذهب إبراهيم علام وصديقه مصطفى حسن إلى مبنى جريدة الإيجيبشيان ميل فى شارع المدابغ حيث قدم الاثنان للمستر ميدويل تفاصيل فكرة إقامة هذه البطولة.. وأطال الاثنان حديثهما عن ضرورة أن تكون هذه البطولة قيمتها ووجاهتها وانتظامها أيضًا وألا تكون مجرد وسيلة للترفيه الكروى سواء عن المصريين أو الإنجليز..

وكان ميدويل يصغى إليهما بهدوء دون تعليق رغم الاهتمام الذى بدا واضحًا فى عينيه والاقتناع أيضًا.. وطلب منهما ميدويل مهلة أربع وعشرين ساعة قبل أن يبلغهما قراره النهائى.. وفى اليوم التالى كانت المفاجأة الكبرى.. فقد ذهب ميدويل بعد انصراف إبراهيم علام ومصطفى حسن إلى سراى عابدين حيث التقى هناك بأحد مستشارى السلطان حسين كامل وشرح له فكرة هذه البطولة الكروية الجديدة وعرض عليه اقتراحًا بأن تقام هذه البطولة على كأس يقدمها السلطان حسين وتحمل البطولة اسمه..

ووعد المستشار السلطانى بأن يعود لميدويل صباح اليوم التالى بقرار السلطان.. وكانت المفاجأة.. فقد وافق السلطان حسين فقد وافق على أن تحمل هذه البطولة اسمه وقرر تقديم كأس لها تليق بعظمة ومكانة واسم السلطان.. كانت المرة الأولى التى يلتفت فيها حاكم لمصر بكرة القدم أو للرياضة كلها فكانت الكأس السلطانية. وبعد خمس سنوات بالضبط.. كانت الخطوة التالية.. ففى عام 1922 أصبح هناك اتحاد جديد لكرة القدم لأول مرة فى تاريخ مصر.. وقرر هذا الاتحاد أن يبدأ نشاطه ببطولة للكأس وأن تحمل اسم الأمير فاروق نجل الملك فؤاد.. والذى احتفلت مصر بمولده فى الحادى عشر من فبراير عام 1920..

ورأى الاتحاد الجديد أنه من المناسب ومن اللائق.. وربما كان من الضرورى أيضًا.. أن تحمل أول بطولة مصرية رسمية تقام فى مصر عام 1922.. اسم ابن ملك مصر.. ولكن كان من اللائق ومن الضرورى أيضًا استئذان الملك فى اسم البطولة.. إلا أن الملك فؤاد الأول لم يوافق فقط على بدء أول بطولة رسمية للاتحاد المصرى لكرة القدم تحمل اسم طفله الصغير وولى عهد مصر.. وإنما قرر أيضًا تقديم كأس هذه البطولة من ماله الخاص.. بل وكان هناك ما هو أهم من ذلك..

فالملك فؤاد بعد أن وافق على البطولة واسمها.. وانطلقت البطولة بالفعل.. قرر أن يستقبل بنفسه رئيس وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصرى لكرة القدم ويسلمهم الكأس التى سيفوز بها من ينتصر فى المباراة النهائية.. وتم ذلك اللقاء صباح السادس من أبريل عام 1922.. ولم تكن قيمة ذلك الاستقبال فى مجرد لقاء مع الملك واستلام كأس فاخرة تقام عليها أولى بطولات الاتحاد المصرى.. وإنما كانت أول مرة فى التاريخ يستقبل فيها ملك مصر ممثلى ومسئولى وقادة الكرة فى مصر..

أول مرة تفتح فيها أبواب القصور الملكية للعبة الشعبية التى لا يلعبها إلا البسطاء والفقراء.. فالسلطان حسين سبق أن قدم باسمه كأسًا أقيمت عليها الكأس السلطانية.. لكنه لم يفكر أبدًا فى استقبال أحد ولا تخيّل مسئول كروى واحد أنه ممكن أن يلتقى السلطان.. لكن الملك فؤاد استقبل الجميع اعتزازًا بأول اتحاد مصرى رياضى فى مصر..

اتحاد كرة القدم.. وفرحة بأول بطولة سينظمها هذا الاتحاد.. بطولة التفوق لنيل كأس الأمير فاروق.. وسرعان ما تناسى الناس وتغاضوا عن هذا الاسم الرسمى الطويل وشاعت هذه البطولة باسمها الحقيقى والمباشر.. بطولة كأس الأمير فاروق ثم كأس الملك فاروق عام 1938 أى بعد عامين من جلوس فاروق على عرش مصر ثم بطولة كأس مصر بعد قيام الثورة فى يوليو عام 1952. وإذا كان من الضرورى قبل الحديث عن زيارات الحكام والمسئولين الكبار لأنديتنا التوقف أولاً أمام بداية العلاقة بين الحكام فى مصر والرياضة وكيف ولماذا بدأت.. فلابد أيضًا من التوقف أولا أمام حالة استثنائية شهدها النادى الأهلى..

ففى شهر مارس عام 1922 تم تكليف عبدالخالق باشا ثروت برئاسة الحكومة.. وقبل عبدالخالق باشا هذا التكليف وأصبح رئيسًا للحكومة إلى جانب احتفاظه بوزارتى الداخلية والخارجية أيضًا.. وليس هذا هو الحدث الذى يعنينا الآن.. إنما لابد من التوقف أمام حقيقة أخرى هى أن عبدالخالق باشا فى ذلك الوقت كان رئيسًا للنادى الأهلى منذ ست سنوات.. وكانت المرة الأولى والأخيرة التى تملك فيها مصر رئيسًا للحكومة ويشغل فى نفس الوقت منصب رئيس نادٍ رياضى..

وهكذا يمكن اعتبار عبدالخالق باشا ثروت هو أول رئيس حكومة فى تاريخ مصر يزور أحد أنديتها.. فهو رئيس الحكومة الذى كان يذهب للنادى الأهلى ليدير شئونه ويشرف على نشاطاته ومشروعاته.. أما جعفر باشا والى الذى خلف عبدالخالق باشا ثروت فى رئاسة الأهلى.. فقد اكتفى بأكثر من لقب وزارى وتم ترشيحه أكثر من مرة لرئاسة الحكومة لكنه لم يصبح فعليًا رئيسًا للحكومة فى أى وقت واكتفى بأنه أصبح أول رئيس لأول اتحاد كرة قدم فى مصر.. وأثناء رئاسة جعفر باشا والى للأهلى..

وبالتحديد فى يوم الثلاثاء الثامن من يناير عام 1929.. تلقى جعفر باشا مرسومًا ملكيًا يفيد الرعاية الملكية للنادى الأهلى. وبسبب هذه الرعاية.. أو من نتيجتها.. كان الملك فؤاد هو أول حاكم لمصر يقوم بزيارة نادٍ رياضى. وقد كان أول ظهور لفاروق وهو لا يزال أميرًا ووليًا للعهد.. يوم اصطحبه والده الملك فؤاد إلى الشرفة الملكية فى ملعب النادى الأهلى يوم الخميس 7 أبريل 1932 لمشاهدة حفلة المرشدات المصريات..

ثم كانت هناك الحفلة الضخمة والفخمة التى أقامها الملك فؤاد فى التاسع والعشرين من شهر أبريل عام 1933 لتنصيب ابنه كشافًا أعظم حين أتم الرابعة عشرة من عمره.. وكان هناك إصرار وحرص على إقامتها فى النادى الأهلى.. وقد تعدّدت وتوالت صور الأمير والملك معًا فى الشرفة الملكية بالنادى الأهلى.. وأشار كثيرون هنا وهناك.. وفى مناسبات مختلفة.. إلى أن فاروق كان أميرًا يشجع الأهلى.. وبقى يشجع الأهلى حتى وهو جالس على العرش ملكًا لمصر.. وقد شهد فاروق وهو أمير والده الملك فؤاد ينعم بالرعاية الملكية على النادى الأهلى.. ثم فوجئ الجميع بالملك الجديد فاروق يعلن رعايته الملكية للنادى الأهلى وتم الإعلان عن ذلك فى اجتماع مجلس إدارة النادى الأهلى فى الرابع من شهر ديسمبر عام 1936. ولكن..

وعلى الرغم من ذلك كله.. فإنه يبقى يوم السابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 1936.. يومًا فاصلاً فى العلاقة بين الملك فاروق وبين الرياضة.. فقبل ذلك اليوم كانت الرياضة فى حياة فاروق.. سواء كأمير أو ملك.. مجرد هواية شخصية.. وسيلة مناسبة ورائعة للحفاظ على اللياقة واكتساب الحيوية أو تسلية ممتعة لقضاء أوقات فراغ أميرى أو ملكى.. ولكن الرياضة فى ذلك اليوم لم تعد هواية أو تسلية.. بل أصبحت إحدى الواجبات الملكية التى لابد أن يلتزم بها ملك شاب جديد قرر مستشاروه وأساتذته أن الرياضة هى إحدى الوسائل المتاحة والضرورية ليكتسب بها فاروق شعبية هائلة وحب كل المصريين..

وألزم هؤلاء المستشارون الملك الجديد بالحرص على حضور كل المباريات الكروية واللقاءات الرياضية العامة.. وهو ما كان فاروق مضطرًا إليه.. وفى ذلك اليوم بالتحديد.. بدأ الملك فاروق فى القيام بهذا الواجب.. فذهب إلى ملعب نادى الاتحاد السكندرى بالشاطبى لمشاهدة مباراة كبرى بين الاتحاد والنادى الأهلى..

وكان فى استقباله الأمير عمر طوسون وأصحاب المعالى الوزراء ومدير بلدية الإسكندرية ونائب المندوب السامى وكبار رجال القصر ورؤساء المصالح فى الثغر.. ولم تكن الزيارة فى حد ذاتها هى الحدث أو المتابعة الملكية للمباراة التى انتهت بفوز الأهلى بثلاثة أهداف مقابل لا شىء للاتحاد السكندرى.. وإنما كانت الطريقة التى تم تسويق بها هذه الزيارة لعموم المصريين عبر الصحافة التى أكدت أن جلالة الملك ذهب إلى استاد الاتحاد السكندرى بالشاطبى تشجيعًا من جلالته لروح الرياضة وتنازلاً ديمقراطيًا من العرش للاندماج فى الشعب.

ولم يمضِ عام 1936.. ويأتى عام 1937.. إلا وكانت زيارات الملك فاروق وحرصه على حضور المباريات الكروية واللقاءات الرياضية المهمة قد أصبحت أمرًا شائعًا ومألوفًا.. فذهب فى شهر فبراير إلى النادى الأهلى وشهد مباراة كأس الملك بين منتخبى القاهرة والإسكندرية.. وافتتح فى نفس الأسبوع نادى السلاح..

وذهب الملك فى نفس العام إلى نادى سبورتنج فى الإسكندرية ليحضر ختام بطولة القطر المصرى للسباحة.. وبالطبع تابعت الصحافة المصرية هذه الزيارات والمشاهد الملكية.. وتبارت كلها فى تأكيد إعجاب الجميع بديمقراطية الملك وروحه الرياضية العظيمة.. وفى شهر أكتوبر من نفس العام.. عاد الملك فاروق مرة أخرى إلى استاد الشاطبى من جديد ليحضر مباراة افتتاح الموسم الكروى فى شهر أكتوبر عام 1937 بين النادى الأهلى والاتحاد السكندرى.. وفاز النادى الأهلى بثلاثة أهداف مقابل هدفين للاتحاد السكندرى.. وتفضل الملك بمصافحة حسين حمدى أفندى كابتن النادى الأهلى وهنئه بهذا الفوز..

وكان الملك فاروق قبل إقامة هذه المباراة بيومين قد ذهب وزار نادى الاتحاد فى الشاطبى لحضور مباراتين فى كرة السلة بين الاتحاد السكندرى وبين النادى الأهلى.. للرجال وللآنسات.. وفاز الاتحاد فى المباراتين على الأهلى وقام الملك بتسليم كأسين.. لرجال الاتحاد ولآنسات الإسكندرية بلباسهن الأزرق السماوى. ومن المؤكد أن زيارات الملك فاروق المتكررة للأندية والملاعب الرياضية بحثًا عن الشعبية وليزداد التقارب بينه وبين الناس.. باتت تلفت انتباه الجميع فى مصر..

وبوجه خاص دولة النحاس باشا زعيم الوفد.. ومن المؤكد أيضًا أن الحساسية الخاصة بين القصر والوفد.. وبين فؤاد كملك راحل وفاروق كملك حاضر وبين مصطفى النحاس باشا.. أدخلت الرياضة بأنديتها ونشاطاتها إلى دائرة هذه الحساسية وهذا الصراع.. فلم يشأ النحاس باشا أن يبقى بعيدًا ويترك الرياضة وملاعبها للملك فاروق يصول فيها ويجول وحده ويبقى الوفد غائبًا.. ففى الرابع عشر من شهر مارس عام 1937..

ذهب صاحب المقام الرفيع دولة النحاس باشا إلى ملعب الأهلى مصطحبًا معه زكى العرابى باشا وزير المعارف والفريق على فهمى باشا وزير الحربية والدكتور أحمد ماهر رئيس مجلس النواب وأيضًا محمد حيدر باشا مدير مصلحة السجون ورئيس نادى الزمالك.. وذلك لمشاهدة مباراة ودية فى كرة القدم بين منتخبى مصريين وأجانب تقرر تخصيص إيرادها لمصلحة الدفاع الوطنى.. وانتهت المباراة بالتعادل بهدفين لكل فريق..

أما الإيراد فزاد على المائتى جنيه.. وفى شهر أكتوبر حرص حضرة صاحب المقام الرفيع.. والرئيس الجليل.. دولة النحاس باشا.. ليس فقط على الحضور وإنما على المشاركة أيضًا فى تحكيم فى بطولة للسباحة أقيمت فى الإسكندرية بين السلسلة وسيدى بشر.. وحرص النحاس باشا على متابعة السباق وهو داخل أحد زوارق مصلحة خفر السواحل كأحد أعضاء لجنة التحكيم.. وبعد انتهاء السباق قام دولة النحاس باشا بتوزيع الجوائز على الفائزين وهو يرتدى المايوه وفوقه برنس الاستحمام..

وهى صورة نشرتها الصحافة المصرية فى ذلك الوقت وأتبعتها بتعليقات كثيرة على صاحب المقام الرفيع الذى لم تعُد تشغله شجون السياسة وشئونها عن الاهتمام بالرياضة حتى يرى فيها تقدمًا لمصر ورفعة فى ميادينها.

وهكذا.. تحولت الرياضة إلى ساحة جديدة للصراع بين القصر والوفد.. بين فاروق كملك شاب وجديد لمصر وبين رئيس للوزراء وصاحب عجوز للدولة هو النحاس باشا.. ساحة وصراع وسباق لم يحظوا باهتمام كثير من المؤرخين أو معظمهم.. أو حتى من كتاب الدراما والحكايات.. رغم أنها كانت ساحة تمثلت وتجسّدت فيها كل مظاهر الصراع أو الصدام أو التسابق بين الاثنين على اهتمام عموم الناس وإعجابهم واحترامهم.. صراع سياسى وإعلامى دفعت الرياضة المصرية له ثمنًا غاليًا واستفادت منه كثيرًا أيضًا بعدما أخرجها مثل هذا الصراع من ملاعبها وقاعاتها الضيقة إلى ساحة السياسة الواسعة بكل دهاليزها وطرقاتها..

وهو تأثير لم تبدأ الرياضة المصرية تعيشه وتتأثر به كواقع وحقيقة إلا بعد سنوات قليلة منذ بداية اشتعال هذا الصراع السياسى والرياضى بين القصر والوفد.

رابط دائم: 
كلمات البحث:
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق