لماذا قرر اللواء محمد نجيب زيارة أندية مصر وملاعبها
ياسر ايوب
12
125
كان يوم الخميس.. الثالث والعشرون من يوليو عام 1952.. يومًا آخر من المفترض أن يعيشه المصريون مثلما عاشوا ما سبقه من أيامهم ولياليهم.. يتابعون فيه نجيب باشا الهلالى الذى شرع فى تأليف وزارة جديدة بعد استقالة وزارة حسين سرى باشا.. ولا يحفلون بدعوة النبيل عباس حليم لاثنين وعشرين مليون مصرى للاتفاق على الجلاء والوحدة العربية.. ويستكملون مشاهدة الأفلام الجديدة فى دور السينما.

على بابا والأربعين حرامى وليلة العيد ولك يوم يا ظالم وعودة اللص والمحتال وجان دارك.. ويواصلون حزنهم وضيقهم لخسارة منتخب مصر لكرة القدم أمام ألمانيا فى دورة هلسنكى الأوليمبية بهدف واحد للضيظوى مقابل ثلاثة أهداف للألمان.. وكانت نفس تلك الدورة الأوليمبية قد شهدت أيضًا استبعاد كل السباحين المصريين وخروج لاعبى الجمباز. ولكن.. لم يحدث أىٌّ من ذلك.. فلم يهتم أحد فى مصر بالوزارة الجديدة ولا الدعوة للوحدة العربية.. ولا بأفلام السينما أو مباراة الكرة التى خسرتها مصر.. ففى هذا اليوم.. قامت ثورة الثالث والعشرين من يوليو.. الثورة التى غيّرت.. وإلى الأبد.. شكل الحياة فى مصر كلها..

تغييرًا طال كل أحد وكل شىء.. من السياسة إلى العيش ومن السُلطة إلى الجيش.. من الأدب إلى السينما إلى الصحافة إلى الأخلاق وحتى كرة القدم والرياضة كلها.. فقد أبدت ثورة يوليو.. وفى أيامها وسنواتها الأولى.. اهتمامًا لائقًا وجميلاً بالرياضة ولكن على طريقتها الخاصة.. فلم يكن اهتمامًا بالرياضة من أجل الرياضة بقدر ما كان اهتمامًا الغرض منه استخدام الرياضة وشعبيتها لتسويق الثورة وعصر جديد بدأ بها ومعها فى مصر.. وكان ذلك واضحًا تمامًا فى يوم الجمعة..

السابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 1952.. حين تم حشد الناس وجمهور الكرة فى مصر فى ملعب كوبرى القبة لحضور حفلة افتتاح موسم لعبة كرة القدم.. أى مباراة افتتاح الموسم.. بين منتخب القوات المسلحة ومنتخب أندية القاهرة.. وكانت الثورة قد قررت قبل إقامة هذه المباراة تعديل اسم اتحاد الجيش للألعاب الرياضية ليصبح اتحاد القوات المسلحة للألعاب الرياضية.. وقبل أن تبدأ الحفلة أو المباراة.. جاءت سيارة لتدور حول الملعب أمام الناس وفيها الرئيس اللواء محمد نجيب..

صحيح أنها كانت أول مرة لأول رئيس مصرى يظهر فى ملعب لكرة القدم.. لكن لم يكن الرئيس وقتها مهمومًا بالكرة المصرية.. ماضيها وحاضرها أو حتى طموحاتها ومستقبلها.. بقدر ما كان يحشد الناس.. حتى ولو من خلال الكرة وفى ملعب للكرة.. للالتفاف حول الثورة وقائدها.. وبالطبع فازت القوات المسلحة على منتخب القاهرة بثلاثة أهداف مقابل هدفين.. وكان مشهد اللواء نجيب فى مباراة للكرة من المشاهد التى ستشاهدها مصر كثيرًا بعد ذلك..

وفى خلال الأيام القليلة التالية.. فسافر الرئيس نجيب إلى المحلة.. ومرة أخرى تفوز القوات المسلحة على المحلة فى كرة القدم بهدفين نظيفين.. وتفوز أيضًا فى كرة السلة 52/19.. وكان هناك كثيرون استوقفهم مشهد اقتراب السيارة الرئاسية من المنصة الرئيسية لاستاد المحلة ثم رفض الرئيس نجيب النزول منها وإصراره على أن تطوف السيارة.. وهو واقف داخلها.. حول ملعب الكرة حتى يتسنى للرئيس نجيب تحية الجماهير التى احتشدت بها مدرجات المحلة وهى تهتف له وللثورة..

ثم ذهب اللواء نجيب إلى النادى الأهلى بدعوة من عبدالعزيز عبدالله وزير الزراعة ورئيس اتحاد كرة القدم لمشاهدة مباراة ودية بين النادى الأهلى وبين منتخب الأندية.. وقبل أن تبدأ المباراة حرص الرئيس على النزول للملعب ليصافح لاعبى الفريقين لأول مرة فى تاريخ الملاعب المصرية.. وبدأ الرئيس نجيب يحرص على حضور كل مباراة مهمة أو غير مهمة..

بل حرص الرئيس نجيب أيضًا على حضور حفلة السباحة السنوية لنادى المعادى.. وقاد طاهر اللوزى رئيس نادى المعادى مظاهرة الترحيب بالرئيس المصرى راجيًا من اللواء نجيب أن يتفضل ويتكرّم بقبول العضوية العاملة لنادى المعادى.. والحمد لله أن الرئيس نجيب تكرّم وتفضل ووافق وقبل العضوية المجانية.. ليبدأ بذلك قاعدة لا تزال سارية حتى اليوم فى كثير من أنديتنا التى تتسابق وتتجاوز لتمنح عضويتها العاملة مجانًا لكبار المسئولين خطبًا لودهم وسعيًا وراء رضاهم.. والمسئولون بدورهم يحرصون على هذه العضويات تأكيدًا لمكانتهم ونفوذهم ووجاهتهم الاجتماعية.

ولم يكن الرئيس نجيب وحده الذى أبدى ومنذ الأيام الأولى لثورة يوليو مثل هذا الاهتمام المغالى فيه بكرة القدم وبالرياضة كلها.. وإنما كان معظم رجال الثورة وقادتها.. كلهم أبدوا اهتمامًا استثنائيًا بالرياضة وألعابها وكلهم تملكتهم رغبة عارمة فى استثمار وهجها وشعبيتها.. حتى إنه لم تمضِ سنوات قليلة جدًا على قيام الثورة..

إلا وكان المشهد الرياضى فى مصر كاشفًا وفاضحًا لما جرى.. فأصبح عبداللطيف بغدادى رئيسًا لاتحاد السلاح.. وزكريا محيى الدين رئيسًا لاتحاد التجديف.. وحسين الشافعى رئيسًا لاتحاد الفروسية.. وخالد محيى الدين رئيسًا لاتحاد الأندية الريفية.. وأنور السادات رئيسًا لاتحاد تنس الطاولة.. وعلى صبرى رئيسًا لاتحاد السباحة.. وعبدالمحسن أبو النور رئيسًا لاتحاد كرة السلة.. والفريق على عامر رئيسًا لاتحاد الرماية.. والفريق أول صدقى محمود رئيسًا لاتحاد الإسكواش.. واللواء عبدالله رفعت رئيسًا لاتحاد الكرة الطائرة.. والفريق أول عبدالمحسن كامل مرتجى رئيسًا لاتحاد المصارعة..

وصلاح الدسوقى رئيسًا لاتحاد السلاح.. ومجدى حسنين رئيسًا لاتحاد التنس.. وكمال الدين حسين رئيسًا لاتحاد الرماية إلى جانب رئاسته للمجلس الأعلى للشباب والرياضة.. أما المشير عبدالحكيم عامر.. فقد كانت له حكايته الكبرى سواء مع كرة القدم واتحادها أو مع نادى الزمالك أيضًا. باختصار.. قرر الجيش.. منذ أن نجحت الثورة واستقر لها حكم مصر والسلطان عليها.. أن يأخذ الرياضة ويحتكرها لنفسه ولضباطه وجنوده..

ويغنينى هذا المشهد الذى توقفت عنده قليلاً عن كثير من الكلام والحكايات والتفاصيل.. ولن يفاجئنى أحدهم لو أفرط وتمادى فى خياله ليعلن أن الضباط الأحرار لم يقوموا بثورتهم فى يوليو عام 1952 إلا ليستولوا على الرياضة واتحاداتها وألعابها وليس لطرد الملك والقضاء على الأحزاب السياسية وفسادها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق