حكاية أندية مصر مع سلاطينها وملوكها ورؤسائها ورؤساء حكوماتها (2)
ياسر ايوب
12
125
لا أزال أواصل التقليب فى ملف العلاقة بين حكام مصر وقادتها وأنديتها الرياضية.. وشرحت فى الأسبوع الماضى كيف تطورت هذه العلاقة بين قصر الحكم واللعب فى زمن السلطان حسين كامل.. وكيف ازدادت رسوخًا وعمقًا فى زمن السلطان ثم الملك فؤاد.. وحين جلس الملك فاروق على عرش مصر.. قرر أن يشمل برعايته النادى الأهلى ونادى الاتحاد السكندرى ليصبح النادى الأهلى الملكى ونادى الاتحاد الملكى أيضًا.. وفى أكتوبر عام 1937.. زار الملك فاروق نادى الاتحاد بالشاطبى وشهد مباراتين بين نادى الاتحاد والنادى الأهلى فى كرة القدم وكرة السلة.

ولم يمضِ عام 1938.. إلا وكانت الرياضة المصرية قد شهدت حادثًا عاصفًا عادت فيه السياسة لتمتزج بالرياضة من جديد.. فقد كان الملك فاروق ?كعادته- يواصل حضور مباريات الكرة ومباريات الرياضة.. وفى اليوم الرابع من شهر سبتمبر عام 1939.. كان الملك فى نادى سبورتنج يحضر بطولة النادى فى السباحة.. وبعد انتهاء البطولة وقيام الملك بتوزيع الكئوس والجوائز على الفائزين.. وأثناء انصراف الملك من النادى.. تم إطلاق الرصاص من بين جموع المتفرجين فانتابت الجميع مشاعر الصدمة والقلق والارتباك.. صحيح أن الرصاصة استقرت فى فخذ شاب إيطالى يعمل فى أحد المحلات بمدينة الإسكندرية.. ولكن هل كان القصد هو إصابة الملك أم أنه كان حادثًا فرديًا لا علاقة له بالملك؟.. وعلى الفور بدأ التحقيق مع اثنين من المشتبه بهما..

ودارت وقائع التحقيق المثير فى قسم شرطة محرم بك.. ووجه الإثارة كانت الشكوك فى أن هذا الحادث محتمل أن يكون محاولة لاغتيال الملك.. وهو ما دعا لأن يحضر التحقيق فى قسم الشرطة كل من النقراشى باشا وزير الداخلية وأحمد خشبة باشا وزير العدل وأحمد ماهر باشا وزير المالية وسابا حبشى باشا وزير التجارة وكبار ضباط الحرس الملكى.. وعلى الرغم من أن التحقيق الذى استمر أيامًا طويلة قد انتهى بالتأكيد على أنها لم تكن شروعًا فى اغتيال الملك.. فإن الصحافة التى تابعت هذه الحكاية وقتها أطالت الحديث عن نادى سبورتنج والملك والرياضة ومبارياتها وبطولاتها..

وكان من المتوقع وقتها أن يؤدى مثل هذا الحادث إلى امتناع الملك عن الذهاب إلى الأندية سواء فى الإسكندرية أو القاهرة أو حضور المباريات والبطولات الرسمية وغير الرسمية.. ولكن الملك الشاب لم يقرر ذلك.. ولم يقبل النصائح التى سيقت له تدعوه إلى ذلك.. وواضح أن الرياضة وعشقها تحت جلد الملك جعلته يرفض الابتعاد عنها وعن أنديتها ومبارياتها وبطولاتها..

بل وكان الملك فاروق نفسه هو السند الأكبر الذى وجده كثير من وجهاء مصر وهم يؤسسون ناديًا خاصًا بهم فى عام 1939 كان هو نادى الصيد الملكى، والذى كان مقره الأول هو 23 شارع قصر النيل قبل أن يطلب الوجهاء المؤسسون للنادى -وبدعم شخصى ومباشر من الملك شخصيًا- أن يأخذوا قطعة أرض فى الجيزة من مصلحة الأوقاف ليؤسسوا عليها ناديهم الجديد وميادين الرماية الخاصة به.. وكانت أرضًا بلغت قيمتها اثنان وعشرين ألف جنيه..

وفى مجلس النواب جرت مناقشة فتح اعتماد بهذا المبلغ لتحصل عليه مصلحة الأوقاف مقابل هذه الأرض التى ستصبح ملكًا لمصلحة الأملاك الأميرية ويقام عليها نادى الصيد الجديد.. وكانت معركة فى مجلس النواب.. معركة وصفها المؤرخ الكبير الدكتور يونان لبيب رزق بأنها لا تزال إحدى المعارك المجهولة فى التاريخ المصرى..

وكان طرفاها هما الوجهاء الراغبين فى تأسيس نادى الصيد من ناحية.. والفقراء وعموم الناس فى ناحية أخرى والذين رأوا أنه كثير جدًا على الحكومة المصرية وقتها أن تدفع مثل هذا المبلغ الضخم ليستمتع بعض الوجهاء بالصيد فى نادى الصيد.. ولكن -وبدعم وتشجيع من الملك- انتصر الوجهاء وتأسس نادى الصيد على أرض الأوقاف فى الجيزة. وبقى فاروق ملكًا عاشقًا لكرة القدم وأنديتها وباحثًا عن مزيد من الشعبية والتقارب مع الشعب عن طريق الرياضة.. دون أن ينسى أزمته مع نادى الفروسية التى نشبت فى شهر مايو عام 1939 وبقيت آثارها حاضرة وظاهرة لوقت طويل بعدها..

وهى الأزمة التى تمثلت فى قرار محمد طاهر باشا.. رئيس نادى الفروسية.. برفض قبول بعضهم كأعضاء عاملين فى النادى بدعوى أنهم فلاحون.. وقرر الكاتب الكبير مصطفى أمين -بمعاونة محمد محمود باشا رئيس الوزراء- القيام بحملة على نادى الفروسية الذى يعاير المصريين بأنهم فلاحون ويرفض منحهم عضويته العاملة.. وحار الملك فاروق بين إرضاء جموع المصريين.. الفلاحين.. وبين إرضاء أمراء العائلة المالكة الذين كانوا الهدف المباشر لحملة مصطفى أمين بدعم مباشر من رئيس الوزراء..

ولكن انتصر فاروق فى النهاية للمصريين على حساب أمراء العائلة المالكة وقال لرئيس الوزراء -وبشهادة مصطفى أمين نفسه فى كتابه ليالى فاروق- إنه ليس كافيًا حرمان نادى الفروسية من إعانة الحكومة.. بل يجب إغلاقه بالضبة والمفتاح لو كان ذلك ممكنًا.. وقال الملك أيضًا إن الفلاحين هم أسياد البلد.. وإنه لن يسمح بوجود نغمة كهذه فى نادٍ يريد أن يحظى بالرعاية الملكية.. فقد بدأ يزيد عدد الأندية التى تطلب رعاية الملك.. وأيضًا بدأ الملك.. عاشق كرة القدم..

والباحث عن مزيد من الشعبية والتقرب من الناس عن طريق كرة القدم.. يدرك أن نادى الزمالك بمكانته ونجاحاته فى تلك الأيام.. وشعبيته المتزايدة فى مصر كلها يومًا وراء يوم وبطولة بعد أخرى.. يمكن أن يكون هو الوسيلة التى تعين الملك على تحقيق أهدافه وبلوغ غايته من كرة القدم.. ومن الرياضة كلها.. خاصة أن الزمالك طلب ذلك بالفعل..

ولم يكن وقتها هو النادى الوحيد.. فجريدة الأهرام تابعت محاولات وجهود نادى الألعاب فى طنطا.. الذى تأسس عام 1934 على مساحة ضخمة وسط مدينة طنطا وبلغت تكاليف إنشائه وقتها قرابة العشرين ألف جنيه.. وكان مبلغًا شديد الضخامة تم إنفاقه فى بناء النادى الذى وصفته الأهرام بأنه كان أجمل وأفخم وأرقى من كل أندية العاصمة.. فقد كان يضم ملعبًا للكرة وحمامًا للسباحة وملعبًا لكرة السلة وستة ملاعب للتنس غير المبنى الاجتماعى الأنيق.. وفى عام 1941 تقدم مسئولو النادى يطلبون رعاية الملك فاروق لناديهم.. فاستجاب لهم فاروق ولكنه قرّر تسمية النادى باسم والده الراحل ليصبح نادى فؤاد الأول..

وقد كان من الواضح أن فاروق لم يشأ أن يمنح اسمه لنادٍ جميل وأنيق ولكنه ليس فى القاهرة ولا يملك الشعبية التى يسعى وراءها فاروق.. وهو ما تحقق له حين جاءه محمد حيدر باشا أخيرًا يعرض عليه.. ويطلب منه.. رعايته الملكية السامية لنادى الزمالك. وإذا كانت هذه هى حسبة الملك فاروق.. فقد كانت حسبة محمد حيدر باشا مختلفة تمامًا..

فقد أدرك حيدر باشا.. أن عطف جلالة الملك واهتمامه الرسمى والمعلن بنادى الزمالك.. يمكن أن يكون هو الوسيلة الوحيدة التى يستمد منها الزمالك كل ما كان ينقصه من قوة.. ووجاهة.. ونفوذ.. وبذكائه الفطرى.. ونتيجة قربه من الملك.. أدرك حيدر باشا أنه قد جاءت اللحظة المناسبة التى يتقدم فيها للملك بطلب رعايته.. ففى ذلك الوقت.. كان حيدر باشا أحد الذين يثق فيهم.. ويعتمد عليهم.. ويأتمنهم الملك على أسراره ودواخله.. علاقة لم تبدأ بجلوس فاروق على عرش مصر وإنما كانت علاقة قديمة بدأت مع الملك فؤاد نفسه قبل أن يرحل ليأتى فاروق خلفًا له.. وكان محمد حيدر قد تخرج فى المدرسة الحربية عام 1916..

وبدلاً من الالتحاق بالجيش كزملائه.. فضّل حيدر الانضمام إلى سوارى البوليس.. ولما كان حيدر يجيد ركوب الخيل وقد نجح فى استثمار ذلك فى مطاردة المتظاهرين وكل من لا يرضى عنهم القصر أو الإنجليز.. فقد حظى بتقدير الجميع وتم إلحاقه بمصلحة السجون.. وحكى لنا مرتضى المراغى باشا فى مذكراته التى نشرها محمد الجوادى كاملة فى كتابه.. على مشارف الثورة.. حين حاول الملك فؤاد استصلاح حوالى خمسين ألف فدان من الأراضى البور ضمن أملاك الخاصة الملكية..

تطوّع حيدر باقتراح الاستعانة بالمساجين للقيام باستصلاح تلك الأراضى.. وهو ما نجح فيه حيدر بالفعل فكانت مكافأته هى ترقية استثنائية انتهت به مديرًا لمصلحة السجون.. وحين جلس فاروق على عرش مصر خلفًا لأبيه.. بقى حيدر قريبًا من القصر يحظى بثقة الملك الجديد بنفس الدرجة التى كان يلقاها من الملك السابق.. وهو ما انتهى بحيدر باشا لأن يصبح ياور شرفيًا لجلالة الملك.. وقد كان من الواضح أن حيدر لا يعنيه فى هذه الدنيا إلا القصر والملك فيه.. والزمالك الذى كان الغرام الحقيقى والأكبر لحيدر باشا.. ومثلما كان حيدر باشا لا يمانع من الاستعانة بالسجناء لخدمة القصر والملك مجانًا ودون مقابل..

فإنه لم يكن يتردد فى استخدام استراحات المصلحة.. وسجونها لو تطلّب الأمر.. من أجل الزمالك.. وفى حوار نادر أجراه نجيب المستكاوى مع المطرب الكبير محمد عبدالمطلب ونشره الأهرام فى شهر ديسمبر عام 1962.. قال محمد عبدالمطلب إنه عاشق للزمالك منذ أيامه وسنواته الأولى.. وحكى المطرب الكبير كيف كان حيدر باشا يأمره بالذهاب إلى أحد السجون التى كان حيدر باشا يختارها ويحتفظ فيها بالكثير من نجوم الكرة أثناء مواسم الانتقالات وذلك لإخفائهم عن كل العيون حتى لا يختطفهم الأهلى من الزمالك..

وكانت مهمة محمد عبدالمطلب المحددة فى كل مرة هى الغناء والترفيه عن هؤلاء النجوم أثناء فترة احتجازهم فى أحد سجون حيدر باشا. وأخيرًا.. جاءت اللحظة التى قرّر فيها حيدر باشا أن يفاتح الملك فى إطلاق اسم جلالته على نادى الزمالك الذى كان يسمى وقتها بنادى المختلط.. وعلى الرغم من أنه لا أحد يعرف.. ولا أحد اهتم بأن يعرف وقتها أو بعدها.. ما الذى دار بين الرجلين.. الملك وحيدر باشا.. فإن مصر كلها فوجئت فى شهر يونيو عام 1941 بالمرسوم الملكى الذى بمقتضاه أصبح نادى الزمالك.. يتشرف باسم حضرة صاحب الجلالة فاروق الأول. وفى السابع والعشرين من شهر يونيو عام 1941..

خرجت جريدة الأهرام تزف لقرائها هذا الخبر وتؤكد أن نادى المختلط.. خطا خطوته الرابعة بفوزه بالرعاية الملكية.. وبالتحلى باسم فاروق الأول.. وهى من غير شك أوسع الخطوات وأسماها.. فالخطوة الأولى كانت فى دور التأسيس حيث احتضنته الفكرة التى كفلها إخواننا الأجانب الذين بدأوا الحركة الرياضية وتزعموها.. وكانت هذه الفكرة غير مستقرة إلى أن خطا النادى خطوته الثانية حين وضع يده على الأرض التى احتلها بناء المحكمة المختلطة الآن بشارع فؤاد بالعاصمة..

فلما استقر به الحال نمت فيه روح الوطنية وقامت فيه ثورة حساسة قلبت أوضاعه وجعلت منه فى سنة 1915 ركنًا رياضيًا شارك فى السنة التالية فى تشييد أساس الثورة الرياضية الحاضرة.. أما الخطوة الثالثة لهذا النادى فهى التى كانت فى بدء ظهورها تقويضًا لهيكله حين انتزعت أرضه لبناء المحكمة المختلطة عليها.. وطوح به إلى ما وراء الزمالك.. إلا أنه كان لظهور شخصية إدارية حازمة هى شخصية سعادة حيدر باشا النجدة التى خفّفت أثر هذه الصدمة.. وقد قاد سعادته النادى قيادة ثبتت أولاً طابعه المصرى وقوّت مركزه الرياضى بين أندية مصر فصار ناديًا ثابت الدعامة.. على أن الخطوة الرابعة..

وهى أوسع الخطوات وأسماها كانت هى التخلص بتاتًا من هذه التسمية.. وهى خطوة جعلت من هذا المختلط ناديًا مصريًا يتشرف باسم حضرة صاحب الجلالة فاروق الأول زعيم الشباب ونهضتنا الرياضية.. ثم برعاية جلالته السامية.. وإنها لخطوة حملت هذا النادى عبء سياسة إنشائية لا نشك لحظة فى أن سعادة حيدر باشا سيعمل على تحقيقها بما عرف عنه من إخلاص وسمو إن شاء الله. هكذا.. صدرت جريدة الأهرام تعلن للناس خبر تغيير اسم نادى الزمالك..

من المختلط إلى فاروق.. وهكذا أصبح الزمالك -ولأول مرة فى تاريخه- يحظى بمثل هذه الرعاية الملكية السامية.. وإن كان حيدر باشا.. كرئيس للزمالك لم يعتمد على هذه الرعاية الملكية ولم يأمن لها مطلقًا.. وبقى يعيش -بالرغم من هذه الرعاية الملكية واسم الملك الذى بات يحمله نادى الزمالك- حربه الدائمة للحفاظ على وهج الزمالك وتألقه.. وإذا كانت الدكتورة لطيفة الزيات.. أكبر وأشهر من تخصصوا فى دراسة حياة الملك فاروق وأفكاره.. قد ألمحت إلى حرص الملك الدائم على زيارة النادى الأهلى ومتابعة مبارياته ومختلف أنشطته.. وإذا كانت هناك أكثر من حكاية أكدت أن الملك فاروق..

كإنسان وليس كملك.. كان يميل إلى النادى الأهلى.. فإن حيدر باشا كان بالتأكيد أول من يعلم ذلك وأول من تعيّن عليه ألا ينسى ذلك مطلقًا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق