عبدالرحمن الأبنودي: "الخطيب" خطفني من عشق الإسماعيلي
اشرف عبدالشافى
12
125
عبدالرحمن الابنودى
نعم هو الخال عبدالرحمن الأبنودي الشاعر الكبير الذي أسهم في تشكيل وجدان المصريين ونقل العامية المصرية إلي كل العواصم العربية، نعم هو الذي كتب للعامل في السد العالي ولأبطال القنال في حرب الاستنزاف وللفقراء والبسطاء في القري والنجوع، وكتب أيضًا للثوار في ميدان التحرير، نعم هو الذي يتحدث اليوم ولأول مرة عن كرة القدم وسحرها، عن حرفنة محمود الخطيب وتاريخ ليفربول!، وقد يكون ذلك مفاجئًا للكثيرين، لكنه بالنسبة لي كان أكبر من ذلك وتخطي حدود المفاجأة والدهشة وأنا أسمع صاحب السيرة الهلالية يشرح الفرق بين موهبة مارادونا وميسي!!. أما كيف جاء الحوار ومن أين بدأ وإلي أين انتهي فيصعب اختصار ذلك وقد يحرمنا من متعة حديث الخال عبدالرحمن الأبنودي عن الساحرة المستديرة التي وقع في هواها منتصف السبعينات مع العصر الذهبي لليفربول الإنجليزي، وإذا تحدث الخال فعلينا الصمت والإصغاء.. قول يا خال:

أنا عندي علاقة بالكرة الأرضية مش هيكون لي علاقة بكرة القدم يا ولدي؟ أنا كنت "ليفربولي" من الدرجة الأولي، والفريق ده كان مجرم وهو اللي خلاني أحب الكورة الإنجليزية، بس فجأة اتدهور حال ليفربول بعد كارثة الملعب الشهيرة بتاعتهم، وكانت الكورة الإسبانية بدأت تظهر وتلعلع والواحد اتعلم من يومها إن الكورة متعة وإنك مش ممكن تحس بالمتعة دي وأنت متحيز بكامل حواسك لفريق معين أو ناد محدد، الحكاية دي تبوظ المتعة، وعلي فكرة العنف والتعصب بيتولد في البيوت، تلاقي الأب يجبر الابن أو الابنة علي تشجيع الفريق اللي بيحبه، ويطلع العيل الصغير في البيت وهو شارب وراضع إن الفريق الفلاني جزء من العائلة، وطالما الأب متعصب للفريق ده يبقي كدا خلاص هو كمان لازم يدافع عن الفريق ده بالروح والدم!! ده شيء رهيب علي فكرة، لازم ندي لأولادنا فرصة اختيار كل شيء، الإجبار قاتل، أنا عن نفسي كنت بحب الإسماعيلي وكان معظم نجوم الفريق أبوجريشة وعبدالرزاق وكتير منهم أصدقائي وأحبابي، لكن في نفس الوقت ما أقدرش ما أحبش الأهلي عشان محمود الخطيب، الخطيب ده موهوب موهبة فريدة ومؤدب، وهو حاليًا من أصدقائي المقربين وبيزورني كتير، وبشكل عام الجيل ده كله من أولاد الطبقة المتوسطة كان بيحاول يقدم متعة للجمهور سواء في كرة القدم أو في السيما أو الغنا، يعني تلاقي الخطيب ونور الشريف وعادل إمام وعلي أبوجريشة وحسن شحاتة وغيرهم كتير عاشوا في ذاكرة الناس، لكن دلوقتي ما بقاش فيه كورة زي زمان، الاحتراف بوظ علي الغلابة اللي زي حالاتي متعة الكورة المصرية، أصله اتعمل من غير قواعد ولا أصول ناس قالت تعالوا نعمل احتراف وعملوا حاجة زي الاحتراف مش واخدة منه غير الاسم بس، عشان كدا تلاقي كل شوية يقول لك اللاعب الفلاني في مشكلة مع النادي العلاني وما أعرف مين اتخانق مع مين!! لا، لا، لا يا ولدي الكورة بره حاجة تانية والاحتراف ليه أصول واضحة مش شغل فاضي، بتشوف الواد "ميسي" عامل إزاي؟! (يصمت الخال قليلًا، ثم يتجلي: "علي فكرة اللاعب ده معجزة لأنه بيعتمد علي موهبته بس، يعني لا يملك خبث ومكر ودهاء "مارادونا" مثلا!، وبعدين مش أناني، وعنده استعداد يبقي صانع ألعاب بس، لكن المجرم "مارادونا" ده بيحب نفسه بشكل كبير، عايز الملعب كله تحت أمره، كل شيء مسخر لمارادونا بس!، هو موهوب طبعا مش عايزة كلام، بس مش طيب زي الواد "ميسي"، "ميسي" ده شريف.. والتاني لص (يضحك الخال ويصمت قليلًا وأخشي أن أتحدث أو أعلق بكلمة أو أسأل سؤالا فربما قطعت بغبائي هذا التدفق الجميل وخسرت فرصة عمري، لكن لساني نطق) وقلت للخال: الشاعر الكبير محمود درويش كتب مقالا جميلا عن مارادونا!، فقال الخال بسرعة بديهة معهودة: آه.. درويش كان "درويش" كورة برضه، وهو و"مارادونا" فيهم شبه من بعض (يضحك كأنه اكتشف تلك العلاقة بين اللاعب الأرجنتيني الأشهر في تاريخ كرة القدم وبين واحد من أكبر شعراء العالم العربي هو الشاعر الكبير محمود درويش) ويضيف: درويش خبيث في القصيدة، تجدها غارقة في الحب والرومانسية وهي وجع في قلب الوطن!، تلاقيها بريئة ومسالمة وهي طعنة في صدر الحكام العرب الذين خذلوا القضية الفلسطينية، و"مارادونا" خبيث في الملعب بيجيب أجوان بإيده ويجنن الحكام والمنافسين!، وإذا كان "مارادونا " بيحب نفسه، فكل الشعراء نرجسيون ويعشقون ذواتهم وكان درويش شاعرًا كبيرًا ونرجسيًا أيضًا، أنا بقي نفسي الكورة المصرية تنفض الكسل وتتعامل مع الموضوع بجدية عشان نشوف جيل حلو يمتع الناس ويعرف قيمة البلد اللي بيمثله في البطولات، عندنا حاجات حلوة بس عايزين أكتر، كرة القدم تعكس ثقافة الشعوب، شوف البرازيل بتعمل إيه في الكورة، والألمان كمان عندهم كورة حلوة، هو إحنا بنحب الكورة بتاعتهم من شوية؟! عارف الفرق بين الكورة عندنا وعندهم عامل زي إيه؟ زي التليفون أبوقرص اللي كان في بيت العمدة زمان والموبايل حاليًا! شوف الفرق قد إيه؟ (يضحك الخال) ويواصل: "مش كفاية عليك كدا؟! خالك تعبان". وهنا كدت أفقد النطق تقريبًا، واكتفيت بما رزقني الله من حلو الكلام مع الشاعر الكبير الذي لم يرد طلبي وقبل الحديث عن كرة القدم رغم ما يدور حولنا من أحداث ساخنة لا تتوقف عن الاشتعال، وحمدتُ الله بالفعل وقبل أن أشكر شاعرنا علي وقته وأتمني له عمرًا مديدًا ومتعة دائمة بالحياة وكرة القدم، وجدته يباغتني ويسأل دون أن ينتظر إجابات: "شوفت "أتليتكو" عمل إيه في الريال؟ أنا بشجع الريال في الأصل، لكن الماتش ده (يقصد مباراة كأس ملك إسبانيا التي أقيمت مؤخرًا بين (أتليتكو مدريد وريال مدريد) كنت بشجع أتليتكو لأنهم لعبوا قد الريال عشر مرات، بس الشيء المحزن هو إللي عمله الواد رونالدو! اللاعب ده موهوب جدا، لكنه أحزن كل محبيه وعشاقه في أنحاء العالم بتصرفات غير لائقة، حد يضرب بسن الجزمة وبالعنف ده؟! أنا فرحت لأتليتكو جدًا... مش هتيجي تشوف معايا ماتش حلو في الإسماعيلية؟!.. وقلت وأنا أتمتم بكلمات الشكر: ربنا يكرمك يا خال ويخليك لينا وزيارتك شرف ليا ولكل جيلي.. تصبح علي خير.. في أمان الله. الكارثة التي لا أعرف عنها شيئًا أغلقتُ الهاتف وأنا غير مصدق أن "الخال" يمتلك كل هذه المعرفة بالكرة وبنجومها، كنتُ أعرف من خلال حوارات سابقة في بيته بالإسماعيلية أنه يحبها ويشاهد بعض المباريات وحكي لي في الشتاء قبل الماضي عن ذلك، لكنني لم أتخيل أن أتحول إلي جاهل أمام هذا الكم الكبير من المعلومات، فقد راجعت حديث "الخال" عن فريق "ليفربول" واكتشفت أنني لا أعرف شيئًا عن قصة الكارثة التي أوردها في سياق حديثه عن تدهور ليفربول، وجلست مثل تلميذ خائب أمام محرك البحث "جوجل" وكتبت (كارثة ـ ليفربول ـ الثمانينيات) وتدفقت المعلومات وعثرت علي فيديو واحد يجسد تلك المأساة التي شهدها ملعب هيلزبرة عام 1989في نصف نهائي كأس الاتحاد بين نوتنجهام فورست وليفربول حين قامت الشرطة باختيار مناطق وكثافة الجمهور ومنحت نوتنجهام 21000 مقعد، في حين تم منح ليفربول 14600 فقط علمًا بأن شعبية الأخير تضاعف شعبية صاحب الحصة الأكبر من المقاعد، ومع تزاحم جماهير ليفربول في الممرات تجاه الملعب في محاولة الدخول لم تستطع الشرطة السيطرة علي الوضع!، وضغطت الجماهير من الخلف ودفعت الجالسين في المقدمة فاتجهوا إلي السياج وتم كسرت الحواجز وسقط السياج ووقعت المأساة بالسقوط والاختناق والإصابات وسقط 96 شخصًا (بخلاف الجرحي) كلهم من جماهير ليفربول. ـ هذا هو "عبدالرحمن الأبنودي" الذي لا يحتاج إلي تعريف فهو الشاعر الذي كتب أحلي أغاني الذاكرة المصرية (عرباوي وشاغلاه الشابة الحلوة السنيورة أم التربيعة بترسم ضلاية علي القورة"، لم يرتخ عود "الأبنودي "مرة رغم الوجع والألم، لم يفقد قوته وحضوره، حاربوه، فذهبوا وبقي الفتي الأسمر الذي تعشقه الجدات في القري والنجوع، ويحفظ أشعاره شباب الجامعة الأمريكية، جمع الأبنودي كل هؤلاء: "الجينز والبالطو والجلباب.. الطرحة والحجاب وتسريحات الهوانم"، اعتبر الأبنودي ثورة يوليو جزءًا منه فغني لها وكتب روائعها وسجل أسطورة العاملين بالسد العالي في أجمل قصيدة روائية (جوابات حراجي القط العامل في السد العالي لزوجته فاطمة عبدالغفار)، وكتب لعبدالحليم أكثر من خمسين أغنية: (عدي النهار، أحلف بسماها وبترابها.. وغيرها)، لكنه لم يقدس عبدالناصر أو يراه ملاكًا، لم تكن الثورة الحلم الرومانسي الخالص بالنسبة له، وحدث صدام كبير ودخل الشاعر المعتقل، وتوسط له الشاعر الراحل "صلاح جاهين" وخرج، لكن الصدام الأكبر كان من الوشاة أو المخبرين الذين حاولوا توريط الشاعر مع عبدالناصر نفسه وكتبوا تقارير رقابية خطيرة حول فيلم (شيء من الخوف) المأخوذ عن رواية للكاتب الراحل ثروت أباظة، وتبرأ "أباظة" من معالجة الرواية سينمائيًا، وأصبح الأبنودي الذي كتب السيناريو والحوار والأغاني هو المتهم بالتطاول علي الثورة وعلي عبدالناصر نفسه، فالبطلة فؤادة هي مصر وعتريس الذي اغتصبها هو عبدالناصر.. ورجال عتريس الذين يحرقون الأرض ويغتصبون النساء ويمارسون الجبروت هم رجال عبدالناصر!، ومع ذلك شاهد عبدالناصر الفيلم، وبذكاء وخبث ومكر، وافق علي عرضه دون حذف مشهد واحد أو أغنية واحدة، جماهيرية الأبنودي في ذلك الوقت كانت في القمة، فأشهر مطربي مصر والعالم العربي يتغنون بكلماته، بل إن انقلابًا جديدًا في الغناء أصبح يقوده الأبنودي مع بليغ حمدي ثم مع كمال الطويل، فمن يصدق ـ مثلاـ أن فايزة أحمد تهزم لكنتها الشامية وتغني (يا إما القمر ع الباب.. وقاعد معاي..)؟.، ومع النكسة التي حطمت قلوب المصريين وكسرت أعناق الرجال وجعلت ناصر يعلن التنحي، غني حليم للأبنودي (عدي النهار)، كانت كلمات قاسية لكنها مثل ضمادات لابد منها كي تشفي الجروح: "عدي النهار والمغربية ماشية تتخفي ورا ضهر الشجر وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها يا هل تري الليل الحزين أبوالنجوم الدبلانين أبوالغناوي المجروحين يقدر ينسيها الصباح أبوشمس بترش الحنين؟ أبدًا بلدنا للنهار بتحب موال النهار لما يعدي في الدروب ويهدي قدام كل دار". وسعي الأبنودي لتثوير الناس من جديد لمنحهم بعض الأمل والشعور بالقوة والعزيمة فكتب: (أحلف بسماها وبترابها، أحلف بالقمح وبالمصنع، بأولادي بأيامي الجاية ما تتغيب الشمس العربية طول ما أنا عايش فوق الدنيا). كان الأبنودي علي أرض المعارك الوطنية وأحداث مصر الكبري.. لكنه كان هناك أيضًا مع البشر مع قلوب الفتيات وصوت "نجاة" الحالم (عيون القلب سهرانة ما بتنامشي.. لا أنا صاحية ولا نايمة ما بقدرشي..)، كان هناك مع قصص الحب الكبري عند الشباب (الهوي هوايا أبني لك قصر عالي واخطف نجم الليالي..)، وكانت فايزة أحمد تغني للبنات العائدات من حقول القمح في القري (ومادام معاي اللي باحبه وباريده مادام معاي، وبنقسم اللقمة ونضحك وبنشرب شاي..)، بينما كانت الرائعة "شادية" تتمايل بكلماته معبرة عن بنات القاهرة الواقفات في البلكونات يحلمن بالشاب القوي الشهم: (آه يا أسمراني اللون). كم أغنية تحب؟ وأي مطرب تعشق الاستماع إليه؟ وأي نوع من الأغاني تحب الاستماع إليه؟ عليك أن تسأل نفسك هذا السؤال لأنك ستكشف أن الأبنودي الذي كان يحدثك عن كرة القدم سيكون حاضرًا مهما تكن الاختيارات!، لأنه ببساطة كتب أجمل أغاني مصر من عبدالحليم حافظ إلي محمد منير، ومن أغاني فيلم "شيء من الخوف" إلي أغاني فيلم (البريء)، كتب لصباح أغنيتها الفلسفية الرائعة (ساعات ساعات، أحب عمري وأعشق الحياة..)، وتصالحت "وردة" مع الأيام وأعادها إلي جمهورها بعد غياب بأغنية (طبعًا أحباب)، وتجدد منير والأبنودي معًا بعدد من الأغنيات (شوكولاتة، كل الحاجات بتفكرنيي، من حبك مش بريء، برة الشبابيك، الليلة ديا). الكلام عنه لا ينتهي.. والكلام عن الساحرة المستديرة التي تعلق بها "الخال" والتي شغلت أمثاله من عظماء العالم وسكنت قلوب قادة الجيوش وكبار الأدباء الفلاسفة، لا ينتهي أيضًا.. عاشت المتعة وعاش الكبار لنعرف قيمتها ومكانتها وأهميتها، وأطال الله في عمر الخال ومتعه بالصحة والعافية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق