الجوهرى صانع المجد :هل هي السنوات العجاف؟!
خالد توحيد
12
125
الجوهرى صانع المجد :هل هي السنوات العجاف؟!
تعرض الراحل محمود الجوهري عبقري الكرة المصرية.. والأسطورة الخالدة علي مر التاريخ، لعملية اغتيال مدبرة، نالت منه علي امتداد سنوات، وكادت ــ في لحظة فارقة ــ تودي به، وتنهي مستقبله الكروي.. والإنساني علي السواء، بعد أن أعدوا العدة، وتآمروا علي تصفيته معنويا.. ومهنيا، ورغم أن هؤلاء المتآمرين، نجحوا في بعض مما أرادوه، وقد يكفي أن الرجل مات غريبا.. بعيدا عن ساحة النضال، التي كان من المفترض أن يبقي فيها حتي آخر يوم في حياته، ساحة كرة القدم في وطنه، ولكن ها هو التاريخ يكتب اسمه بأحرف من نور، وها هو يسجل له، أنه هو الذي وضع أساس مجد الكرة المصرية في عقدين كاملين.. هي أهم، وأبرز، وألمع، وأجمل الحقب في تاريخ اللعبة، وهي أكثر الفترات تحقيقا للانتصارات علي كل المستويات.

لماذا أكتب عن محمود الجوهري في هذا المقام.. بينما نحن نفتح ملف مستقبل الكرة المصرية وإلي أين هي ذاهبة بعد ما عانته عبر أزيد من عامين ونصف العام.. هي الفترة التي تلت ثورة 25 يناير؟

ما هو وجه الارتباط بين محمود الجوهري الذي انسحب منذ سنوات تاركا الساحة لمن تآمروا عليه لسنين طويلة وبين الكلام عن شكل المستقبل الذي يغيب عنه الرجل؟

ما دخل الجوهري في الحالة التي تعيشها الكرة المصرية حاليا.. وباتت تبدو وكأنها قد دخلت في نفق مظلم لا يعلم أحد غير الله كيف ومتي ستخرج منه؟!

الحقيقة أنني أسجل هنا ــ وهذا للتاريخ ــ رحلة صعود الكرة المصرية عبر ما يقرب من ثلاثين عاما.. وبالتحديد ابتداء من عام 1982، حين نقش الأهلي اسمه في سجل الأندية الأبطال في أفريقيا، وحصل علي لقب البطولة الأهم، وهي البطولة نفسها التي غابت عن مصر كثيرا، منذ أن حصل عليها النادي الإسماعيلي في التاسع من يناير عام 1970، ولك أن تعرف أن المدير الفني آنذاك كان محمود الحوهري، الذي كان بالكاد قد بلغ الخامسة والأربعين من عمره.

من الواضح أن الرجل كان عبقريا في عمله، وهو أمر كان من السهل أن يلمسه الناس عن بُعد، ولكن كان من الممكن أيضا أن تكون شاهدا علي ذلك بالفعل، حين تتاح لك أن تعيش مع منتخب مصر، لمدة تقترب من شهر كامل، كانت نهايتها تشهد حصول منتخب مصر علي كاس الأمم الأفريقية في بوركينافاسو عام 1998، بعد غياب دام 39 عاما عن الفوز بها خارج الأرض.

..........................

كان محمود الجوهري ــ وكلامي هنا كشاهد عيان موضوعي ــ عبقريا بكل معني الكلمة، لم يكن يترك للمصادفة أي دور، كان بارعا في استنفار اللاعبين، وتحفيزهم علي إخراج كل ما لديهم في الملعب، ولذلك لم يكن غريبا أن يعود الفريق، وهو يحمل كأس الأمم، التي لم يتوقعها أحد بالمرة لحظة أن كانت الطائرة تحلق في سماء القاهرة، في طريقها إلي "بوبوديولاسو"، المدينة التي لعب فيها منتخب مصر أغلب مبارياته في البطولة.

كان حصول الأهلي علي لقب بطولة الأندية أبطال الدوري، هو الخطوة الأولي فقط في رحلة صعود الكرة المصرية، وقد توالت من بعدها خطوات، ولكن الخطوة الأهم والأبرز والأكثر، هي التي يفصلنا عنها الآن ما يزيد قليلا علي عشرين عاما، وهي وصول مصر لنهائيات كأس العالم في إيطاليا.. كان ذلك في يوم 17 نوفمبر عام 1989، وهو اليوم الذي كنت أيضا شاهدا عليه، ولكن في مقر إقامة بعثة منتخب الجزائر، الذي شهد حادثة إصابة الطبيب المصري الشهيرة. في ذلك اليوم.. خرجت مصر كلها تقريبا في الشوارع، وربما كانت هي المرة الأولي علي الإطلاق، التي تخرج فيها مصر بهذه الصورة، معبرة عن فرحتها بهذا التأهل، كان الخروج جديدا وفريدا، وربما لم يسبقه خروج بهذه الصورة، إلا يوم أن زحف الناس للشوارع يبكون زعيمهم.. جمال عبدالناصر.. مودعين لجثمانه، يوم الأول من أكتوبر عام 1970، في مشهد نادر فريد لأمواج لا تنقطع من البشر غطت شوارع القاهرة، حتي ضاقت بمن فيها، رغم أن تعداد المصريين لم يكن قد تجاوز نصف ما نحن عليه الآن.. وكان الرقم بالتحديد يدور حول 36 مليون نسمة.

لم ينتبه الكثيرون لحجم وقيمة ووزن ما حققه محمود الجوهري لمصر.. كان الرجل يكتب تاريخ مصر بكل معني الكلمة، ولكن التاريخ كما نعرف لا يكتبه من عاشوه، أو علي الأقل لا يتم كتابته يوم حدوثه، ولهذا كانت الفرحة الكبيرة الطاغية، وتفاعل الناس الأسطوري مع هذا التأهل، الذي جاء بعد غياب دام 56 عاما، هو كل ما كان بإمكاننا أن نرصده.. ونتوقف عنده، ولكن بإمكاننا الآن أن نقول إن ما فعله الجوهري في ذلك اليوم.. تحديدا، كان ــ كما أشرت في السطور السابقة ــ خطوة تاريخية، كانت ستجد طريقها إلي أنصع صفحة في كتاب التاريخ الكروي المصري، وبعيدا عمن كانوا يتربصون به، وهم الذين كانوا ينتظرون أنصاف الفرص، بلغة الكرة القدم، حتي يطيحوا به من فوق مقعد المسئولية الفنية عن منتخب مصر لكرة القدم، ورغم أن المتربصين الحاقدين علي نجاح الرجل، نجحوا فيما رتبوا له، إلا أن الواقع يقول ــ وفق ما نراه الآن بالنظر إلي المشهد كاملا عبر حقبة كاملة ــ إن الجوهري بدأ أهم رحلة صعود في تاريخ الكرة المصرية، وهي الرحلة التي استمرت حتي عام 2010، حين أحرزت مصر اللقب الثالث لكأس الأمم الأفريقية علي التوالي.. والسابع في تاريخها علي الإطلاق.. مع التأكيد علي أن محمود الجوهري أرسي أول قواعد الحداثة، حين وضع نظام الاحتراف، الذي كنا ومازلنا نعمل بآلياته، ومفاهيمه إلي الآن رغم حجم ما ناله من هجوم ونقد بشع.. لسنين طويلة، وطويلة جدا.

................................

هذا هو مجمل ما دفعني إلي وضع الرمز المصري محمود الجوهري في صدارة حديثي في هذه القضية، فعلي قدر فهمي، وكما أظن أن التاريخ لابد أن يجري كتابته بالنظر إلي المشهد كاملا، مشهد عمره الآن ما يقرب من ثلاثين عاما، لو بدأنا بلقب الأهلي في أفريقيا، أو عشرين عاما، لو اعتبرنا التأهل لنهائيات كأس العالم، هو نقطة البداية، وفي كل الأحوال.. يقول الواقع إن تأهل مصر لنهائيات إيطاليا، هو الذي صنع سنوات صعود الكرة المصرية، وهي السنوات التي أزعم أنها انتهت، وبدأت بالفعل سنوات، ليس لها أي ملمح من ملامح السنوات التي سبقتها، وهو ما يدفعنا إلي التساؤل: هل ستكون هذه السنوات هي السنوات العجاف؟!

بالطبع ليس من العقل، ولا من السهل.. أن نقدم ردا الآن، ولا يمكن بأي حال أن نتكهن إلي أين سنذهب؟

ولكن المنطق يفرض علينا أن نتوقف لنبحث، وندرس، ونفتش، ونستشرف آفاق المستقبل، لعلنا ننجح لمرة في الترتيب لما هو قادم في المستقبل!

...............................

قبل أن أبدأ في قراءة ملامح الغد.. يهمني هنا أن أضع تفاصيل المشهد الكروي المصري في العقود الثلاثة الأخيرة، وكيف كانت تتبدل الأشياء إلي الأفضل.. عاما وراء الآخر.

علي المستوي الفني.. يمكن القول إن تاريخ مصر كله.. عربياً، وأفريقياً، ودولياً.. يكاد يكون قد تحقق كله سواء علي مستوي الأندية أو المنتخبات, وربما كان الأبرز علي الإطلاق هو التأهل لنهائيات كأس العالم عام 1990، والمشاركة في كأس العالم للقارات في المكسيك، ثم في جنوب أفريقيا عام 2009، بجانب إنجازات الأندية المصرية في بطولات أفريقيا، وتأهل الأهلي لكأس العالم في اليابان ثلاث مرات. وعلي المستوي التنظيمي.. باتت هناك علاقات تعاقدية احترافية بين الأندية واللاعبين، رغم التحفظ علي ما انطوي علي تفاصيلها من مبالغات في أرقام عقود اللاعبين، بجانب ظهور وكلاء اللاعبين، والاعتراف بنشاطهم، وتقنين وجوده.

وعلي المستوي الاجتماعي.. احتلت كرة القدم صدارة الاهتمام عند قطاعات عريضة من المصريين، وباتت هي النشاط الأبرز والأكثر تأثيرا في حياتهم، في ظل غياب الاهتمام بأي مجال آخر، نتيجة لافتقاد المشاركة السياسية، والانشغال بالشأن العام، وبالتالي صارت الأندية واللعبة نفسها، هي النشاط الأبرز، وربما الأهم، الذي يمنحه الناس الكثير من وقتهم، إن لم يكن وقتهم كله، وهو ما أدي في النهاية إلي حالة من الاحتقان الدائم، بين مشجعي الأندية المختلفة، خاصة الأهلي والزمالك.. علي وجه التحديد، وهو ما أفضي في النهاية إلي واقع متعصب.. يتفجر فيه العنف بين الحين والآخر.

وعلي المستوي الإعلامي.. كانت بدايات التسعينيات من القرن الماضي، هي الفترة الذهبية للإعلام الرياضي، حيث ظهرت المطبوعات الرياضية الواحدة تلو الأخري، وأفردت المساحات التي تتناول المحتوي الرياضي في الصحف العامة.. الصباحية منها أو الأسبوعية، القومية منها والمستقلة والخاصة، وما هي إلا سنوات قليلة، حتي أخذت البرامج الرياضية تنتشر في القنوات المختلفة، وصولا إلي إطلاق القنوات الرياضية المتخصصة، التي بدأت مع قناة النيل للرياضة عام 1998، ثم توالت القنوات مع الألفية الجديدة، حتي وصلت قبل عامين.. إلي ست قنوات، وعشرات من البرامج، وهاهي تتقلص الآن، بعد أن بدأت في الانحسار.. بإغلاق القناة تلو الأخري، وتوقف العديد من البرامج.

كان للمحتوي الرياضي الإلكتروني من خلال شبكة "الإنترنت"، نصيب وافر، وتدفقت المواقع الرياضية بشكل ملفت للانتباه، ووصل الأمر إلي حد حصر العشرات من المواقع المصرية، التي تركز علي تقديم ما يخص كرة القدم.. من أخبار، ومتابعات، وحوارات، وتقارير.. ولكن يتراجع كل هذا الآن لأسباب فنية، تتعلق بتوقف النشاط عموما، وغياب الزائرين، نتيجة للتحول نحو الاهتمام بالشأن العام، وما يجري في مصر منذ ثورة 25 يناير.. وحتي الآن. وعلي المستوي الاقتصادي.. شهدت الكرة المصرية حالة غير مسبوقة من الانتعاش، وتضخمت عقود الرعاية لتصل إلي مئات الملايين من الجنيهات، بجانب ارتفاع أرقام العوائد من حقوق البث التليفزيوني، بشكل مطرد خلال ما لا يزيد علي ست سنوات، ولكن الوضع يتبدل الآن بشكل درامي، ومخيف، وربما لن يسهل الوصول إلي نفس الأرقام في المستقبل المنظور.

والسؤال الآن: إلي أين نحن ذاهبون؟ ما هي صورة المستقبل؟ ماذا سيحدث بالضبط بعد أن أخذت كل الأشياء في التراجع بشكل سريع ومطرد؟ هل يمكن أن تعود الكرة من جديد لتحتل نفس مساحة الاهتمام عند الناس مثلما كانت قبل ثورة 25 يناير.. أم أنها ستأخذ النصيب الذي يمنحه لها الناس في الغرب المتقدم؟ هل سينتعش الإعلام الرياضي مرة أخري.. أم ما نحن فيه هو إعادة تشكيل مشهد مختلف تماما؟ هل ستبقي عقود اللاعبين كما كانت بالملايين أم ستحدث عملية تصحيح للأرقام لتعود في حدود المنطقي والمعقول؟

أسئلة تنتظر الإجابة.. دون أن يكون لأحد منا القدرة علي التنبؤ بالوضع في مقبل السنوات.. فقط يقف الكل ــ بين الأمل والرجاء ــ يترقب ملامح المشهد القادم.. والحقيقة المؤكدة هي أننا علي أعتاب واقع جديد.. ولو كان هناك من يجيد التعامل مع المستقبل من صناع القرار، ما وقف متفرجا مكتوف اليدين، يتابع في دهشة تفاعل الأحداث، التي قد تأخذنا إلي سنوات عجاف بكل ما تحمله الكلمة من معان!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق