هؤلاء اللاعبون العظام أدخله الله فسيح جناته.. إن وُجِد له مكان!
عزت السعدنى
12
125
هؤلاء اللاعبون العظام أدخله الله فسيح جناته.. إن وُجِد له مكان!
كان نجيب كنعان مديرا لتحرير الأهرام أيام أن كان الأهرام مازال داخل مقره القديم في شارع مظلوم في باب اللوق.. بجوار المبني الرئيسي للبنك الأهلي المصري.. وكان نجيب كنعان رغم قصر قامته وقوامه الذي يميل إلي السمنة.. رجلاً رياضيًا بمعني الكلمة.. ظريفًا مرحًا.. لكنه عندما يجلس في صالة التحرير وكانت عبارة عن غرفة واسعة تحيط بها مكاتب سكرتيري التحرير أيامها: رجاء عزيز وماهر الدهبي.. وأمامهما مباشرة مكتب صاحب الصولجان الآمر الناهي في الأهرام كله بعد الأستاذ محمد حسنين هيكل.. والذي اسمه: هنري توفيق بحري.. والذي أصبح: هشام توفيق بحري بعد أن أعلن إسلامه وتزوج من الصحفية الشابة الجميلة سناء منصور التي أصبحت فيما بعد نجمة التليفزيون المصري مع سعدي حجازي وفريال صالح وأماني ناشد.

أقول كان عمنا نجيب كنعان صديقًا شخصيًا للأستاذ نجيب المستكاوي شيخ النقاد الرياضيين.. وكانا يجلسان معًا في حديقة النادي الأهلي بالساعات.. وكان من عادة الأستاذ نجيب كنعان ألا يتكلم أبدًا في أي شأن صحفي ساعة الراحة والاسترخاء في حديقة النادي.. بينما نحن نتسابق عبدالوهاب مطاوع وإسماعيل البقري ويحيي التكلي وكامل المنياوي في محاولة للحصول علي توقيع نجيب كنعان علي سفرية أو فلوس رحلة..

بلا فائدة.. وكان رده دائمًا لنا.. هنا وقت الراحة.. الحاجات دي يا حضرات في الأهرام.. موش في النادي الأهلي! << وفي المقابل.. كان الأستاذ علي حمدي الجمال مدير التحرير الآخر.. مثالاً للأدب الجم والذوق الرفيع.. ولا يتردد أبدًا في توقيع أي ورقة لنا.. سواء في الأهرام أو خارج الأهرام.. في النادي.. أو حتي في مطعم فندق الهيلتون الذي كان قد فتح أبوابه أيامها.. وكان حديث البلد كله.. وكنا نجمع القرش علي القرش لكي نأكل في مطعم الهيلتون.. وأيامها كانت وجبة الفراخ بثلاثين قرشا وزجاجة الكوكاكولا بسبعة قروش وزجاجة البيرا الساقعة والاستيلا الكبيرة بـ11 قرشا..

تصوروا..! واكتشفنا نحن شلة الأصدقاء التي كان يتزعمها القومندان الكبير محمود كامل.. أن للأستاذ هيكل ترابيزة مخصوص باسمه.. يسهر عليها مع مدعويه إذا ذهب إلي الهيلتون.. وأشار لنا المترودوتيل علي ترابيزة الأستاذ.. فجلسنا عليها كلنا.. وقال الظريف محمود كامل للمترودوتيل: الأستاذ هيكل قالنا اسبقوني وأنا هاحصلكم! وتعشينا وشربنا كل أنواع الشراب.. ما هو ببلاش بقي.. وفي آخر الليل قال محمود كامل للمترودوتيل: الحساب عند الأستاذ! الأستاذ هنا هو الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام ورئيسنا كلنا، المهم حاولنا خلال أسبوع كامل.. ألا نلتقي بالأستاذ.. لا في اجتماع ولا حتي في ممرات الأهرام أو حتي علي السلالم! إلي أن اصطادنا الأستاذ علي سلم مبني الأهرام القديم.. وقال لنا ضاحكًا: بقي تتعشوا في الهيلتون بـ400 جنيه يا مفتريين! ثم مضي إلي حال سبيله ضاحكًا.. ولم يصنع شيئًا.. بينما تسمرنا في مكاننا علي السلم.. دون أن ننبس ببنت شفة! << وجاء يوم ذهبنا فيه إلي النادي الأهلي لنتناول طعام الغداء.. لنفاجأ بالأستاذ نجيب كنعان يرتدي الشورت والفانلة وحذاء كاوتش أبيض.. ويطلب منا أن ننضم إلي فريق الشمس وكلنا أعضاء فيه.. وهو فريق يضم الكبار الذين مازالوا يعشقون هواية كرة القدم.. وذهبنا معه إلي الملعب الفرعي للنادي الأهلي.. وبدأ التمرين.. ومن أول كرة حاول عمنا نجيب كنعان أن يشوطها فسقط علي ظهره وهو يصرخ من الألم.. لقد حدث له تمزق في عضلات الظهر والتواء في القدم اليمني..

كل هذا حدث من مجرد أن الأستاذ نجيب كنعان.. شاط الكرة ربما كانت أول شوطة له بعد عمر طويل! وحملناه إلي مستشفي الشرطة القريب.. وغاب عنا عمنا نجيب كنعان شهرا بحاله.. حتي عاد إلي حالته الطبيعية وعندما تأملناه في مكتبه لأول مرة بعد الحادث الغريب.. قال لنا ضاحكا: أصلكم ماشفتونيش وأنا صغير! قلنا ضاحكين: إيه حضرتك.. إحنا عارفين كويس.. كنت جن مصور! << مازلنا مع الأستاذ الجميل الرائع الذي اسمه نجيب كنعان.. نذكر عنه أنه كان يحب مساعدة الشباب الصحفي الصغير مثلنا.. ولما كنا دائمًا مفلسين.. وإذا حدث وأراد أي واحد منا أن يدخل في أي مشروع.. شقة.. زواج.. فلابد أن يلجأ إلي «عمل جمعية» مع الرفاق.. وياخد أول واحد «ليفك ضيقته».. ثم يدفع الأقساط الشهرية مرغمًا.. وكان الأستاذ كنعان يتطوع بالدخول في أي جمعية، علي أن يأخذ آخر واحد.. وكنا عادة نجمع يوم القبض قسط الجمعية وكان عادة لا يتجاوز العشرة جنيهات بأي حال من الأحوال.. وفي كل مرة كنا نطيل عمر الجمعية حتي بعد أن تكون قد انتهت لكي يدفع لنا عمنا نجيب كنعان القسط الشهري الذي كان يفرج علينا فسحة وكبابًا وجلوسًا علي كازينو قصر النيل استراحة عشاق ذلك الزمن الجميل الذي ولي وراح! << بقي للأستاذ نجيب كنعان من حكاياته الظريفة هنا أيام الشباب والروقان والأيام الحلوة والصحاب الظراف.. حكاية لا تنسي.. كتبتها في كتابي "أيام في القلب".. أيامها في المبني القديم في شارع مظلوم قبل أن ينتقل بنا الأستاذ هيكل إلي مبنانا الحالي.. كانت الطبعة الأولي للأهرام يتم طبعها في تمام الحادية عشرة مساء.. لتلحق قطارات الصعيد والوجه البحري.. وكنا نجلس في مبني الأهرام حتي تدخل طبعته الأولي المطبعة التي كانت أيامها علي كورنيش النيل في مدخل وكالة البلح.. ولأن من مات ولم ينشر له نعي في الأهرام فكأنه لم يمت.. فقد شاهدت رجلاً من أهل الريف يجري إلي مكتب الأستاذ نجيب كنعان الذي كان واقفًا ساعتها علي باب المكتب ونحن من حوله.. وراح الرجل يرجو الأستاذ كنعان أن يسمح بنشر نعي والده في الأهرام.. حتي يحضر الأهل الجنازة في الغد.. وقال له الأستاذ كنعان: خلاص الجورنال دخل المطبعة.. خليه للطبعة الثانية.. ولكن الرجل راح يرجوه ويستعطفه حتي قبل الأستاذ كنعان.. وكتب علي النعي للعامل الذي يصفف صفحة الوفيات في البدروم: يصرح بالنشر.. إن وجد له مكان.. يقصد "إن وجد له مكان في صفحة الوفيات" لينزل النعي في صفحة الوفيات هكذا.. "توفي إلي رحمة الله فلان الفلاني أدخله الله فسيح جناته.. إن وجد له مكان!".

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
البريد الالكترونى
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق