مشهد نهاية الألتراس.. وأشياء أخري
12
125
مشهد نهاية الألتراس.. وأشياء أخري
لم تكن الدقائق القليلة التي سبقت لقاء الأهلي وليوبار الكونغولي يوم السبت الماضي.. مجرد دقائق شهد خلالها استاد الجونة شغبًا وصدامًا وتبادلاً لإطلاق نيران الشماريخ والغضب.. وإنما كانت أقرب إلي مشهد نهاية فيلم طويل كان صاخبًا ومثيرًا حافلاً بالمعارك والمطاردات والقتلي والدماء.. والمشكلة الآن هي تحديد اسم الفيلم الذي استغرق عرضه سنوات قليلة مضت لتكون نهايته علي شاطئ الجونة.

سيتخيل كثيرون أن الألتراس هم عنوان هذا الفيلم.. لمجرد أن مشهد النهاية في الجونة كان لأعضاء الألتراس وهم يتبادلون الشتائم والصراخ والهتافات العدائية وإلقاء الشماريخ.. وقد كان المشهد صادمًا ومفاجئًا بالفعل لأن ما جري لم يكن فصلاً جديدًا من حرب قديمة ودائمة بين ألتراس الأهلي والزمالك أو الأهلي والمصري أو الزمالك والإسماعيلي.

وإنما كان بين ألتراس الأهلي وألتراس الأهلي.. المرة الأولي في تاريخ الألتراس والكرة المصرية التي نشهد فيها حربًا أهلية داخلية بين صفوف منتمين لناد واحد.. المرة الأولي التي تختلط فيها الصور والمعاني والدلالات حيث كان الألتراس في الماضي يقولون إنهم يدافعون عن ناديهم وألوانه ومكانته وأنهم سيحاربون أي أحد ينتقص من قدر ناديهم ومكانته..

لكن في مشهد الجونة لم يكن كل ذلك صالحًا للكلام أو الإقناع أو الاحترام أو حتي القبول.. فالحرب دارت والنادي واحد.. والنيران اشتعلت واللون واحد.. والمدرجات تحولت إلي فوضي وليس هناك أي أعداء من الخارج.. وهكذا تخيل هؤلاء الكثيرون أن عنوان الفيلم هو نهاية الألتراس.. ولهؤلاء عذرهم بكل تأكيد.. ودعك من تلك المسميات الجانبية..

ألتراس الأهلي ورد ديفيلز والوايت نايتس والدراجونز وكل هذه الأسماء والألقاب الزائفة التي يتم اختراعها لأنهم في النهاية ينتمون لأندية محددة لها أسماء ثابتة وواضحة.. ولهذا لم يعد أحد سينخدع بالزعم بأنها لم تكن حربًا أهلية داخل ألتراس الأهلي.. وإنما صدام بين ألتراس أهلاوي وبين الرد ديفيلز.. فهذا مجرد كلام للاستهلاك الكروي والجماهيري والإعلامي..

لأن الحقيقة البسيطة تبقي أنها كانت حربًا أهلية داخلية تخص النادي الأهلي وجماهيره أيًا كانت الأسماء والألقاب. ومن حق أي أحد الآن أن يعارضني قائلاً إنها كانت مجرد انفلاتة أعصاب أو لحظة توتر وحماقة عاشتها مدرجات الأهلي ولم تستغرق سوي دقائق قليلة سرعان ما عاد الهدوء بعدها وأقيمت المباراة التي لم تشهد عقب نهايتها أي صدام جديد أو أحداث عنف كما هو متوقع..

بل وأصدرت رابطة الرد ديفيلز بيان اعتذار عما جري.. ولكن الحقيقة غير ذلك.. بل إن الحقيقة ليست أيضًا ما حاول البعض ترديده دفاعًا عن الألتراس وأن ما جري كان بسبب الخلاف علي رفع صور الراحل محمد عبدالوهاب شهيد الأهلي ما بين مؤيد أو معارض لرفع هذه الصور بالعبارات المرافقة لها.. فالحكاية كانت تخص رابعة العدوية واعتصامها..

وهل يرفع الألتراس لافتات التضامن مع رابعة.. أي الإخوان.. أو لا يتم رفع تلك اللافتات في مدرجات الأهلي.. فهذا هو السبب الحقيقي للصدام.. وهذا هو السبب الحقيقي أيضًا لاعتذار لاعبي الأهلي عن عدم الاستجابة لدعوة أبوتريكة لهم للجري نحو مدرجات الألتراس وتحيتهم كما كان معتادًا طيلة سنوات قليلة مضت.. وليست القضية هنا هي كم عدد ألتراس الأهلي ولاعبيه المؤيدين للإخوان أو الرافضين لهم.. فهذا كلام له مجال آخر.. وإنما تبقي القضية هي كشف الوجه الحقيقي الحالي لجماعات الألتراس كلها.. وليس ألتراس الأهلي فقط..

بعدما سقطت أقنعة كرة القدم ولم تبق إلا أقنعة السياسة والأهواء وحسابات المصالح الخاصة ومطامعها.. فحتي قيام ثورة يناير عام 2011.. كانت الحسابات مع ألتراس الكرة المصرية واضحة وظاهرة ومحددة.. شبان يعشقون أندية الكرة ويتعصبون لها بشكل رومانسي أحيانًا تتجسد فيه صفات العشق وملامحه.. أو بشكل عنيف أحيانًا أخري يتمثل في جرائم وانتهاكات وخروج عن قواعد النظام والقانون.. وكان هناك من يحبهم أو يكرههم.. يتعصب لهم مدافعًا عنهم أو خائفًا منهم علي الكرة المصرية رافضًا كل هذا العنف والتعصب.. أي أن الجدل كله كان محصورًا تحت عناوين كرة القدم ولافتاتها.. حتي جاءت الثورة في يناير وخرج الألتراس إلي ميدان التحرير.. فكانت هذه الخطوة هي بداية النهاية للألتراس مثلما كانت بداية النهاية لآخرين كثيرين ووجوه وأفكار وجماعات ومعان لا أول لها ولا آخر. نزل الألتراس إلي ميدان التحرير وشاركوا في الثورة.. وهذه حقيقة لا يصح أن نسرقها من الألتراس مهما اختلفنا معهم الآن.. لكن المشكلة أن ترحيب الناس بوجود الألتراس في التحرير وفرحتهم بطبول الألتراس وشماريخه وراياته وتنظيماته جعل قادة الألتراس يمنحون أنفسهم أحجامًا غير حقيقية وغير واقعية..

فتخيلوا أنهم دومًا الحسبة الرابحة في أي لعبة سياسية.. وأن الكل سيخطب ودهم ويغازلهم سواء كانوا سياسيين أو صحفيين.. بل إن مرشحي الرئاسة كلهم كانوا يغازلون الألتراس ويحرصون علي خطب ودهم والفوز بتأييدهم.. إلا أن الألتراس قرروا فجأة أن يرموا أنفسهم في أحضان الإسلام السياسي ما بين جماعة الإخوان أو أنصار حازم صلاح أبو إسماعيل وحتي الجماعة الإسلامية أيضًا.. وكانت الصفقة وقتها أن يستفيد قادة الجماعة أو حازم أبو إسماعيل من الألتراس كأدوات في ساحات الصراع السياسي ما بين مظاهرة ومسيرة هنا أو إشعال حرائق ونيران الشغب هناك..

وهو ما جري بالفعل بداية من مشاركة ألتراس الزمالك مع رجال الشيخ حازم أبو إسماعيل في حصار مدينة الإنتاج الإعلامي وحتي مشاركة ألتراس الأهلي في اعتصام رابعة العدوية ومسيراتهم التي كانت تطوف شوارع مدينة نصر تشتم الداخلية وتطالب بعودة محمد مرسي للحكم.. أما الألتراس أنفسهم فكانت الحسبة من وجهة نظر بعضهم مكاسب مادية حقيقية تم فضحها يومًا بعد يوم.. وبالنسبة للأغلبية كان المكسب هو الانتقام من وزارة الداخلية التي لم ينسوا لرجالها المعاملة القاسية والتفتيش أمام بوابات ملاعب الكرة.. وإذا كان من الممكن فهو إحساس أي شاب بالجرح والغضب والمهانة والإصرار الداخلي علي الثأر ورد هذه الإهانة..

إلا أن الذي يصعب فهمه هو دوام مسلسل الثأر بمثل هذا الشكل الذي لم يعد مقنعًا لأحد ولا قابلاً للتصديق فضلاً عن التعاطف معه أيضًا. ثم كانت حكاية بورسعيد.. أو مأساة استاد بورسعيد.. التي أرجو أن يتمهل الكثيرون قبل الإسراف في اتهامات من دبرها ومن خطط لها وقام بها.. فقد أصبح من السهل الآن أن يخرج علينا أي أحد ويؤكد أن أحدهم هو الذي قام بالتخطيط وإدارة هذه المذبحة.. بعض هؤلاء قالوا إنه خيرت الشاطر وبعض آخر أكدوا أنه البلتاجي..

ولست هنا أدافع عن أي أحد أو أهاجمه.. إنما فقط أرفض كل الاتهامات الإعلامية المجانية دون تمهل وتدقيق وتقديم مستندات وأدلة حقيقية وليست مجرد خواطر وظنون وعبارات إنشائية.. المشكلة فقط أن الوحيدين أصحاب المصلحة المباشرة في معرفة الجاني الحقيقي.. أي ألتراس الأهلي.. هم الذين لا يهتمون بذلك.. كأنهم لا يريدون معرفة الجاني الحقيقي ليثأروا وينتقموا منه وهم الذين صدعونا لمدة سنتين بإصرارهم علي الثأر لدرحة محاربة عودة أي نشاط كروي.. فجأة لم تعد هذه القضية تعنيهم أو تشغلهم مطلقًا.. كأننا أمام حالة طلاق بات بين ألتراس الأهلي.. والألتراس كله.. وكرة القدم ومأساتها وحكاياتها وقضاياها.. فقد دخل الألتراس غابة السياسة ولن يخرج منها ولن ينجو أيضًا من فخاخها..

ولهذا لم تعد نهاية الألتراس إذن هي العنوان المناسب لهذا الفيلم.. إنما هي نهاية أشياء كثيرة جدًا.. أشياء يمكن اختصارها في أن كرة القدم عادت لحجمها الحقيقي ومكانتها الطبيعية.. وبالتالي لن يبقي الألتراس جماعات سياسية أو قوية قادرة علي احتلال الميادين والشوارع.. ولا عادت جماهير الكرة مغلقة علي نفسها لا تري في مصر إلا ملاعب الكرة ومن يفوز أو يخسر.. فنحن باختصار أمام عملية مراجعة ورد كل شيء إلي أصله وحقيقته.. بداية من كرة القدم.. وحتي الألتراس وكل مجانين وعشاق وبلطجية كرة القدم.

رابط دائم: 
كلمات البحث:
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق