البابا والفاتيكان وكرة القدم
ياسر ايوب
12
125
يوم الجمعة الماضى.. جاء البابا فرانسيس للقاهرة ليكون أول بابا للفاتيكان يأتى إلى مصر منذ ستة عشر عامًا.. وعلى الرغم من أنها كانت الزيارة الأولى على الإطلاق للبابا فرانسيس.. إلا أنه استوطن قلوب المصريين بدعاواه للسلام والتعايش بين الجميع.. وإصراره على أن يؤكد للعالم كله من القاهرة وباللغة العربية أن مصر هى أم الدنيا.. وفى ختام كلام كثير قاله البابا عن مصر وفضلها وأهلها ومكانتها.. هتف أيضًا باللغة العربية.. تحيا مصر.. وقبل أن يغادر مصر.. أقام البابا فرانسيس قداسًا لطوائف الكاثوليك فى مصر فى استاد الدفاع الجوى

كانت مجرد مصادفة أن يقيم البابا فرانسيس قداسه الكبير فى القاهرة داخل ملعب لكرة القدم.. فلم يكن هناك أى تخطيط أو قصد ولكنها رحلة البحث عن مكان يسمح بحضور آلاف المصلين من الكاثوليك المصريين الذين أرادوا الصلاة مع وخلف بابا الفاتيكان.. فكان ملعب لكرة القدم هو المكان المناسب.. وكأن كرة القدم أصرّت فى النهاية على أن يكون لها مكان ودور فى زيارة البابا فرانسيس لمصر إكرامًا لبابا الفاتيكان الذى يحب كرة القدم ويحترمها كثيرًا وجدًا..

وعلى الرغم من أنه لا أحد يستطيع الزعم بأن البابا فرانسيس هو أول بابا للفاتيكان يحب أو يهتم ويحترم كرة القدم.. لأن هناك أكثر من حكاية كروية كان أبطالها بابوات للفاتيكان.. إلا أنه تبقى رغم ذلك للبابا فرانسيس حكايته الخاصة مع كرة القدم ومؤسساتها وأنديتها ونجومها ومنتخباتها ومبارياتها..

وإذا كان الفكر الجماعى المصرى فى عمومه لا يتخيل أى علاقة يمكن أن تقوم أو تدوم بين الفاتيكان وكرة القدم.. فقد آن أوان تصحيح هذا التصور الخاطئ لأن الفاتيكان ليس بعيدًا عن كرة القدم.. وجاء وقت لا بُد فيه من حديث يجمع بين الفاتيكان والبابوات.. وكرة القدم. وفى بداية هذا الحديث.. ينبغى التأكيد أولاً على أن الفاتيكان هى واحدة من تسعة بلدان قائمة لها حدودها الرسمية وتحظى باعتراف العالم وتتعامل معه دبلوماسيًا وقانونيًا ولكنها دول ليست أعضاء فى الفيفا..

موناكو وميكرونيزيا وتوفالو وناورو وجزر مارشال وبالاو والمملكة المتحدة البريطانية.. والفاتيكان.. وبالتالى لا تشارك هذه البلدان فى أى بطولات رسمية تتبع الفيفا.. حتى المملكة المتحدة البريطانية تشارك كرويًا فقط فى الدورات الأوليمبية لكن لا مكان لها أو وجود فى بطولات كأس العالم التى تلعب فيها إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا وويلز التى بدورها لا تشارك فى الدورات الأوليمبية..

وبالرغم من عدم مشاركته فى أى أنشطة رسمية للفيفا فإن ذلك لم يمنع الفاتيكان من تشكيل منتخب خاص باسمه يشارك فى مباريات ودية.. وأول مباراة تحتفظ بها سجلات الفاتيكان الكروية هى مباراة جمعت بين الفاتيكان وسان مارينو عام 1994 وانتهت بالتعادل بدون أهداف.. وبعدها توالت المباريات الدولية الودية القليلة التى شارك فيها منتخب الفاتيكان.. كان أكبر فوز لمنتخب الفاتيكان فى فبراير عام 2006 حين فاز على نادى إس فى فولموند السويسرى بتسعة أهداف مقابل هدف واحد..

وبنفس النتيجة فاز منتخب الفاتيكان فى فبراير عام 2011 على فريق شرطة روما.. أما أكبر خسارة لمنتخب الفاتيكان فكانت فى أكتوبر عام 1910 حين لعب أمام منتخب فلسطين وفازت فلسطين بتسعة أهداف مقابل هدف واحد للفاتيكان.. وبالرغم من هذه المباريات فإن منتخب الفاتيكان لا يضم أصلاً أى لاعبين محترفين أو متفرغين للعب كرة القدم..

إنما يضم هذا المنتخب لاعبين هم فى الأصل من جنود الحرس السويسرى حيث إن سويسرا هى التى تملك حق الدفاع وحماية دولة الفاتيكان التى تقع كلها داخل العاصمة الإيطالية روما.. وإلى جانب الحرس السويسرى.. يضم منتخب الفاتيكان أيضًا بعض أعضاء المجلس البابوى الكاثوليكى من قديسين وكرادلة وأيضًا حراس متاحف الفاتيكان من الإيطاليين..

وقد سبق للمدرب الشهير جدًا جيوفانى تراباتونى قيادة منتخب الفاتيكان متطوعًا. ويقودنا ذلك كله لحديث قد يبدو فيه بعض أو كثير من التناقضات.. فالفاتيكان التى هى فى الأصل دولة تقل مساحتها عن نصف كيلو متر مربع ولا يزيد عدد سكانها على ثمانمائة شخص.. إلا أنها تكتسب مكانتها وقيمتها وشهرتها وأهميتها الخاصة باعتبارها العاصمة الروحية والدينية لأكثر من مليار مسيحى كاثوليكى فى العالم.. ويمنحها ذلك المكانة الخاصة وثروات لا حدود لها مالية وفنية وتاريخية وقوة ونفوذ رغم أنها لا تملك جيشًا وسلاحًا..

ونظرًا لكل هذه المكانة الدينية فهناك التزامات للفاتيكان لا يستطيع الخروج عنها منها احتراف كرة القدم.. فالفاتيكان لا يمانع أن يحترف الآخرون هذه اللعبة لكنه لا يسمح بذلك لمن يعملون أو يعيشون داخل دولة الفاتيكان.. وحتى حين توقع الكاردينال تارشيزيو بيرتونى فى عام 2006 أنه قد يأتى يوم يشكل فيه الفاتيكان فريقًا لكرة القدم يلعب فى الدورى الإيطالى مع الميلان وروما ويوفنتوس.. لم يأخذ أحد وقتها كلام الكاردينال على محمل الجد واعتبروها دعابة من رجل دين فى دولة تحب وتحترم كرة القدم..

ودليل هذا الحب والاحترام.. بعيدًا عن تصريحات وتعليقات البابوات السابقين والبابا فرانسيس بابا الفاتيكان الحالى.. هو أن الفاتيكان تملك مجمعًا رياضيًا وفيه استاد حقيقى لكرة القدم هو استاد بيوس الثانى عشر.. وفى حقيقة الأمر يرجع الفضل فى اهتمام الفاتيكان الحقيقى والدائم بكرة القدم والرياضة كلها للبابا يوحنا بولس الثانى.. الذى جلس على الكرسى البابوى عام 1978 كأول بابا غير إيطالى للفاتيكان منذ أربعمائة وخمسين عامًا.. وبمجرد جلوسه على الكرسى البابوى أصبح هو البابا يوحنا بولس الثانى.. لكنه أبدًا لم ينسَ سنوات صباه حين كان كارول فويتيلا البولندى يعشق كرة القدم ويلعبها ويتابع مبارياتها ونجومها..

وكان يفضل مركز حارس المرمى ويجيده أيضًا.. وفى عام 2002 قرر البابا يوحنا تأسيس إدارة للرياضة داخل الفاتيكان.. فقد كان البابا يوحنا يؤمن بالرياضة ولا يرى أنه من اللائق والصواب أن تبقى الكنيسة الكاثوليكية بعيدة عن هذا العالم الذى يتأثر به ويعيش داخله ملايين الشباب والرجال والسيدات والفتيات والأطفال أيضًا.. فكثرت أحاديثه عن الرياضة وعن كرة القدم بالتحديد ولم يتردد فى نشر صور له مع كرة القدم وهو يلعبها أيضًا..

ولا أزال أذكر يوم طلبت حوارًا مع البابا شنودة الراحل للأهرام الرياضى وتحدد لى موعد مع قداسته فى الكاتدرائية.. وذهبت ليفاجئنى البابا بسؤال محدد هو لماذا طلبت منه حوارًا معه عن الرياضة.. ولأننى توقعت مثل هذا السؤال فقد ذهبت يومها أحمل معى معظم حوارات البابا يوحنا بولس الثانى الرياضية فى الصحافة الأوروبية والأمريكية.. وقلت للبابا شنودة إننى أمام كل ذلك أملك الحق فى أن أجلس مع بابا الإسكندرية الذى هو ليس أقل شأنًا ومكانة من بابا روما وأن أفتش عن الرياضة داخله..

فابتسم البابا شنودة ووافق على الحوار وكان حوارًا طويلاً وعميقًا ورائعًا أيضًا. وعلى الرغم من اهتمام البابا يوحنا بولس الثانى بالرياضة وكرة القدم وحفاوته بهما.. فإنه رفض اقتراحًا للكاردينال برتونى بتشكيل فريق كرة باسم الفاتيكان لا يلعب له إلا اللاعبون الكاثوليك وقد قال الكاردينال برتونى يومها إن هناك برازيليين كثيرين يدرسون اللاهوت فى الفاتيكان ومن الممكن جدًا أن يكونوا نواة لفريق كرة قوى يلعب باسم الفاتيكان.. ورفض البابا يوحنا بولس الثانى هذا الاقتراح وتقسيم كرة القدم على أسس دينية وأن يستغل الفاتيكان طلبة برازيليين أو غيرهم من أجل أن يلعب الفاتيكان ويفوز فى ملاعب كرة القدم..

وبدلاً من ذلك.. أسّس البابا بطولة كروية داخلية فى الفاتيكان هى الكليريكوس كاب.. وتشارك فيها فرق من القساوسة وطلبة المدارس الإكليريكية الذين يأتون من مختلف بلدان العالم للدراسة فى الفاتيكان.. وقد خلفه على كرسى البابوية البابا بنديكتس السادس عشر.. وكان فى الأصل ألمانيًا أيضًا من متابعى كرة القدم ومن مشجعى فريق ميونيخ واعتاد مثل البابا يوحنا بولس الثانى استقبال نجوم وأندية ومنتخبات كرة القدم فى الفاتيكان.. تمامًا مثلما حرص على ذلك أيضًا البابا فرانسيس الذى جلس على الكرسى البابوى فى مارس عام 2013.. كان أول بابا فى التاريخ من أمريكا اللاتينية وبالتحديد من الأرجنتين..

وأول بابا من خارج أوروبا منذ عام 741 أى زمن البابا جريجورى الثالث.. وهو البابا الذى زار مصر هذا الأسبوع وقاد القدّاس الكبير فى استاد الدفاع الجوى. ومثل من سبقوه.. فالبابا فرانسيس من عشاق كرة القدم وقد سبق له أن لعبها كثيرًا أيام الطفولة والصبا فى الأرجنتين إلا أنه لم يكمل مشواره معها لاعبًا واكتفى فقط بالفرجة والحب.. وبقى الحب فقط بعدما أصبح خورخي ماريو بيرجوليو هو البابا السادس والستين بعد المائتين للفاتيكان.. فقد اعترف البابا فرانسيس مؤخرًا لصحيفة أرجنتينية أنه لم يعُد يشاهد التليفزيون أو يقرأ الصحف منذ عام 1990 نتيجة وعد قطعه على نفسه أمام العذراء مريم..

وبالتالى لم يعُد يشاهد مباريات كرة القدم رغم حبه لها.. وبعد جلوسه على الكرسى البابوى قبل أربع سنوات أصبح هناك حارس سويسرى من حرس البابا مهمته إبلاغه أولاً بأول بنتائج النادى الأرجنتينى سان لورانزو الذى يشجعه البابا منذ كان صبيًا فى العاصمة بوينس آيريس.. وقد كان البابا فرانسيس من أوائل الناس الذين حرص على زيارتهم والحوار معهم جياتى إينفانتينو بعد انتخابه العام الماضى رئيسًا للفيفا.. كان ذلك فى مايو الماضى..

وقد حرص إينفانتينو على أن يأخذ معه للفاتيكان تى شيرت لنادى ريال مدريد الذى كان وقتها فائزًا فى ميلانو بدورى الأبطال الأوروبى.. وكتب إينفانتينو على ظهر التى شيرت اسم البابا فرانسيس وأعطاه له مع ميدالية بطولة دورى الأبطال الأوروبى مؤكدًا أن لاعبى ريال مدريد ومدربيهم ومسئوليهم تسلموا تسعًا وعشرين ميدالية مماثلة فى الملعب لكن رئيس الفيفا جاء بنفسه للفاتيكان حاملاً الميدالية الثلاثين ليسلمها بنفسه للبابا..

وضحك البابا فرانسيس قائلاً إنه للأسف الشديد لم يعد باستطاعته ارتداء هذا التى شيرت ولعب الكرة.. ولم يكن هذا أول أو آخر تى شيرت كروى يحصل عليه البابا أو يتسلمه كهدية من نجوم ومسئولى كرة القدم.. فقد سبق له أن التقى بمجموعة من القساوسة أعطوه هدية كانت عبارة عن تى شيرت النجم الأرجنتينى الكبير ليونيل ميسى.. وكان البابا فرانسيس سعيد بذلك سواء إعجابًا واحترامًا لموهبة ميسى الكروية وأيضًا اعتزازًا بدولة الأرجنتين التى تنجب نجوم الكرة الكبار مثل ميسى وقبله مارادونا الذى التقى بالبابا فرانسيس أكثر من مرة وشارك مارادونا فى أكثر من مباراة للسلام دعا إليها البابا فرانسيس وشارك فيها نجوم العالم الكبار..

وبعد فوز إسبانيا ببطولتى كأس العالم وأمم أوروبا.. استقبل البابا فرانسيس فى الفاتيكان رئيس الحكومة الإسبانية السابق ماريانو رخوى الذى حمل معه تى شيرت منتخب إسبانيا وقد حمل توقيعات كل لاعبى المنتخب الإسبانى اعتزازًا بالبابا عاشق كرة القدم والداعى الأكبر فى العالم لاستخدام كرة القدم من أجل سلام العالم. وفى الحوار الذى جمع بين البابا فرانسيس وإينفانتينو.. حرص البابا على أن يطلب من رئيس الفيفا تطهير المؤسسة الكروية الكبرى من كل وأى فساد وأخطاء وخطايا..

فالبابا يؤمن بكرة القدم كوسيلة لتعليم كل الصغار والجدد مبادئ وقيمًا ودروسًا كان من الصعب عليهم تعلمها فى الماضى حين كانت إدارة اللعبة نفسها فى حاجة إلى تطهير وتغيير خلاصًا من أزماتها وفسادها.. وقد كرر البابا فرانسيس دعوته هذه فى أكثر من مرة وأكثر من مكان وكلما التقى بأى نادٍ أو منتخب لكرة القدم يحرص على زيارة الفاتيكان أو لقاء بابا الفاتيكان فى أى مكان.. فالبابا يراها وسيلة حقيقية وممكنة للحوار والسلام والحب وليست مجرد لعبة للتعصب والكراهية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق